رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي
صور له مثاله بالكتابة أو غيرها، وهذا هو الأساس الثاني لفن السيرة الهلالية

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

الجمالية المسرحية العربية، من أرقى الفنون المسرحية العالمية، وهذا راجع إلى الأسس الجمالية التي يقوم عليها هذا المسرح في نظريته المسرحية الخاصة بفن (التمثيل)، وفي مجموعة القواعد البنائية للعرض والنص المسرحي.

وعند الحديث عن بعض الأسس لهذا المسرح، نجد أن الأساس الأول الذي يعتمد عليه هو الجهاز الحسي الإنساني، وهو مجموع الحواس، والذهن، والشعور عند الإنسان، وهو جهاز غير مادى يصعب إدراكه إلا عن طريق الدراسة الجمالية (التأثير والتأثر) للإنسان.

وقد برع العربي في فهم هذا الجهاز وكيفية التعامل معه في (التمثيل)، ومن أبرز الفنون التي تعاملت مع هذا الجهاز الحسي، كان الشعر العربي هذا الفن التأثيري الرائع الأنيق ذو التركيب الكلامي الإيقاعي البلاغي الموزون، ونسوق مثال: للمتنبي في تعبيره البليغ.. (وقل للشامتين بنا أفيقوا .. فإن نوائب الدنيا تدور).

ولن نشرح التركيب والبلاغة في هذا البيت، ولكن نلفت النظر إلي  جماليات الوقع التأثيري، على المستمع لهذا البيت، من خلال الجهاز الحسي، فإن الاستقبال صوتي، يثير الذهن، بصور شتى للشامتين.. يتبعه صور نوائب الدنيا، لتنفعل مشاعر المستمع، وتنطبع الصورة في النفس البشرية.

وتتأثر بها انفعاليا، ليكون بعد ذلك هذا البيت الشعري مضرب للأمثال في الحياة النفسية الاجتماعية العربية، كذلك السيرة الهلالية (مسرح العرب) صارت مضرب للأمثال في الحياة العربية، أساسها الأول في العرض هو الجهاز الحسي، والثاني هو المثل ، الذي يشتق منه معنى ومفهوم التمثيل الجمالي العربي.

فإن كلمة مثل تعنى شِبْه وشَبَه، ومن معانيها (التمثيل)، تصويرا، وكتابة، أو غير ذلك (مَثَـل) الشيء أيضا بفتحتين بين صفته. و(مثَّل) له كذا (تمثيلا): إذا صور له مثاله بالكتابة أو غيرها، وهذا هو الأساس الثاني لفن السيرة الهلالية.

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي
هاملت
كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي
كوبري الناموس

هاملت وأديب وكوبري الناموس

ولما كان الشعر ذو تأثير جمالي، فقد اعتمدت السيرة على الشعر التمثيلي في عروضها المسرحية ونسوق بعض الأمثلة التطبيقية للأسس الجمالية للسيرة في عرضها ونبدأ بالأساس الأول وهو الجهاز الحسي:

أولا: ذهن المشاهد:

يوجد فرق كبير بين المشاهدة للعمل المسرحي، والمشاركة في العرض المسرحي، فالأول يعتمد على تقديم عرض لمجموعة من الجمهور، لا يعرف عن مضمون هذا العرض شيء، قد يكون عرض هاملت أو أوديب، أو كوبري الناموس، وعلى الحاضرين مشاهدة المنظر المسرحي، والتأثيرات الواقعة عليهم نابعة من العرض بالاستحسان أو الرفض.

وفي أحيانا كثيرة لا يعجب الحضور بالعرض المسرحي، ولكن في العروض العربية، والتي يطلق عليها شعبية، نجد أن هذه العروض بسيطة التكلفة، ولكنها شديدة التعقيد في أساليبها التمثيلية، وهذه العروض لا تقدم المنظر المسرحي ولا صالة العرض، ولا التكنولوجيا الحديثة التي تعتمد عليها عروض المشاهدة.

ولكنها فهمت كيفية التأثير والتأثر والمشاركة الوجدانية للممثل والجمهور معا، وذلك عن طريق الجهاز الحسي للإنسان، ومن خلال هذا الجهاز نتعرف على معنى المشاركة في العرض المسرحي، وتحريك ذهن الجمهور إلى عالم مسرحي، يحرك جاهزة الحسي بأكمله، ونري براعة (التمثيل) العربي في المشاركة الحية بين الجمهور وشاعر السيرة في تصوير المنظر المسرحي من خلال ذهن المشاهد:

مع زول الشرق وراحين

فركن جلوب دي مش سعيده

طلعت خضره يومها من النجع

باكيه ولها دمع نازل

الأدب بيغلب الطبع

فرقت أهل والمنازل

ركبوا التنين فوق الجمال

والمال ساير وراهم

رموا الحمل علي المتعال

ولا يا  وزايد  بلاهم

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي
يصور شاعر السيرة الإضاءة التي كانت في مسرح الأحداث

الإضاءة في مسرح الأحداث

في هذا المنظر المسرحي نركز على عنصر الإضاءة، ومن معانى التمثيل التصوير، وفي هذا المشهد يصور شاعر السيرة الإضاءة التي كانت في مسرح الأحداث، وبالطبع لا توجد مشاعل أو غير ذلك بل ضوء النهار الطبيعي، وهو متدرج ما بين فجر وشروق وضحى، وعصر وغروب.

وهذا الضوء النهاري هو من صميم الحياة التي يعيشها الجماهير، بل أن لهذا الضوء النهاري تأثيرات شعورية حياتيه على الجماهير، فيختار شاعر السيرة خروج خضرة من النجع ساعة زوال الشمس ، الغروب، وهى من الساعات الضوئية التي لها شعريتها الخاصة في النفوس البشرية ، ويعتمد على ذهن المشاهد في استحضار هذه الساعة الضوئية، وكأنه يعيش في ساعة  الغروب فعلا.

