(كريم العراقي): بليغ حمدي حذف كلمات (من الأول يا حبيبي)، وأعطاني درسا لا ينسى!
المطرب الحقيقي يمتلك حساً استثنائياً بالكلمة التي يغنيها، فهي لابد أن تتسرب إلى أعماقه، وتذوب في وجدانه، ويجب ألا تكون زائدة، أو مكررة، أو ثقيلة على الأذن، وإلا رفضها على الفور وطلب من الشاعر مؤلف الأغنية تغيير هذه الكلمة أو ذلك المقطع، فى هذا الباب سنتوقف مع بعض الأغنيات التى تم تغيير بعض كلماتها، أوحذفه.




بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
في تاريخ الفن، لا تموت الأعمال الخالدة، لكنها أحيانًا تُخبّئ معها أسرارًا لا تُفتح إلا حين تستقر الأيام على مهل، وتتاح لها فرصة أن تُروى من جديد، وهكذا ظلت أغنية (من الأول يا حبيبي) كلمات الشاعر (كريم العراقي)، وألحان الموسيقار بليغ حمدي، وغناء سعدون جابر، تتردد في ذاكرة السامعين، وكأنها لا تكمل حكايتها إلا كلما صارت أقدم.
(من الأول يا حبيبي) ومعها ثلاث أغنيات أخرى، هى (مشوارك حبيبي)، (أريدك)، (رحنا والله رحنا)، لم تكن إضافات غنائية فقط، بل كانت حضورًا مكتملًا لواحد من أجمل مواسم التلاقي الطربي المصري العراقي.
أربع أغنيات، ما زالت ملء السمع والبصر، وكل واحدة منها تحمل توقيع ثلاثي عبقري، لحن مصري يقترب من السماء، وصوت عراقي يهبط بالقلب على الأرض، وكلمات تشعل المعنى من أول سطر.
ومن خلال حوار قديم أجريته مع الشاعر (كريم العراقي)، في عام 2003، في مجلة (الأهرام العربي) حين فتحت أبواب الكلام عن كواليس الأغنيات الأربعة، وكيف تشكّلت؟، وكيف ظهرت؟!.. توقف معي (كريم العراقي) عند أغنية (من الأول يا حبيبي) ولماذا صارت في النهاية (قصة) لا (أغنية)، والدروس التى تعلمها من بليغ حمدي.

الحلم صار بابًا إلى القلب
يقول (كريم العراقي) عن كواليس هذه الأغنيات، خاصة (من الأول يا حبيبي): كان لقاء (بليغ حمدي) بالنسبة لي حلمًا، لم أكن أتخيله، حتى أنني صرحت بذلك لصديقي (سعدون جابر)، ودارت بيننا محادثة طريفة كانت كأنها تمهيد للقدر وجاءت كالتالي:
كريم: لو كنّا في شهر أبريل، لقلت هذه كذبة أبريل!
سعدون: لا أمزح معك، كن مستعدًا، فالملحن الكبير (بليغ حمدي) يريد أن يراك.
كريم: بليغ حمدي مرة واحدة يا أبا السعود؟
سعدون: نعم، فقد اختار أربع أغنيات من تأليفك لتلحينها.
يستكمل (كريم العراقي) ظروف رؤية الحلم فيقول : انتظرت أعد الثواني قبل الدقائق في انتظار هذا اللقاء، إلى أن جاء الموعد في (فندق المنصور) قرب دار (الإذاعة والتلفزيون)، كنت أطير بأجنحة من القلق واللهفة، (بليغ حمدي) الذي صاغ أجمل المشاعر ألحاناً لأم كلثوم وعبدالحليم وعشرات المطربين، في انتظاري!
يومها شعرت بمشاعر كثيرة مختلطة ومتداخلة، رهبة،ٌ وتوترٌ، ونشوةٌ، وأعتدادُ، وفي الموعد المحدد أصبح الحلم حقيقة وإستقبلنا (بليغ حمدي) في غرفته في الفندق، وكانت بساطته مفتاحاً الى دخول قلبه مستمعا ومحدثا.
وكان (سعدون جابر) أول من أحس بالتوتر داخلي، فقال بمجرد أن دخلنا غرفة الموسيقار العبقري (:أستاذ بليغ، صديقي كريم متوتر)، فأبتسم (بليغ) برقة وطمأنني قائلا: (بل يجب أن تشعر بالاعتداد والفخر، لأنني اخترت كلماتك من بين عشرات القصائد، والكلمات التى عرضها علي (سعدون جابر).
ثم أعاد على مسمعنا حكايته القديمة، عن لقائه الأول بأم كلثوم، وعن قلق بداية عطائه الفني، وكيف يتحول القلق إلى قدرة حين تتجمع العناصر الصحيحة.

