رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع (25).. (القاضي فايد) وأتباعه (ومعنى القبح)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع (25).. (القاضي فايد) وأتباعه (ومعنى القبح)
عندما وضعت خضرة المولود الذكر حدثت أحداث غريبة من قبل بعض الشخصيات أمثال (القاضي فايد)

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

فن التمثيل العربي؛ يرتكز على البحث في الشخصية الإنسانية لإظهار حقيقتها للحواس كي يدركها المشاهد، وهذا ما تعرضه السيرة الهلالية لمجموع الشخصيات الرجالية والنسائية مثل (القاضي فايد)، في صورة نقدية للنفوس الخاصة بهذه الشخصيات، بل وتعقد مقارنات بين هذه النفوس، لبيان ما يترتب عليه أفعال هذه النفوس في الحياة الإنسانية.

ونلحظ من النص المسرحي للسيرة ، كيفية المقارنة بين أفعال النفوس البشرية، فهذا البطل (رزق بن نايل)، يحمل في نفسه عبء ثقيل يتمثل في عدم إنجابه لطفل ذكر برغم الزواج من العديد من النساء ولم ينجب سوى ابنته شيحة، وعندما تزوج من خضرة الشريفة ، كان حلمه الإنجاب ، وقد تأخر هذا الحلم لمدة عشر سنوات.

وعندما وضعت خضرة المولود الذكر حدثت أحداث غريبة من قبل بعض الشخصيات أمثال (القاضي فايد)، و غانم ، و عزجل لم تكن في الحسبان، وفي مشاهد السيرة الخاصة بهؤلاء الثلاثة تظهر المقارنة واضحة بين الشخصيات ذات النفوس الطيبة، والشخصيات ذات النفوس الخبيثة.

وتنعقد هذه المقارنة في شخصية رزق وخضرة، فهما لم يقدما إلا كل خير لجميع أفراد القبيلة، إلا أن للقبح عنوان صريح في شخصيات قلوبها مريضة، ذات نفوس ضعيفة، وهذا ما تعرضه السيرة لهذه الشخصيات لتظهر مدى القبح والخسة، في صورة تحليلية بليغة لهذه الشخصيات.

ونسوق من الأمثلة ما يظهر هذه النفوس، ونبدأ بمجلس الملك سرحان الذي من عادة العرب ، إحضار المولود فيه ، ويقوم احد الأفراد باللف بالمولود على كل الحاضرين من كبار رجال قبيلة الهلايل، لكي يعرفوه ويطلق أبيه  في هذا المجلس الاسم الخاص به، ويبدأ المشهد كالتالي:

نجاح: خده وراح ديوان الهلايل

دخل علي رزق ده بيه

(رزق): أمره يلف علي الهلايل

فدلي الواد جدام سرحان

دلي الغلام جدام سرحان

سرحان: جال يا رزق ربك عطالك

شافوا الملك والجلب فرحان

جال تو يا رزق اتعدل حالك

طلعله الملك الف دينار

جال نقوط لنسل نايل

فرحوا بيه كبار وصغار

جام العرب هنوا ابن نايل

لف بيه علي الجمع كله

الشاعر: خد بالك من الرواية

جال العرب فعل في محله

خيار رجال نعم الربايه

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع (25).. (القاضي فايد) وأتباعه (ومعنى القبح)
نرى في المشهد أن الجميع هنأ رزق بن نايل

رزق بن نايل

ونرى في المشهد أن الجميع هنأ رزق بن نايل، ولكن تظهر الشخصيات القبيحة:

وجه جدام (القاضي فايد) يا رجال

وموجود بجنبه غانم

جالسه العرب يمين وشمال

مولاي بالخلق عالم

جدام غانم العبد دلي

والقاضي ينظر بعينه

والعرب الكل سامعه

كلام للرجال سامعينه

فا جرب القاضي وكشف الثام

أول ما دليه العبد جدام (القاضي فايد) اللي هو قاضي العرب فايد لسه ما كانش بجي بدير

(القاضي فايد) فعندما دلوا الغلام جدام القاضي)

بص القاضي وشال اليثام

جاري وعارف الكتايب

لما شاف شكل الغلام

لجيه أسمر جال دي أخر عجايب

لجي الولد صغير اسمر اللون

جال سبحان رب الخلايج

يعني ده فعل غير موزون

ده ما فيش في مثله خلايج

جوم مال علي غانم القاضي

هما الاتنين

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع (25).. (القاضي فايد) وأتباعه (ومعنى القبح)
نرى من المشهد مدى الخسة والنذالة، فهما ليس لهما علاقة برزق وبخضرة

