رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
لم يأتِ الوفد البرلماني برئاسة (عزت الحزام) وحده؛ بل رافقه وفد إعلامي موازٍ

* رئيس وفد البرلمان الأردني في زيارته لكرم جبر كان أسيرا في المجلس الأعلي للإعلام! 

بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*

بدعوةٍ قمتُ بتوجيهها إلى مجلس النواب الأردني عبر المهندس (عزت الحزام)، رئيس الشعبة العامة للاتصال والتواصل التابعة للاتحاد العام للمنتجين العرب، بدأت رحلة لقاءٍ عربي حمل في تفاصيله أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية.

فقد حلّ (عزت الحزام)، ضيفًا وفد لجنة التوجيه الوطني والإعلام النيابية بمجلس النواب الأردني، برئاسة النائب عمر الزيود، وعضوية تسعة نواب وخمس نائبات، في خطوة تعكس الإيمان المتبادل بأهمية الحوار بين المؤسسات التشريعية والإعلامية العربية.

ولم يأتِ الوفد البرلماني برئاسة (عزت الحزام) وحده؛ بل رافقه وفد إعلامي موازٍ من أعضاء الشعبة العامة للاتصال والتواصل التابعة للاتحاد العام للمنتجين العرب ومقرها العاصمة الأردنية عمّان، ضم نخبة من رؤساء تحرير الصحف الأردنية، إلى جانب رئيس وكالة الأنباء الأردنية ونائب نقيب الصحفيين، ليكتمل المشهد بحضور يجمع بين صناعة القرار وصناعة الرأي، في مساحة عربية عنوانها التواصل وتبادل الخبرات واستشراف آفاق أوسع للتكامل.  

وكان ضمن وفد الشعبة العامة للاتصال والتواصل الدكتور (طارق أبو الراغب)، الذي سبق أن شغل منصب المدير العام لهيئة الإعلام في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو موقع يوازي في طبيعته المؤسسية منصب رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، وقد أتاح وجوده إضافة خاصة للوفد بما يمتلكه من خبرة ومعرفة بطبيعة العلاقة بين الإعلام والمؤسسات الرسمية.

في البداية، لم أكن أدرك أن للسادة أعضاء مجلس النواب الأردني خصوصية تنظيمية واجتماعية تختلف عن كثير من الوفود التي تعاملنا معها من قبل.. كنت قد أعددت حافلة مكيفة على أعلى مستوى تتسع لستة وعشرين راكبًا لتخدم الوفدين البرلماني والإعلامي معًا، تصورًا مني أن ذلك يمنح الجميع مساحة أكبر للتقارب وتبادل الحديث.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
الدكتور (طاهر الوريكات)، منسق الزيارة

(طاهر الوريكات)، منسق الزيارة

لكن الدكتور (طاهر الوريكات)، منسق الزيارة، أوضح بهدوء طبيعة البروتوكول المتبع، وطلب تخصيص حافلة مستقلة للسادة النواب، وسيارة ليموزين لرئيس الوفد البرلماني، إلى جانب وسيلة نقل منفصلة للوفد الإعلامي، حتى تظل مساحة الحوار بين النواب مفتوحة وخصوصيتهم محفوظة أثناء التنقلات.

تفهمت الأمر على الفور ووافقت، وكانت فرصة للتعرف أكثر على طبيعة الحياة البرلمانية الأردنية وما تتمتع به من خصوصية اجتماعية، حيث يحظى عدد من النواب بحضور واسع داخل مجتمعاتهم المحلية وعلاقات مباشرة مع دوائرهم وقواعدهم الشعبية.

ومن هنا بدأ تصميم البرنامج اليومي للزيارة بروح تجمع بين العمل والمعرفة والانفتاح الثقافي؛ فكان اليوم ينقسم إلى شقين طوال فترة الإقامة في القاهرة: نصفه الأول مخصص للقاءات الرسمية والزيارات البرلمانية والإعلامية الميدانية، أما النصف الثاني فكان نافذة على مصر؛ جولات في المتاحف، وزيارات للأماكن السياحية، ورحلات نيلية، ثم وقفة لا تكتمل أي زيارة دونها أمام الأهرامات، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر في مشهد لا يغادر الذاكرة.