ولهذا اشترك الجمهور في حالة الإضاءة للمنظر بذهنه، وهذه المشاركة ليست مقتصرة على مستوى ضوء الغروب فقط، ولكن على مستوى الحالة النفسية التي تقع على الأفراد في الحياة العامة في ساعة الغروب، ولخروج خضرة من النجع في هذه الساعة ، يثير لدى الجمهور مشاعر الغروب وساعة الغروب.

وهذا لا يتحقق إلا في مسرح المشاركة الحية، أضف إلى ذلك تصوير وسائل الركوب الجمال، وقطعان من الماشية (المال).

ومن الغروب ينتقل بينا شاعر السيرة إلى الليل:

فنادت خضره فيها تجول

يا سعيده هنا دلي بينا

سيرنا باليل ده غير معقول

رب العرش ينظر علينا

وفي جبال دلوا رحيلهم

خضرة دي عاقلة وفهيمة

مع دول شرد ورحيلهم

بين الجبل نصبولي خيمة

نصبت خيمة بعمدان

من الخيش أو صوف حاضر

سوق الجول والمعني يا خوان

خضرة باكية بدمع ساير

في الخيمة وجعدوا لاتنين

والليل به خطورة في المسير، ويصور الشاعر هذه الحالة الليلية وسط الجبال، وبالطبع الجمهور على علم بتلك الحالات ومخزنة في ذهنه، بحالتها النفسية، فالليل في الصحراء يصيب الإنسان بحالات من التأثيرات النفسية المختلفة، والجمهور بذهنه يستحضر الليل بتأثيراته المختلفة على الإنسان، وخاصة النساء.

فالجمهور هنا يعيش حالة الشخصية، ولا يشاهد الشخصية فقط، بل ما تشعر به الشخصية يشعر به الجمهور، حتى أن شاعر السيرة اختزل مرحلة نصب الخيمة، وتركها لذهن الجمهور، كان الجمهور يشارك خضرة وسعيد في بناء الخيمة والجلوس معهما في الخيمة ذهنيا وشعوريا.

كمال زغلول يكتب: البنية الجمالية والإبداع الشعبي (27).. جماليات أسس (التمثيل) العربي
تظهر المشاركة الحية لذهن الجمهور في تذكر وتخيل حركة الحيوان

أغرب مشاهد (التمثيل)

وينتقل شاعر السيرة إلي مشهد يعد من أغرب مشاهد (التمثيل) لصعوبة تحقيقه مسرحيا ، وهذا المشهد يصور علاقة الحيوان بالإنسان:

 لما جروها من شعر راسها

حيرفعوا عنها الخلايج

جت هايجة عليها فرسها

جدامها ما خلت خلايج

يا ليل

جت الفرس دي حايمة حوم

(الفرس اللي مع الشريفة الصغيرة دي)

جت الفرس حايمة حوم

حاجة نادرة من العجايب

علي الناس تصرخ وتغوم

فجالت الرجال يا العجايب

تضرب الفرس حافر في الارض

تنطر حصي مالاراضي

وتحادي  علي نظيفة العرض

قلبي تحمل مراضي

وفي هذا المشهد تظهر المشاركة الحية لذهن الجمهور في تذكر وتخيل حركة الحيوان، بل والحالة الشعورية لخضرة، ومن حاول اغتصابها وما فعله الحيوان في هذا المشهد، وهذا يحدث في الحياة، فكثيرا ما نرى الحيوان يدافع عن صاحبه، ولكن الأغرب في هذا المشهد تمثيل حركة الحيوان في رمى الحصى على المهاجمين لخضرة.

وهذا بالفعل عايشه جمهور السيرة في الحياة العامة فهم على دراية بأفعال الحيوان، وبحركة أرجله، وبدافعة في احيان كثيرة عن صاحبه، ولهذا ينفعل الجمهور وجدانيا مع هذه المشاهد، وكأنه مشارك في مسرح الأحداث وليس مشاهد فقط.

وبهذا نكون قدمنا بشكل مبسط الأساس الأول من أسس العرض المسرحي العربي، وهو الجهاز الحسي والمشاركة الحية بين الفنان (شاعر السيرة) والجمهور، ومن الأمثلة السابقة، نرى كيف أن الجمهور يشعر بالحالات المختلفة للمنظر المسرحي عبر الضوء ، والمناظر الطبيعية (الجبال، الصحراء) والليل.

وهذه المشاركة الحية للجمهور، عبر جهازه الحسي، تجعله يستحضر المشاعر المخزنة في ذهنه ، لينفعل ويتأثر بمعاناة الشخصية ، ويشارك في الأحداث ، فهو ليس مشاهد لعرض، بل مشارك ومعايش للشخصية في المنظر المسرحي، وكأن ما تعانيه الشخصية، هى معانته. ولهذا تكون السيرة مثل تمثيلي للجمهور، ومشاركة فعليه حيه، يتولد عنها الشعور الجمالي.

وهذا هو الأساس الأول الذي يعتمد عليه فن (التمثيل) العربي، وهو الجهاز الحس، وهذا الأساس هو عنصر المشاركة الحية، وهنا تظهر براعة الفنان العربي في التعرف على هذا الجهاز وكيفية عمله، لتحقيق المشاركة الحية بين الشاعر الممثل للسيرة وبين الجمهور، وهكذا تعرفنا على الأساس الأول في المسرح العربي للسيرة الهلالية، وإن شاء الله، في مقالتنا القادمة نتعرض لباقي الأسس الفنية للمسرح العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.