علاقة برزق وبخضرة

ونرى من المشهد مدى الخسة والنذالة، فهما ليس لهما علاقة برزق وبخضرة، ولكن الحقد الدفين في نفسيهما ، ظهر وبان في هذا المجلس ، والحقد في معناه العام هو إضمار العداوة في القلب ، والانتظار حتى تحين فرصة للانتقام، وهذا ما حدث من فايد ، أمام كل رجال الهلايل الكبار طعن في نسب الطفل بأنه أسمر اللون وقال:

جال القاضي سبحان الله

جال القاضي سبحان الله

أهي حاضره رجال الهلايل

مثل الوجه ده فينا ما راناه

لا لون خضره ولا لون ابن نايل

يعني جايبه الواد اسمر اللون

باين من عبيد الجلايب

سبحان من عمر الكون

عشنا ورأينا العجايب

وهذا ما حدث أمام الرجال، وألتقط غانم هذا الخيط، ليظهر ما بنفسه من خسة النفس، وهى تعني قلة الأصل ودناءة الطبع، وقال:

جوم غانم جاله

يا قاضي ما تلومش عليها

الشاعر: (شوف غانم يعمل الفتنة الفتنة وعرة جوي )

جاله غانم ما تلومش علي

ما جعدتها بلا عيال طالت

واصل يا قاضي الرازق جاعد حي

يمكن انها خضرة العبد مالت

فجال القاضي

جال القاضي يا سلام علي فعل النسا ده يغير الحي

الشاعر ( يغير اللحي .. أي جمع اللحية )

جال فعل النسا يغير الحي

أمع البعيد والجرايب

يجدر يتحزموا بالحنش حي

ويتعصبوا بالعجارب

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع (25).. (القاضي فايد) وأتباعه (ومعنى القبح)
نرى أخس شخصية، وهى شخصية عزجل الأخ لابن نايل

عزجل الأخ لابن نايل

وإن غانم راح يبرر ويتهم خضرة في شرفها بأنها اشتاقت للخلفة، لأن رزق لا ينجب، ليجهز على الفارس النبيل الخلوق رزق بن نايل، ويذكره بعقدة الإنجاب المتوطنة في نفسه بلا رحمة ولا شفقة، فما أقبح هذه الشخصيات التي تعرضها السيرة الهلالية.

إن بداخل قلوب هذه الشخصيات حسد شديد، وهو تمنى زوال النعمة عن العباد، ويتصاعد المشهد أكثر فأكثر لنرى أخس شخصية، وهى شخصية عزجل الأخ لابن نايل:

عزجل: جاله فين يا مجنون ولدك

عزجل جاله يا خوي فين والدك

عيشنا وراينا العجايب

د هانت جبت ظفار لبلدك

ده جيباه من عبد جلايب

لقد سمع عزجل كلام (القاضي فايد) وغانم، فانتهز الفرصة ليظهر الحقد الدفين تجاه أخيه رزق بن نايل، وهذا بسبب الطمع، فلدية رغبة في امتلاك مال أخيه الغني، وطالما له ولد ذكر خرج من الميراث، وأراد قتل الطفل، فأي خسة ونذالة وحقارة وقبح تعرضها السيرة في شخصيات هؤلاء الثلاثة، وهم ليس لهم علاقة برزق وزوجته خضرة، ولكن الحقد والحسد الدفين، فهم كما قال المتنبي:

(قومٌ إذا مس النعالُ وجوههم.. شكت النعالُ بأي ذنبٍ تُصفعُ)

إن عرض ما بنفوس هذه الشخصيات تمثيلا داخل مسرح  الهلالية هو بمثابة تحذير ومضرب للأمثال، لقد دمروا حياة أسرة بأكملها، بدون سبب سوى الحقد والحسد، وهذا التحذير الذى تظهره السيرة من مثل هذه الشخصيات ما أكثره في المجتمعات من جهلاء ووضعاء ، وسفهاء ، وحساد ..إلخ.

 ولهذا يحذرنا فن التمثيل العربي من مثل هذه الشخصيات، ويظهرها للحواس كي تدرك بالذهن والشعور، وهذا من جماليات فن التمثيل العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.