وصول الوفد الأردني برئاسة (عزت الحزام) إلى القاهرة بأيام، بدأت مرحلة الإعداد التي غالبًا ما تصنع نجاح الزيارة قبل انطلاقها، وتم إعداد برنامج اللقاءات بعناية ليجمع بين الأبعاد البرلمانية والإعلامية والمؤسسية، ويتيح للوفد الاطلاع على نماذج من التجربة المصرية.

بدأ البرنامج بلقاء محمود مسلم، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، ثم (أسامة هيكل) رئيس مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، تلاه لقاء مع معالي الأستاذ أحمد أنيس رئيس الشركة المصرية للأقمار الصناعية (نايل سات)، ثم الدكتور (عادل بن عبد الرحمن العسومي) رئيس البرلمان العربي، واختُتم بلقاء (كرم جبر) رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وأُجريت جميع اللقاءات في مقار عمل المسؤولين بالقاهرة بناءً على رغبتهم، ما منح الزيارة طابعًا عمليًا ومباشرًا، وأتاح للوفد الأردني فهمًا أعمق لطبيعة العمل وآليات اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات.

وفور وصول الوفدين إلى الفندق، وقبل أن يلتقط الجميع أنفاسهم بعد رحلة الوصول، طلب مني الدكتور طارق أبو الراغب – بحكم معرفته السابقة بالمشهد الإعلامي المصري ــ ترتيب لقاء خاص مع (كرم جبر)، على أن يتم هذا اللقاء بشكل منفصل عن البرنامج الرسمي المقرر لوفد النواب، ودون أن يرتبط بالزيارة المقررة في آخر أيام البرنامج.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
استجاب (كرم جبر) سريعًا

مساحة حوار إضافية

أجريت اتصالًا هاتفيًا بكرم جبر وشرحت له طبيعة الطلب، وأوضحت أن الأمر يتعلق بلقاء مستقل يختلف عن اللقاء الرسمي المحدد يوم الخميس ضمن برنامج الوفد البرلماني، وأن الهدف منه إتاحة مساحة حوار إضافية قبل بدء جدول الزيارات المكثف.

وكعادته في تقدير العلاقات المهنية واحترام الضيوف، استجاب (كرم جبر) سريعًا، وتم تحديد موعد اللقاء في الساعة الثامنة مساءً من يوم الوصول نفسه، ليكون أول محطة غير معلنة في برنامج الوفدين؛ وفد مجلس النواب الأردني والوفد الإعلامي المرافق، وكأن القاهرة أرادت أن تبدأ الزيارة بحوار قبل أن تبدأ بالمواعيد الرسمي المحدد مسبقا بالبرنامج .

وتم اللقاء مساء اليوم نفسه في أجواء هادئة وبعيدة عن إيقاع البرنامج الرسمي؛ جلسنا أربعة أشخاص فقط: الدكتور طارق أبو الراغب، وكرم جبر، وأنا، وانضم إلينا الأستاذ البنا الذي اكتفى في أغلب الوقت بالمتابعة والإنصات إلى الحوار الدائر.

واتفقنا منذ البداية على أن يبقى هذا اللقاء خارج إطار التغطية أو الإعلان، ليس باعتباره لقاءً سريًا، وإنما لأنه جاء مستقلًا عن الزيارة الرسمية المقررة لاحقًا مع الوفد البرلماني واللقاءات المؤسسية المدرجة في البرنامج.

امتد الحديث إلى ما هو أبعد من المجاملات؛ ودخل مباشرة إلى جوهر التجربة الإعلامية والتنظيمية.. دار نقاش مطول حول القوانين واللوائح المنظمة للعمل الإعلامي في مصر، والخلفيات التي صاحبت تأسيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وكيفية بناء الأطر المنظمة للعلاقة بين الإعلام والدولة، ثم انتقل الحوار إلى التجربة الأردنية وإمكانية الاستفادة من بعض النماذج التنظيمية وتكييفها بما يتوافق مع البيئة التشريعية والمؤسسية في المملكة الأردنية الهاشمية.

