

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
ربما يبدو مبكرا الحكم على مسلسل (حب ع ورق)، ولكن يبدو لي أن (الجواب يبان من عنوانه)، فالسذاجة والسطحية تظهر من بداية الحلقات التي عرضت حتى الآن، فلا يبدو لي أن الـ 15 حلقة من إجمالي 30 حلقة يمكن أن تبشر بحدوث صراع درامي يبعث على الاستمرار في المشاهدة، في ظل تفاهة الفكرة وتشنج الأداء من غالبية طاقم العمل حيث تعمدو التصنع والمبالغة في إظهار الحب أو الكراهية.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الجانب البصري كان أحد أبرز نقاط قوة العمل، فقد جاءت الديكورات منسجمة مع طبيعة الشخصيات والبيئة التي تدور فيها الأحداث، وأسهمت في خلق عالم أنيق ومريح للعين، بينما حملت الأزياء قدرا من العناية يعكس الحالة الاجتماعية والنفسية للشخصيات، وإن بدت في بعض الأحيان مثالية أكثر من اللازم، بما جعلها أقرب إلى عالم الأحلام بعيدا عن الواقع الذي نعيشه حاليا.
القاعدة الأساسية، أنه ليست كل قصة حب تصلح لأن تصبح دراما مؤثرة، وليست كل رومانسية قادرة على إقناع المشاهد، فبين الفكرة والتنفيذ مساحة شاسعة، وفي هذه المساحة تحديدا تعثر مسلسل (حب ع ورق) الذي امتلك في بدايته مقومات عمل رومانسي جاذب الجمهور، لكنه سرعان ما وقع في فخ التكرار والمبالغات، حتى بدا وكأنه يكتفي بعرض قصة حب جميلة بصريا، لكنها تفتقر إلى العمق والواقعية.
تمثل القصة النقطة الأضعف في (حب ع ورق)؛ حيث بنيت على حبكة مستهلكة تفتقر إلى أي تصاعد درامي حقيقي، بحيث اعتمد السيناريو على (المصادفات غير المنطقية) لتسيير الأحداث، فصارت الصراعات مفتعلة وسهلة الحل، كما بدا من مشاهد كثيرة جمعت البطل والبطل على إيجاد حلول تبدو منطيقة لكنها ليست مقنعة بالمرة.

الشخصيات جاءت مسطحة للغاية
نعم أبرز ما واجه مسلسل (حب ع ورق) هو ضعف البناء الدرامي، فقد اعتمد السيناريو في أكثر من محطة على المصادفات والقرارات غير المبررة، وأدار الصراعات بطريقة تجعل الشخصيات تتحرك لخدمة الحبكة، لا انطلاقا من دوافعها الإنسانية، ومع تكرار هذا الأسلوب، فقدت الأحداث عنصر المفاجأة، وأصبح المتلقي يتوقع مسارها قبل وقوعه، وهو ما أضعف تأثيرها العاطفي الذي يثير مشاهر المشاهد.
الشخصيات جاءت مسطحة للغاية أحادية الأبعاد (إما طيبة مطلقة أو شريرة مطلقة)، وغابت عنها الدوافع النفسية أو المبررات المنطقية لتصرفاتها، كما أن الحوار بدوره اتسم بالسطحية والمباشرة، حيث كانت الشخصيات تشرح مشاعرها وأفكارها بشكل لفظي فج بدلا من ترك الأفعال والمواقف ولحظات الصمت تعبر عنها، مما أفقد العمل أي مساحة للتشويق والإثارة المطلوبة.
