يوسف حسن يوسف يقتحم عالم الميكرو دراما بــ (العرض).. حين تنقلب المسابقة إلى محاكمة وتسقط الأقنعة!

كتب: أحمد السماحي
لم يكن (العرض) مجرد برنامج مسابقات غنائية عادي، ولم يكن أبطاله يتوقعون أن تنتهي ليلة التصوير إلى كابوس لا يعرف أحد متى بدأ ولا إلى أين سينتهي!.. ففي اللحظة التي كان يفترض أن تنشغل فيها لجنة التحكيم بالمواهب والأصوات، تنقلب اللعبة رأسًا على عقب، ويجد أعضاء اللجنة أنفسهم محتجزين أمام شخص مجهول، لا يريد فقط أن يخيفهم، وإنما يبدو أنه جاء ليحاكمهم على أشياء حاولوا طويلاً إخفاءها.
هنا تحديدًا تبدأ لعبة (العرض)، وهي التجربة التي يقتحم بها الكاتب (يوسف حسن يوسف) عالم الميكرو دراما للمرة الأولى، في مغامرة تبدو من عنوانها بسيطة، لكنها تحمل في داخلها مساحة واسعة من الأسرار والمواجهات وانكشاف الوجوه الحقيقية.
(العرض)، يتولى إخراجه المونتير المعروف مينا فهيم في أولى تجاربه الإخراجية في الدراما، بينما يشارك في بطولته مجموعة من النجوم، من بينهم هشام إسماعيل، منة بدر تيسير، أحمد رأفت، وعبدالرحيم حسن، إلى جانب عدد آخر من الفنانين.
واللافت أن (يوسف حسن يوسف) لم يختر فكرة هادئة أو تقليدية ليبدأ بها تجربته الأولى في الميكرو دراما، وإنما ذهب مباشرة إلى منطقة مليئة بالتوتر والغموض، حيث يبدأ العمل من أجواء مسابقات الغناء، قبل أن تتحول المسابقة إلى شيء آخر تمامًا… شيء أقرب إلى المحاكمة!
في البداية، يبدو كل شيء طبيعيًا؛ برنامج غنائي، متسابقون، لجنة تحكيم، وأسئلة وقرارات تتعلق بالمواهب، لكن سرعان ما تتبدل القواعد.. يتم احتجاز أعضاء لجنة التحكيم على يد شخص مجهول، لتجد الشخصيات التي اعتادت أن تجلس في موقع الحكم نفسها فجأة أمام (حكم) آخر، أكثر قسوة وغموضًا.

تجربة تناسب زمن المشاهدة السريعة
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد البحث عن هوية الشخص الذي يقف خلف عملية الاحتجاز، فمع تصاعد الأحداث، تتحول المواجهة إلى رحلة لكشف الأسرار، وتبدأ الشخصيات في دفع ثمن أشياء ربما ظنت أنها دفنتها إلى الأبد.. فالذين كانوا يملكون سلطة تقييم الآخرين، يجدون أنفسهم الآن تحت التقييم، والذين اعتادوا إصدار الأحكام، يصبحون متهمين مطالبين بالدفاع عن أنفسهم.
وهذه المفارقة هي واحدة من أهم مفاتيح التشويق في (العرض)، لأن السؤال لم يعد فقط: من هو هذا الشخص الغامض؟ وإنما أيضًا: ماذا فعل هؤلاء حتى يجدوا أنفسهم في هذه المحاكمة؟
ومع كل حلقة، تتكشف طبقة جديدة من الشخصيات، وتسقط مساحة أخرى من الصورة التي صنعها كل واحد منهم أمام الناس.. إنها محاولة درامية لإسقاط (ورقة التوت) عن أبطالها، وكشف الإنسان الذي يختبئ خلف القناع، وليس الشخص الذي يظهر أمام الكاميرات.
اختيار يوسف حسن يوسف للميكرو دراما لم يكن مجرد محاولة لخوض تجربة جديدة، وإنما يبدو أيضًا متوافقًا مع طبيعة الحكاية نفسها، فالعمل يتكون من 30 حلقة، وتتراوح مدة الحلقة الواحدة بين دقيقتين وأربع دقائق، وهو ما يفرض على الكاتب والمخرج التعامل مع الحكاية بمنطق مختلف؛ فلا مساحة لمقدمات طويلة، ولا وقت لتمديد الأحداث، ولا فرصة لتأجيل عنصر التشويق.
كل دقيقة تقريبًا يجب أن تحمل معلومة، أو مفاجأة، أو سؤالاً جديدًا، وهنا تصبح الكتابة نفسها تحديًا حقيقيًا، لأن الكاتب مطالب بأن يخلق عالمًا دراميًا كاملًا في مساحة زمنية شديدة القصر، وأن يدفع المشاهد إلى متابعة الحلقة التالية قبل أن يفقد فضوله.
وفي حديثه مع (شهريار النجوم)، عبّر يوسف حسن يوسف عن سعادته بهذه التجربة، موضحًا أن (العرض) يمثل بالنسبة له مغامرة جديدة في شكل درامي مختلف، يعتمد على الإيقاع السريع والحكايات المكثفة.
الكاتب الذي قدم عددًا من الروايات الناجحة، من بينها (جروبي، جريمة فقر، فعل فاضح) يرى أن الميكرو دراما لا يجب التعامل معها باعتبارها صيحة مؤقتة أو نوعًا عابرًا من أشكال المشاهدة.
ومن هذا المنطلق، يراهن يوسف على أن هذا الشكل الدرامي سيواصل التوسع خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع استمرار المسلسلات الطويلة في المشهد لفترة، متوقعًا أن يستمر حضورها لما لا يقل عن خمس سنوات قادمة.