كان ذلك اللقاء أشبه بجلسة تبادل خبرات أكثر منه اجتماعًا رسميًا؛ حوارًا مفتوحًا بين تجارب مختلفة، جمعها إدراك مشترك بأن الإعلام لم يعد مجرد رسالة، بل أصبح منظومة تحتاج إلى تشريعات ورؤية جديدة

وحين انتهى اللقاء واقتربت عقارب الساعة من نهاية اليوم الأول، أدركت أن ما جرى لم يكن مجرد موعد إضافي أُدرج خارج البرنامج، بل كان افتتاحًا غير معلن لكل ما سيأتي بعده. خرج كل منا وقد حمل أسئلة جديدة أكثر مما حمل إجابات، لكن الجميع اتفق ــ دون أن يقال ذلك صراحة ــ أن الحوار المباشر يختصر أحيانًا سنوات من قراءة التقارير وتبادل المكاتبات.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
ترك هذا الانطباع قدرًا من الحساسية داخل الوفد، خاصة لدى النائب عمر الزيود

النائب عمر الزيود

غادرنا المكان بهدوء، وعادت القاهرة إلى إيقاعها المعتاد، بينما كان البرنامج الرسمي ينتظر صباح اليوم التالي بكل لقاءاته وزياراته، لكن بالنسبة لي، ظل ذلك المساء مختلفًا؛ لأنه كشف أن وراء كل وفد رسمي حكايات صغيرة لا تظهر في الصور التذكارية، وأن أجمل ما في الزيارات ليس ما يُعلن عنها.. بل ما تتركه من أفكار وعلاقات ودوائر ثقة تواصل امتدادها. 

بصمت، حتى بعد أن يُطوى البرنامج وتُغلق صفحاته الرسمية.. وانتهى اللقاء في تلك الليلة بتبادل أرقام الهواتف، وترتيب مواعيد لاحقة، وولادة علاقات مهنية وإنسانية بدت واعدة منذ لحظتها الأولى.

 لكن صباح اليوم التالي حمل مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ فقد امتلأت بعض المواقع بخبر لقاء الأستاذ كرم جبر والدكتور طارق أبو الراغب، وظهرت التغطيات بصورة أوحت وكأن الدكتور طارق يقود الوفد الأردني أو يتحدث باسمه، رغم أن للزيارة إطارًا رسميًا واضحًا ورئيسًا محددًا للوفد البرلماني.

وقد ترك هذا الانطباع قدرًا من الحساسية داخل الوفد، خاصة لدى النائب عمر الزيود، كما فاجأني موقف الدكتور طارق حين قال لي إنه يفضّل عدم حضور لقاء الخميس الرسمي مع كرم جبر، حتى لا يبدو وكأنه يحظى باهتمام خاص على حساب رئيس الوفد البرلماني. ثم شرح لي بهدوء أن طبيعة التوازنات والاعتبارات داخل العمل النيابي في الأردن لها خصوصيتها، وأن الصورة العامة وترتيب الأدوار تحظى باهتمام كبير داخل الوفود الرسمية.

ومع بداية أول لقاء رسمي داخل مجلس الشيوخ، عاد كل شيء إلى مساره الطبيعي. تم إعداد المنصة بعناية؛ جلس محمود مسلم في المنتصف بوصفه رئيس لجنة الثقافة والإعلام، وجلستُ إلى يساره بصفتي مستضيف الوفد ورئيس التجمع الإعلامي العربي ورئيس الوفد الإعلامي المرافق، بينما جلس النائب عمر الزيود إلى يمينه رئيسًا للوفد البرلماني الأردني، بحضور كامل أعضاء الوفدين، بمن فيهم الدكتور طارق أبو الراغب.

