رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة
زياد الرحباني) كان يطّلع على أوجاع الناس، وعلى ما يتسبّب به الناس أنفسهم من أوجاع لأوطانهم
في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة
جميل ضاهر

بقلم الإعلامي اللبناني: جميل ضاهر

تحلّ الذكرى الأولى لرحيل العبقري (زياد الرحباني) وكأنه بالأمس كان يمرّ بين السيارات في شارع الحمرا، متأبطًا حقيبة لا نعرف ما تحويه، لكننا كنا على يقين بأنه يعمل ويفكّر ويلاحظ؛ يقرأ الشارع ويتأمل وجوه الناس بالقرب من مستشفى الجامعة الأميركية، حيث كان الاستديو الخاص به.

ولعلّ هذا المكان، القريب من المرض والانتظار والقلق، أتاح لـ (زياد الرحباني) أن يطّلع على أوجاع الناس، وعلى ما يتسبّب به الناس أنفسهم من أوجاع لأوطانهم.

لم يُخفِ (زياد الرحباني) يومًا مشاعره أو آراءه.. كان وقحًا، فجًّا، عنيفًا وصادقًا.. يقول ما يفكر فيه بأشكال مختلفة، من (كلمة بتبلّش بحرف الشين) إلى مقابلة تلفزيونية يسخر فيها من أصالة، مشبّهًا حدّة صوتها بسكين تقطع الخبز، ويمتنع عن إبداء رأيه في ماجدة الرومي كي لا يجرحها.

وفي برنامج (الليلة ليلتك) سألته إحدى المذيعات الخمس: ماذا شعرت عندما طلبنا منك أن تكون ضيفًا على البرنامج؟ فأجاب بكلمة واحدة: (تهيّجت)! كلمة لم تحتملها رصانة التلفزيون التقليدي، لكنها اختصرت زياد كله: لا مقدّمات، ولا مجاملات، ولا اكتراث بالقالب.

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة
(زياد الرحباني) لم يكن يخشى شيئًا حين يقرر الكلام

حين يقرر الكلام

وفي مقابلة على قناة (الميادين) أثار واقعة كادت تزلزل الأسطورة الرحبانية، رغم محاولات المذيع تدارك خطورة ما يقوله ومقاطعته، لكن (زياد الرحباني) لم يكن يخشى شيئًا حين يقرر الكلام.

كان في العشرين تقريبًا عندما راقب من منزل العائلة في الرابية حصار مخيم تلّ الزعتر الفلسطيني وسقوطه عام 1976.. المخيم الذي حُرم من الطعام والماء، وتعرّض لقصف شديد انتهى بمجزرة ذهب ضحيتها الآلاف، وفي تلك المرحلة، تحالف الجيش السوري مع الميليشيات المسيحية التي كانت تحاصر المخيم.

روى (زياد الرحباني) أن قادة سوريين ولبنانيين كانوا يجتمعون في الطابق السفلي من منزل العائلة، وأن الرقص على الطاولات كان يجري فيما المخيم يُقصف والناس تُقتل.. كان هو في الطابق العلوي، بالقرب من البيانو، لكنه نزل إلى الشرفة وأمسك الغيتار، رغم أنه لم يكن يتقنه، لأنه أراد أن يرى المشهد وهو يؤلف اللحن الذي سيُعرف لاحقًا باسم (تلّ الزعتر).

حاول غسان بن جدو مقاطعته، كأنه يريد إنقاذ الصورة الرحبانية من هذا الاعتراف الثقيل، لكن (زياد الرحباني) أكمل.. كان يريد أن يزيح سرًا كاتمًا على صدره.. حاول بعض الصحافيين يومها التقليل من قيمة ما قاله، فيما فضّل كثيرون ألّا يسمعوا وألّا يصدّقوا.. لم يحتملوا أن تخرج هذه الرواية من بيت عاصي وفيروز، لكنه زياد: يقول ما رآه، ويترك الحقيقة تفعل فعلها، ثم يمضي.

كان (زياد الرحباني) أيقونة وسط ذلك الظلام.. لم يتركنا، بل التحق بنا؛ غادر البيت الرحباني في بيروت الشرقية إلى بيروت الغربية، ليتسكّع في شوارع المدينة بين رصاص القنص ومتاريس الميليشيات.. قدّم، مع جان شمعون، برنامجه الإذاعي (بعدنا طيبين… قول الله) بصوته الطفولي، ثم توالت أعماله الفنية التي تجلّت فيها قراءته العميقة للمجتمع اللبناني، وفهمه لمسارات القبائل والطوائف ومصائرها.