في كثير من الأحيان كانت الشخصيات مرسومة بخطوط عامة، أقرب إلى القوالب التقليدية منها إلى شخصيات تمتلك تاريخا نفسيا واجتماعيا واضحا، فالبطل (أنس طيارة) والبطلة (هيا مرعشلي) يبدو أنهما يمران بتحولات كبيرة في شكلها العام، لكن هذه التحولات لا تسبقها مقدمات كافية، ولا تبررها مواقف درامية مقنعة، لتبدو الانفعالات أحيانًا أكبر من الأسباب التي صنعتها على جناح الافتعال.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، تفاوتت مستويات الممثلين بصورة واضحة، فقد نجح بعضهم في تقديم مشاهد تحمل قدرا من الصدق، خاصة في اللحظات الهادئة التي تعتمد على التعبير الداخلي أكثر من الحوار، كما بدا ذلك من بعض المشاهد الرومانسية بين (لين، وأوس)، رغم أنهما متفقان من الأساس على لعبة تمثيلية بغرض إثارة غيرة (جولي) حبيبة (أوس) السابقة.
إلا أن الأداء في عدد من المشاهد العاطفية اتجه نحو المبالغة، سواء في نبرة الصوت أو لغة الجسد، وهو ما أفقدها جزءا من تأثيرها، أو محاولة إقناع المشاهد بصدقية الأداء، كما أن ضعف كتابة الشخصيات انعكس مباشرة على أداء الممثلين، فالممثل مهما امتلك من أدوات، يظل أسيرا للنص الذي يمنحه دوافع واضحة أو يحرمه من مواقف درامية قادرة على شغف الإثارة والتشويق لاستمرار المشاهدة.
ومن هنا جاء الأداء التمثيلي لغالبية طاقم عمل (حب ع ورق) باهتا ومخيبا للآمال، فقد وقع الأبطال في فخ التصنع والمبالغة في الانفعالات (Overacting) في المشاهد التي تتطلب عمقا شعوريا، بينما اتسم أدائهم بالبرود التام في مواقف أخرى كان يفترض بها أن تكون مشحونة بالدراما على نحو جاد وحقيقي.

صناعة صورة جميلة أكثر
كما يبدو واضحا: أن هناك غياب واضح للكيمياء الفنية بين ثنائيات العمل، مما جعل قصة الحب تبدو غير مقنعة للمشاهد، كما عانى الممثلون الشباب من ضعف في مخارج الحروف والقدرة على تلوين الصوت بما يتناسب مع الموقف الدرامي، ما أفقد صدقية الأداء.
أما الإخراج، فقد بدا حريصا على صناعة صورة جميلة أكثر من اهتمامه بإدارة الإيقاع الدرامي، اعتمد المخرج على اللقطات الطويلة، والإضاءة الناعمة، والزوايا التي تُبرز جمال المكان والشخصيات، لكن هذا الاهتمام بالشكل جاء أحيانا على حساب تطور الحدث، فالمشهد الذي يحتاج إلى توتر أو تصاعد درامي كان يتوقف طويلا عند تفاصيل جمالية لا تضيف جديدا إلى الحكاية، مما أدى إلى إبطاء الإيقاع.
وترتيبا على هذا عكس الإخراج ضعفا واضحا في قيادة العمل، فلم ينجح المخرج في خلق إيقاع متوازن للمسلسل؛ فثمة مط وتطويل في مشاهد لا قيمة درامية لها، مقابل تسارع مخل في اللحظات المفصلية من خلال الأحداث الفاترة في شكلها ومضمونها.
وقد تجلت سذاجة الإخراج في (توجيه الممثلين) الذي بدا غائبا، وفي الفشل في إخفاء عيوب النص، بل إن الإخراج ساهم في إبرازها من خلال الاعتماد على حلول بصرية تقليدية مكررة تذكرنا بمسلسلات تسعينيات القرن الماضي الغارقة في الرومانسية الساذجة التي تفتقد الشغف والإثارة.
التصوير السينمائي كان من أكثر العناصر تميزا في المسلسل، فقد أحسن مدير التصوير توظيف الإضاءة الطبيعية واللقطات الواسعة، واستخدم الألوان الدافئة ليمنح المشاهد إحساسًا بالرومانسية والهدوء، وهو ربما لاحظناه في مشاهد (استطنبول) في الحلقة 15، كما جاءت حركة الكاميرا سلسة ومدروسة، وأسهمت في تقديم صورة بصرية جذابة، حتى في المشاهد التي لم تكن تحمل ثقلا دراميا كبيرا يشبع رغبته.