ومنذ تلك اللحظة بدا أن الجميع اتفق بصمت على أن البرنامج هو البطل الحقيقي للزيارة، وتكرر المشهد في اليوم التالي داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، ثم في (نايل سات)، ثم البرلمان العربي؛ لقاءات منظمة، وحوارات مفتوحة، واستقبال حمل الكثير من التقدير والود، عكس صورة إيجابية متبادلة بين النواب والصحفيين والإعلاميين.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
الدكتور طارق أبو الراغب

الدكتور طارق أبو الراغب

أما أنا، فكنت أتابع كل ذلك بشعور خاص من الاعتزاز؛ ليس فقط لأن الزيارة نجحت، بل لأنني رأيت أمام الضيوف مؤسسات مصر ورموزها وإمكاناتها ومكانتها، كما تمنيت دائمًا أن تُرى: حضورًا وخبرةً وقدرةً على استقبال الأشقاء بكل إحترام ومحبة.. وفي مساء يوم الأربعاء، تلقيت اتصالًا من مدير مكتب الأستاذ كرم جبر للاطمئنان على تفاصيل الموعد وترتيبات الاستقبال.

بدا الاتصال في بدايته اعتياديًا، إلى أن جاء السؤال الذي أعاد إلى ذهني كل ما حدث منذ نشر خبر اللقاء الخاص: هل الدكتور طارق أبو الراغب رئيس الوفد ح يكون موجود؟

توقفت قليلًا، ثم بدأت أشرح له بهدوء أن هناك فصلًا واضحًا بين الوفد البرلماني والوفد الإعلامي، وأن رئيس الوفد الرسمي هو النائب عمر الزيود، بينما الدكتور طارق يمثل موقعًا إعلاميًا مهمًا داخل الوفد الموازي، لكنه ليس رئيس الوفد البرلماني.

طال الحديث أكثر مما توقعت، وخرجت من المكالمة وأنا غير مطمئن تمامًا إلى أن الصورة وصلت كما أردت، خاصة أن أثر الخبر المنشور عن اللقاء الأول كان لا يزال حاضرًا في ذهني.

وفي صباح الخميس تحركنا إلى ماسبيرو في الموعد المحدد.. وكما اتفقنا مسبقًا، لم يكن الدكتور طارق ضمن الوفد المتجه إلى اللقاء. لكن منذ اللحظة الأولى شعرت أن شيئًا ما مختلف عن اللقاءات السابقة التي عشناها خلال الأيام الماضية.

استقبلنا مدير المكتب، وكان أول سؤال يتكرر مرة أخرى عن الدكتور طارق أبو الراغب.. ولم يكن الاستقبال كما اعتدناه في اللقاءات السابقة؛ فلم نجد الأستاذ كرم جبر في استقبال الوفد أمام المصعد، ولم نتجه مباشرة إلى مكتبه.

انتقلنا مباشرة من المصعد إلى قاعة الاجتماعات، ولأن المصعد لم يكن يتسع لكل أعضاء الوفد، كنت من أوائل من صعدوا ودخلوا القاعة قبل وصول بقية الضيوف.

وهناك.. وقعت عيناي على مشهد أدركت في لحظتها أن ظهوره أمام رئيس الوفد أو أعضاء الوفد البرلماني كان كفيلًا بأن يخلق ارتباكًا لا داعي له، وربما يضع الزيارة كلها في اختبار لم يكن الحسابات حتى شعرت أن أمامي موقفًا لا يحتمل التأجيل.

كانت الطاولة مجهزة بعدد من الميكروفونات، وفي المنتصف لوحة باسم كرم جبر، وعلى يمينه وُضع اسم الدكتور طارق أبو الراغب، وعلى يساره اسم النائب عمر الزيود.. في تلك اللحظة لم أنظر إلى الأمر باعتباره ترتيب مقاعد، بل باعتباره رسالة قد تُفهم بطريقة مختلفة داخل وفد جاء بترتيبات دقيقة ورئاسة محددة.

وفي تلك اللحظة الحرجة، تلبسني شعورُ الرجل الذي لا يرضى بالخطأ في بيته.. لم أتردد؛ امتدت يدي بهدوء لخلع الورقة التي تحمل اسم طارق، ووضعتها في جيبي، مفسحاً المكان ليكون الحقُّ لأصحابه.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
جري حوار بين عمر الزيود وكرم جبر

حوار بين عمر الزيود وكرم جبر

جلستُ في مكانه، وبعدي بدقائق جلس النائب عمر الزيود في مكانه بهدوء ودون أن يلتفت لما سبق.. في صمتٍ يحملُ الكثير من العتاب.. بعد وقت قصير دخل كرم جبر بصحبة مدير مكتبه، لكنه لم يتجه إلى المنصة المجهزة بالميكروفونات كما كان متوقعًا، بل جلس في منتصف الطاولة بين الحضور.. اختاروا الجلوس في مكانٍ بدا وكأنه عزلةٌ عن الوفد، لتبدأ معركة الصمت والميكروفونات. هنا، شعرتُ بالأرض تهتز تحت أقدام العلاقات الدبلوماسية.

