مقال لا علاقة له بـ (طارق الشناوي)!

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
بادئ ذي بدء: لا علاقة لهذا المقال بشخص، لكنه كُتب والجميع يتحدث عن خلاف بين الناقد (طارق الشناوي) والفنان محمود عبد المغني، وعن تعاطف جماهيري انتصر للفنان ضد إساءة غير مبررة. من هنا كان لابد من سؤال واحد: إلى أين يسير النقد؟
في الأصل النقد أمانة.. مهمة عقلية وأخلاقية تقوم على الفهم والتقويم، لا التجريح.. هو ميزان ليقيس العمل، لا ليكسر صاحبه، لكن المهنة انحرفت حين تحولت من مهمة إلى أهواء شخصية، ومن ميزان إلى منبر.
وإذا خرج النقد من الموضوعية إلى الهوى فقد شرعيته وصار انطباعًا على طريقة (طارق الشناوي)، وصار الهدف الأول صناعة حضور لصاحب القلم.. وما دام أصبح منبراً فلا بد له من قواعد، وأولها اختيار الخصم بعناية.
ومن هنا تظهر المفارقة: لطمة قاسية تهوي من جانب (طارق الشناوي) على وجه فنان عظيم الموهبة؛ لأن صاحبها يعلم أن هذا الوجه لن يرد.. إنها شجاعة زائفة على الطيبين، وجبن فاضح أمام الشرسين، وفي اللحظة نفسها نجد تبريرًا لأعمال هابطة بحجة أن لها جمهورها وأن الفن حرية.
صار الحديث عن الارتقاء بالذوق العام تهمة، والانحياز إلى الإسفاف انتصارًا لحرية الإبداع؟ هذا ليس اختلاف رأي، هذا انقلاب في المعايير. فالنقد بلا معيار ثابت فوضى تتستر وراء حرية الرأي.

لا نقد ولا تقييم موضوعي
وتتكشف مقاييس المسطرة المرنة في التعامل المزدوج: قسوة مضاعفة على من لا ظهر تمويلي له، ولا مظلة حماية إنتاجية، فيُحاكم العمل ويُحاكم صاحبه بلا رحمة، وفي المقابل يختفي الصوت تمامًا أمام المتعاقدين مع منصات المال والنفوذ العابرة للحدود، فلا نقد ولا مراجعة ولا تقييم موضوعي.
وهنا يتسع السؤال: إذا كانت سهام نقد (طارق الشناوي) لا تنزل على العمل بل على من لا ظهر له، فأين الخلل؟ والإجابة تظهر حين نوسع الخريطة.. حينها تختفي الصرامة ويظهر الصمت، ويتحول النقد إلى تحليل وتبرير وتصبح الكلمة (حساسة).
هل للفن جواز سفر؟ وهل للذوق جنسية؟ إذا كانت الإجابة لا، فلماذا تتغير المسطرة مع تغير العنوان؟ هذا الصمت ليس حيادًا بل موقف، وهذه الانتقائية قبر المصداقية النقدية.
ونصل بذلك إلى جوهر الأزمة: الأستاذية الموهومة.. أن يصدق صاحب القلم أنه فوق النقد، وأن اللقب وحده يمنحه حصانة، فيتعامل مع الفن كإقطاعية خاصة، ومع الفنان كتلميذ يوبخه متى شاء. فالأستاذ الحقيقي يسأل: هل فهمت العمل؟ هل أنصفت مبدعيه؟
أما الموهوم فلا يسأل إلا: هل سيصنع هذا الهجوم اسمي؟ هل سيتصدر الترند؟ الأول يبني والثاني يهدم، الأول ميزانه ثابت والثاني مسطرته تتمدد وتنكمش.. ولذلك تراه فصيحًا في جلد الموهوب المترفع، وأخرسًا أمام المأجور المدعوم، فالأستاذية الموهومة ليست علمًا إنها سلطة، وسلطة بلا أخلاق تتحول إلى بلطجة بالقلم.
وعندما يتعرّى الميزان المائل تظهر أداة جديدة: معايرة الفنان بنجوميته.. صار يُعايَر بأن أفلامه لا تبيع، وكأن النقد صار بورصة لا ميزانًا للفن.. والحقيقة أن مهمة الناقد (طارق الشناوي) هى أن يحي العمل حتى لو لم يحقق نجاحًا جماهيريًا.


هل نطالب الناقد بالاختفاء؟
فكم من فيلم فشل في الشباك مثل (باب الحديد، الناصر صلاح الدين، الحريف)، ثم صار من كلاسيكيات الشاشة؟ القيمة لا تقاس بشباك التذاكر، وإلا لكان الرخيص أبقى من النفيس. ولو طبقنا المعيار نفسه على الناقد لسقط.. فكم من كاتب مهم لا يقرؤه كثيرون؟.. فهل نطالب الناقد بالاختفاء؟ أم أن المسطرة لا تعمل إلا في اتجاه واحد؟
وكل هذا يقودنا إلى تعريف ركوب الترند: صدام محسوب يضمن حضورًا دون تكلفة، والاستقواء على من لا يحميه أحد، وتجنب من يملك مظلة حماية.. هذا هو الفرق بين صحافة الفكرة وصحافة الإثارة التي تبحث عن الصدى لا المعنى.
لكن الجمهور لم يعد ساذجًا.. صار يفرق بين من يناقش فكرة ومن يصطاد اسمًا، وبين من يريد أن يطور ومن يريد أن يظهر. فالصوت العالي لا يصنع هيبة، والضجيج لا يصنع تاريخًا. والقارئ اليوم يملك من الوعي ما يكشف التزوير وإن تأخر.
وختامًا، النصيحة ليست شخصية، هى نصيحة لمهنة سامية: ارجع إلى أصلك.. ضع معيارًا واحدًا للصغير والكبير، وللداخل والخارج، وللمغمور والمشهور.. ولن يعود للنقد هيبته إلا بميثاق شرف يلزم الجميع.
وتوقف عن تحويل الخلاف المهني إلى معركة شخصية، فالقلم أكبر من أن يكون أداة ثأر.. وفي النهاية سيبقى العمل والتاريخ، ولن يبقى إلا من وقف مع القيمة، لأن العدل يبدأ من شيء واحد: أن الميزان لا يميل.. والحكم الأخير للزمن.