في مسرحيته الثانية (نزل السرور) وهى واحدة من أعظم أعماله، تناول بصورة تبدو بسيطة قيام الثورة وسقوطها في مستنقعات الأنانية والمصالح الشخصية.. ثورة مرتجلة تتهاوى عند أول اختبار، وتفضح ضعف المشاركين فيها وتناقضاتهم.. كانت المسرحية عام 1974، أي قبل اندلاع الحرب، لكنها قرأت مقدماتها وفضحت البيئة التي ستقود إليها.

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة
أنقذ (زياد الرحباني) جيلنا إلى حدّ كبير، وأبقانا متصلين بالكوكب بعدما أغلقت الحرب كل المنافذ المؤدية إلى بيروت

أنقذ (زياد الرحباني) جيلنا

ألّف (زياد الرحباني) للمسرحية مجموعة من الأغاني الخالدة التي تحدثت عن هذا السقوط.. والمفارقة أن العرض كان كوميديًا إلى درجة الهستيريا، قبل أن ينقلب زياد على الجمهور في المشهد الأخير ويخبره، بصورة غير مباشرة، أنه كان يضحك على نفسه: (يا نور عيني، رحنا ضحية الحركة الثورية، و(جايي مع الشعب المسكين، جايي لأعرف أرضي لمين).

أنقذ (زياد الرحباني) جيلنا إلى حدّ كبير، وأبقانا متصلين بالكوكب بعدما أغلقت الحرب كل المنافذ المؤدية إلى بيروت.. قرّر أن يمسرح الحياة، وأن يؤلف الموسيقى، وأن يخوض تجارب حديثة ومنفتحة على العالم.. أغرقنا في الشرقي الممتد من ينابيع مصر.

من (حبّيتك تنسّيت النوم) إلى (أنا عندي حنين) ثم عاد إلى (كيفك إنت)، الأغنية التي قدّمت فيروز جديدة؛ فيروز أكثر قربًا من الأجيال الجديدة، وأكثر اتصالًا بوحدتها وقلقها وخيباتها.

حتى تراث الأخوين رحباني كان له موعد جديد معه، حين أعاد توزيع مجموعة من أعمالهما في ألبوم (إلى عاصي)، الذي أهداه إلى روح والده.. وحين سُئل كيف تجرأ على إعادة صياغة أعمال راسخة في ذاكرة جمهور فيروز، كان جوابه، بما معناه، أن الإمكانات المتاحة اليوم، لو كانت متاحة لعاصي، لذهب هو أيضًا في هذا الاتجاه.

كان من السهل على (زياد الرحباني) أن يغادر المدينة ويتجه إلى مسارح العالم.. فهو، كما كان يقدّم نفسه بتواضع ساخر – (عازف بيانو) – رغم أنه مؤلف مسرحي وموسيقي، وكاتب ومخرج وممثل وعازف. اكتفى بهذه التسمية: عازف بيانو.

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة

في ذكراه الأولى: (زياد الرحباني).. تعا نحكي بصراحة
(أنا مش كافر)، بدت الأغنية كأنها سبقت الرصاص

أغنيته سبقت الرصاص

وفي سنوات الخوف والرعب والطائفية، أطلق صرخته: (أنا مش كافر)، وحين اغتيل بعد ذلك بعامين المفكران حسين مروّة ومهدي عامل، بدت الأغنية كأنها سبقت الرصاص، وحذّرت من المناخ الذي سيقتل المفكرين والمبدعين باسم الدين والطائفة والهوية.

لم يغادر (زياد الرحباني) الشارع، فكل من مرّ في شارع الحمرا كان يمكن أن يلتقيه حاملًا حقيبته، مارًا بين السيارات؛ يفكّر، ينظر، يقرأ، يكتب، يؤلف ويمضي، بحرص شديد على ألّا يكسر هارموني الحياة البيروتية.

في أيامه الأخيرة، رُوي أنه امتنع عن مواصلة العلاج المكثف ورفض الخضوع لعملية زرع كبد.. أما دوافعه فتبقى له، لا لنا.. وربما بدا، لمن عرف عناده، كأنه يذهب إلى الموت بالطريقة نفسها التي ذهب بها إلى الحياة: من دون مساومة، ومن دون أن يسمح لأحد بأن يقرر عنه.

ذهب (زياد الرحباني) ، لكنه صار يمتلك أكثر من حياة: في حب الناس ودموعهم، وفي ضحكاتهم وخجلهم وخوفهم، وهم يستمعون إلى أغنياته ومسرحياته، وتستمر الإذاعات في عرض أعماله دون ملل أو كلل.

إنه (زياد الرحباني)؛ فكيف يغيب من صنع من غيابه كل هذا الحضور؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.