نحن نتبع خطى مشاعركم
يتابع الراحل (كريم العراقي) تكمله قصته مع (بليغ حمدي) فيقول: يومها أزاح توتري تماماً حين قال: (يا كريم نحن كملحنيين نتبع خطى مشاعركم، ونسير وراء الكلمة المميزة، والصورة المبتكرة والإحساس الصادق، نحن الذين ننتظركم لتوقظوا ثورتنا أنت وغيرك من المبدعين أنتم أيها الشعراء، فلولا كلماتكم ما كانت ألحاننا).
ولأن (بليغ حمدي) كان يخطو نحو تجربة جديدة ومختلفة، طلب أن يسمع مني الكلمات بصوتي مباشرة، وقال : (أريد أن أسمع القصائد وأنت تلقيها بصوتك لأني أول مرة ألحن زجلاً غير مصري، وذلك نزولاً عند رغبة سعدون جابر، الذي أصرَّ أن يغني باللهجة العراقية، فأحترمت رغبته حبا في صوته، لذلك لا خوف عليك فأنا الآن جدير بأن أخاف لأنها تجربة صعبة، أسمعنا يا كريم).
وأغمض (بليغ حمدي) عينيه وأصغى وأنا أقرأ:
لا رايد مراسيل، ولا رايد هديه
ردت كلمة حبيبين تجمعنا سويه
من الاول يا حبيبي عرفتك مو إليَّ
وعرفت الزمن يندار وتصير وياه عليّ
جميع ذنوبك تهون إذا نلتم سويّ
وانا اللي أعتذر لك وأخلّي الصوج بيَّ
وقاطعني بليغ حمدي: (جميل جميل، لكن اسمح لي، كلمة واحده لم أفهمها (الصوج) يعني إيه؟! قلت له: الذنب، قال: (طيب خليها الذنب، تكون مفهومه عربياً).
وطلب مني حذف البيت الذي أقول فيه: (جميع ذنوبك تهون، إذا نلتم سوي)، والبيت الثاني الذي أقول فيه: (وانا اللي أعتذر لك وأخلّي الصوج بيَّ)، وقال لي : (نحن نتحدث عن أغنية عاطفية، وليس معقولا أن نحاسب أحبابنا على كل ذنوبهم، ونذكرهم بها!).
من هذه الملاحظه أخذت من ملحننا الكبير درساً كبيراً، وأنا في بداية مشواري الفني في العراق، ولم أسافر لأي بلد عربي، رغم أن لهجتي العراقية في الكتابة الغنائية قريبة جداً للفصحى، لكن ملاحظة الموسيقار (بليغ حمدي) جعلتني أكثر حرصاً لاستبعاد المفردات المغرقة في المحلية مادام هناك بديل مفهوم عربيا.
ولم يكتف (بليغ حمدي) بالقراءة الصوتية التى قرأتها له، وانما طلب مني أن أسجل الكلمات على – كاسيت – ليصطحبه معه عندما يسافر، ويبدأ التلحين، وتم له ذلك.

الحرب العراقية الإيرانية
سافر (بليغ حمدي) إلى (لندن)، وبعد سفره اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، والتحقنا أنا والفنان (سعدون جابر) بالخدمة الإلزامية، وبعد عدة شهور اتصل (بليغ) بالفنان (سعدون جابر)، وأبلغه انه انجز الألحان وأنه جاهز للتسجيل، إلا ان الفرحة لم تتم، فلا نحن نستطيع السفر الى (لندن)، ولا (بليغ حمدي) قادر على المجيء الى بغداد.
وذلك بسبب ظروف الحرب العراقية الايرانية، وكان الحل ان أرسل الموسيقار (بليغ حمدي) الألحان على أشرطة موسيقى فقط الى (بغداد) مع أحد القادمين من لندن، وبدأنا التسجيل في ستوديوهات (بغداد) وبعدم حضور (بليغ حمدي)، ويالها من معاناة كان التسجيل بأشراف مهندس الصوت (عقيل عبدالسلام) وحصل أرباك كثير.
فهناك جمل موسيقية طويلة، اضطررنا معها لزيادة كلمات، وفي بعضها جمل قصيرة أضفنا كلمات جديدة، ولو كنا في زمن (الإنترنت) لكانت العملية يسيرة، وطرحت الأغاني الأربعة، لكنها لم تُخدم إعلامياً، ولم تحقق في البداية النجاح الضخم، فالحرب العراقية الإيرانية كانت (تبتلع) كل شيء، والأغاني تعرضت لهجوم ملحنين ونقاد.
واقترحت على (سعدون جابر) إعادة التسجيل بعد انتهاء الحرب، لكن الحرب استمرت ثماني سنوات، ثم تلتها حروب أخرى، وكأن الزمن يقول: ليس الآن.
وفي نهاية حديثه عن (بليغ حمدي) لمحت يومها الدموع في عيون (كريم العراقي) وعندما سألته عن سر تأثره، قال : (لأن بليغ حمدي، قال لي: إن تجربتك ستنضج وتتوقد خلال الفترة القادمة، ولابد أن تنزل القاهرة، وعندما إشتهرت ونزلت مصر أول مرة عام 1996 كان (بليغ حمدي) قد فارق الحياة.
لعل السؤال الذي يطرح نفسه في النهاية، ويظل عالقًا كيف لأربع أغنيات خرجت من زمن اضطراب أن تبقى بهذه القوة؟ هذا راجع في إعتقادي إلى أن اللحن عند (بليغ حمدي) لم يكن زينة صوتية، بل كان قلبًا يتحرك مع الكلمة.
ولأن (سعدون جابر) لم يغنِ الأغنية فقط، بل جعلها قدرًا عاطفيًا لعراقي يسمعها فيعرف نفسه، ولأن (كريم العراقي) كتب كلمات تملك ذلك الشيء النادر، وهو أن تصير معنىً مشتركًا، بين المستمع ولحظته.
وهكذا تبقى الأغنيات الأربع، (من الأول يا حبيبي)، (مشوارك حبيبي)، (أريدك)، (رحنا والله رحنا)، ليست مجرد تراث محفوظ، بل طرب يرفض النسيان.. وفي كل مرة تُسمع فيها، يعود اللقاء بين العبقرية المصرية، والنشوة العراقية، ليؤكد أن الفن، حين يكون صادقًا، لا يستأذن الزمن بل يسكنه.