هنا بدأ ارتباك جديد؛ الصحفيون تحركوا لنقل الميكروفونات، وبدأ نقاش لكنه طويل حول أماكن الجلوس والبروتوكول المعتاد.. كادت المراسم أن تكسر الودّ، أصلحنا بـ (القلب) ما أفسده (البروتوكول).

جري حوار بين عمر الزيود وكرم جبر وأصر كرم علي ان هذا المكان المعتاد بالنسبة له وأصر ايضا عمر ان لن يتحرك منً مكانه متسائلا ولماذا وضعت الاسماء والميكرفونات هنا تدخلتُ، همستُ في أذن (عمر): من أجل خاطري لا تفسد الموقف وان تري بقية الوفد بدأ بتململ ومتحفز للرجل فروضه عمر لرجائي  قائلا (الضيف أسيرُ مضيفه).

كانت كلمةً خرجت من عراقة الأردن لم افهمها في وقتها ولكن الازمة كادت تنتهي،  فامتثل لي ، لكن مرارة الموقف كانت تعتصر الوفد، ووجوههم كانت تنطق بما لا تقوله الألسن.

لم أكتفِ بالصمت، فقد كان عليَّ أن أكون الجسر. عندما جلست في المكان الجديد كانت جلستي علي يساره وهمستُ في أذن (كرم): (أحذر، هذا الرجل من عشيرةٍ لها ثقل، وهو قريبٌ من الملك، لا تستهن بالموقف).

وحين رأيتُ الجمود يسيطر على الأجواء وأنه لم يلتف لما قلت له وقال لي بعدين نتكلم ولم يكن يقدر الأزمة التي دخلها والتي كادت ان تكون أزمة دبلوماسية بين القاهرة وعمان، كتبتُ له وانا جالس بجواره وهو يلقي كلمته رآها كل الحاضرين وانا أحركها من امامي لتبقي أمانه   ورقةٍ صريحة: رئيس الوفد هو الدكتور عمر الزيود، ومنصبه أسمى بكثير مما تتخيل، رحّب به وبهم كما يليق، فاستجاب أخيراً ، لتخرج الكلمات من فمه متأخرة لكنها جاءت لتنقذ ما يمكن إنقاذه.

في نهاية المشهد، وبعد أن شاهد عدم الود والراحة لعشرون ضيف في ضيافة رسمية القاهرة من رموز الأردن وكبارها ورئاسة إعلامها كان (كرم) يحاول جاهدًا تذويب الجليد بفتح أطباق الحلويات ودعوة النواب للأكل، لكنهم كانوا قد تجاوزوا الموائد.. كانت أنظارهم، وامتنانهم، وحتى كلماتهم التي قيلت في المديح، موجهةً لي فقط كأنهم لم يروا في مصر سوي إبراهيم ابوذكري وزوجته.

 حكايتي مع الاعلام وصناع الاعلام (49).. المهندس (عزت الحزام)
في نهاية الرحلة، لم أشعر أنني أودّع وفدًا عاد إلى بلده غم ما قاله عمر الزيود

معني ما قاله عمر الزيود

لم تكن مجاملاتٍهم سياسية لي، بل كانت رسالةً واضحة وتعبيرا عن غضبهم خاصة النائبات منهم والذي كرر مثل الضيف اسير مضيفة موجهه للوفد المصاحب له حتى لا يستمروا فيما اتجهوا اليه وكل ما كانوا يريدون ان يقولوه لكرم كان مديح لي وبالاسم ولم يوجّه واحد الشكر له حتى انصرفنا: لقد جاؤوا من أجلنا، بفضل علاقتنا، وباسم محبتنا التي تتجاز المكاتب والمجلات.