أما الموسيقى التصويرية، فقد أدت دورا مزدوجا، ففي بعض المشاهد نجحت في تعميق الإحساس بالعاطفة، ومنحت اللحظات الهادئة مساحة للتأمل، لكنها في مشاهد أخرى جاءت مباشرة ومكثفة أكثر من اللازم، وكأنها تحاول إقناع المشاهد بما لم يستطع السيناريو أو الأداء التمثيلي إيصاله، وعندما تصبح الموسيقى مسؤولة عن خلق المشاعر بدلا من دعمها، فإنها تكشف عن خلل في العناصر الدرامية الأخرى.
وبدلا من أن تكون الموسيقى التصويرية عاملا مساعدا يترجم مشاعر الشخصيات غير المنطوقة، تحولت إلى أداة إزعاج للمشاهد، بحيث جاءت الموسيقى في كثير من المواقف (مقحمة) ومستمرة طوال الوقت دون توقف ( (Wall-to-wall music.

الإيقاع عانى من التفاوت
وكأنها هنا تحاول إجبار المتفرج على الشعور بالحزن أو الفرح بدلا من تركه يتفاعل مع المشهد، كما عابها التكرار الشديد للميلودي الأساسي، وافتقارها للتوزيع الأوركسترالي الذي يخدم التصاعد الدرامي بحيث تسير الأحداث على وتيرة مضبوطة إلى حد كبير.
الإيقاع العام لمسلسل (حب ع ورق) عانى أيضا من التفاوت، فهناك حلقات بدت مزدحمة بالأحداث، بينما جاءت حلقات أخرى بطيئة إلى حد كبير، مع تكرار الحوارات والمواقف نفسها بصيغ مختلفة، وهو ما أثر في تماسك العمل، وجعل بعض المشاهد تبدو قابلة للاختصار دون أن يتأثر السياق العام، فكان يمكن ضغط الـ 15 حلقة فيما لايزيد عن خمس حلقات بدلا من المط والتطويل.
ومع كل هذه الملاحظات، لا يمكن القول إن (حب ع ورق) عمل يخلو من المميزات، فقد امتلك إنتاجا سخيا وجيدا، وصورة بصرية راقية، وموسيقى تمنح المشاهد حالة وجدانية، إلى جانب محاولته تقديم قصة رومانسية تستهدف جمهورا واسعا، لكن هذه العناصر، مهما بلغت جودتها، لا تستطيع وحدها تعويض ضعف البناء الدرامي أو غياب التطور المنطقي للشخصيات التي تلعب أدورها بافتعال زائد عن الحد.
في النهاية: يقدم (حب ع ورق) مثالا واضحا على أن نجاح الدراما لا يتحقق بجمال الصورة وحدها، فالمشاهد قد ينبهر بالديكور، ويستمتع بالتصوير، ويطرب للموسيقى، لكنه يبحث قبل كل شيء عن حكاية يصدقها، وشخصيات تشبهه، وصراع ينبع من الحياة لا من المصادفات، وعندما تغيب هذه العناصر، تتحول الرومانسية إلى مجرد مشاهد جميلة… لكنها تظل، في النهاية، مجرد (حب على ورق).
ومن ثم أقول براحة تامة: بأن مسلسل (حب ع ورق) هو نموذج للدراما الاستهلاكية التي تعتمد على الشكل الخارجي وتتجاهل المضمون، خاصة أنه على مايبدو عمل كتب على عجل، ونفذ بأدوات تفتقر إلى الاحترافية، فجاءت النتيجة عملا باهتا يسقط من ذاكرة المشاهد بمجرد انتهاء شارة النهاية المتوقعة بزواج (لين وأوس) كما نتوقع.
الخلاصة: أن مسلسل (حب ع ورق) واحد من الأعمال التي تقع في فخ (النمطية المفرطة)، حيث حاول تقديم دراما رومانسية معاصرة، لكنه انتهى بتقديم وجبة درامية تفتقر إلى العمق والابتكار على مستوي العناصر الفنية من أداء وإخراج وتصوير، رغم أنه من حيث الشكل يبدو مبهجا إلى حد ما.