الميكرو دراما لا تنافس الدراما التقليدية
والفارق هنا أن الميكرو دراما لا تنافس الدراما التقليدية في عدد الحلقات أو ساعات العرض، وإنما تحاول تقديم الحكاية في صورة أكثر كثافة، وأكثر ملاءمة لإيقاع الجمهور الجديد، و(العرض) يبدو من الأعمال التي تحاول استغلال هذه الميزة تحديدًا، بحيث تصبح كل حلقة جزءًا صغيرًا من لغز كبير.
(العرض) من إنتاج شركة (إيجيبت جروب) التي سبق أن قدمت فيلم (سر عودة طاقية الإخفاء) وهو ما يضيف بعدًا آخر للتجربة، خاصة أن الشركة تدخل هنا مساحة درامية مختلفة عن الشكل التقليدي المعروف.
ويبدو أن الرهان ليس فقط على سرعة الحلقات، وإنما على فكرة قادرة على صناعة علاقة مباشرة وسريعة مع المشاهد، فالعمل لا يريد أن يمنحك وقتًا طويلاً للتفكير، بل يريد أن يضع أمامك السؤال، ثم يتركك معلّقًا حتى الحلقة التالية.
لكن (العرض) ليس المفاجأة الوحيدة التي يحملها يوسف حسن يوسف لجمهوره، فالكاتب يستعد خلال الفترة المقبلة لنقل روايته (جروبي) إلى الشاشة في عمل درامي، بعد اقترابها من مرحلة التصوير من خلال الشركة المتحدة.
ولا يزال توقيت عرض المسلسل غير محسوم بشكل نهائي حتى الآن، خاصة فيما يتعلق بإمكانية اللحاق بخريطة دراما رمضان 2027 أو تأجيله إلى موعد لاحق، لكن مجرد اقتراب (جروبي) من الشاشة يكشف أن يوسف يتحرك حاليًا في أكثر من اتجاه، ويختبر قدرته على كتابة الحكاية بأكثر من قالب وأكثر من إيقاع.
فبعد روايات نجحت في الوصول إلى القراء، هناك الآن (العرض) في مساحة الميكرو دراما، وفي الخلفية (جروبي) كمشروع درامي أطول وأكثر اتساعًا، وليس (العرض) أول مغامرات يوسف حسن يوسف مع الدراما المختلفة، إذ قدم خلال شهر رمضان الماضي المسلسل الإذاعي (هبد في هبد) على إذاعة الراديو 9090، من بطولة إيمي سمير غانم ومصطفى غريب.
وبين الكوميديا في (هبد في هبد) والغموض والتشويق في (العرض)، يبدو أن يوسف حسن يوسف يبحث دائمًا عن الفكرة التي يمكن أن تمسك بالمشاهد من منطقة مختلفة.
بين (العرض) و(جروبي) يوسف يغيّر إيقاع الحكاية.. ربما تكون المفاجأة الحقيقية في المرحلة الجديدة التي يعيشها يوسف حسن يوسف، أنه لم يعد يكتب الحكاية بالشكل نفسه كل مرة.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل ينجح (العرض) في أن يحوّل الدقائق القليلة إلى مواجهة درامية مكتملة، وأن يجعل المشاهد ينتظر الحلقة التالية لاكتشاف من يحاكم من؟
ربما الإجابة تكمن في الحلقات نفسها، لكن المؤكد أن (يوسف حسن يوسف) اختار أن يدخل عالم الميكرو دراما من الباب الأصعب.. باب الأسرار، والاتهامات، وسقوط الأقنعة، حيث لا يبقى أحد بريئًا بمجرد أن يجلس في مقعد لجنة التحكيم!