حين كلمته لاحقاً، قلتُها له بوضوحٍ لا لُبس فيه: (أنا لستُ باحثاً عن كرسيٍ في مجلس، ولا أنتظر صوتاً في صحيفة..أنا المستضيف، أنا الذي جاءوا لأجله ومحبةً في مصر، وتقديراً لمكانةٍ بنيناها بصدقٍ لا بزيف).

انتهت الزيارة، وبقيت الحقيقة ناصعة؛ أن الألقاب تذوب، والمناصب تتغير، لكن (الوجه الآخر) للوفاء هو الباقي دائماً، وهو الذي يجعلنا، رغم كل شيء، أسياداً في مواقفنا، لا أسرى لبروتوكولاتٍ لا تفقه لغة القلوب، ولم أكن أعرف معني ما قاله عمر الزيود عندما حسم الخلاف وعندما رأي الوفد ربما يتزايد بالموقف الي نقد قد تصل الي نقطة اللا عودة فيها.

وعندما سالت عن معني (الضيف أسير مُضيفه) قبل أن لها وجهان رائعان في المعنى:

  • من جانب الضيف (الأدب والامتثال: أن الضيف عندما يدخل بيت المضيف، يفقد حرية التصرف الكاملة؛ فلا يطلب طعاماً معيناً، ولا يحدد وقت الأكل، ولا يتحرك في البيت إلا بإذن. هو “أسير” لترتيبات صاحب البيت، ويقبل بكل ما يُقدم له من كرم بطيب خاطر تلبيةً للأدب.
  • من جانب المضيف (الالتزام والحماية): في العادات العشائرية والبدويّة القديمة، الكلمة تحمل معنى (الأمان) أيضاً، فالضيف عندما يكون في بيت مضيفه، يصبح المضيف مسؤولاً عن حمايته والدفاع عنه ومستوى كرمه مسؤولية كاملة، وكأن الضيف أمانة غالية (أو أسير يُفدى بالروح) في عنق صاحب البيت.

باختصار: المثل يختصر قواعد (إتيكيت) الضيافة العربية القديمة: صاحب البيت يدبّر، والضيف يمتثل، وبعد انتهاء اللقاءات الرسمية، وهدوء الأيام التي كانت ممتلئة بالمواعيد والانتقالات والوجوه والكلمات، جلست أراجع ما حدث كله من بدايته إلى نهايته. اكتشفت أن أكثر ما يبقى في الذاكرة ليس أسماء المسؤولين ولا شكل المنصات ولا ترتيب المقاعد، وإنما المواقف التي كشفت طبائع الناس وكيف يفكر كل طرف وكيف يحرص على صورة مؤسسته وبلده.

وأدركت أن نجاح مثل هذه الزيارات لا يُقاس بعدد الاجتماعات التي عُقدت، بل بعدد الجسور التي تُبنى خلالها. فربما يختلف الناس في التفاصيل، وربما تُفهم بعض الإشارات بغير مقصدها، لكن حين تكون النوايا صادقة يبقى الاحترام قادرًا على إعادة كل شيء إلى مكانه الصحيح.

كان الوفد بالنسبة لي ضيوفًا قبل أن يكونوا مسؤولين، وكانت مصر بالنسبة لي أكبر من أي موقف عابر، والأردن أكبر من أي سوء فهم، وما جمعنا طوال تلك الأيام كان أعمق من برنامج زيارة وأقوى من خبر منشور.

وفي نهاية الرحلة، لم أشعر أنني أودّع وفدًا عاد إلى بلده، بل شعرت أنني أودّع أصدقاء تركوا في القلب أثرًا جميلًا، وأن القاهرة – كعادتها – لم تكتفِ باستقبال ضيوفها، بل احتفظت بهم في ذاكرتها كما احتفظوا هم بها.

وهكذا أُغلقت صفحات الزيارة.. لكن بقيت العلاقات مفتوحة، وبقي الاحترام متبادلًا، وبقي الإيمان أن ما يجمع مصر والأردن أكبر من المراسم، وأبقى من أي صلات عابرة!

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.