أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (6).. مدرس (الفلسفة)!


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
كان عقلي قد بدأ يتغير بالفعل.. والآن بعد كل تلك السنوات، أدرك أن السبب الحقيقي وراء ذلك الاختلاف لم يكن الصدفة، بل كان رجلًا بسيطًا يقف داخل فصل دراسي في مدرسة (القومية الثانوية بنين) بمنيل الروضة كان مدرس (الفلسفة).
في تلك المرحلة لم أكن أملك الوعي الكافي لأفهم لماذا بدأت أفكر بطريقة مختلفة، أو لماذا صار عقلي أكثر ميلًا للتساؤل والبحث، لكنك مع العمر تكتشف حقيقة مهمة: أن هناك أشخاصًا يدخلون حياتك في لحظة معينة، فيغيرونها بالكامل، وأنت تستجيب لهم دون أن تشعر.
وقبل أن أتحدث عن أثر (الفلسفة) والمنطق في حياتي، لابد أن أعترف أنني في البداية كنت متجهًا إلى دراسة المنهج العلمي.. كنت متأثرًا بشدة بـ مصطفى محمود، وكان عقلي يقنعني بأن الكاتب الحقيقي لا بد أن يكون طبيبًا، أو على الأقل قادمًا من عالم العلم.
لكن مع أول حصة في القسم العلمي أدركت الحقيقة سريعًا.. كنت أشعر أن ما يقال لا يدخل إلى عقلي بسهولة، وأن هناك شيئًا بداخلي يقاوم هذا الطريق.. وفهمت أخيرًا أن مكاني الحقيقي ليس هنا، وأن القسم الأدبي أقرب إليّ بكثير.
وكانت أولى حصص (الفلسفة) بداية التحول الحقيقي.. دخل المدرس الفصل وقال لنا بهدوء: من المهم أن يعرف الإنسان منهجه في التفكير.. هل هو منهج خرافي؟ أم علمي؟ أم ديني؟ أم خليط من كل ذلك؟
في البداية لم أفهم ما الذي يقصده تحديدًا، لكن مع مرور الأيام بدأت أستوعب الرسالة التي كان يريد أن تصل إلينا.. كان يحاول أن يعلمنا أن الفلسفة ليست مادة دراسية، بل طريقة حياة.



فيلم (بابا أمين)
كان يقول لنا إن (الفلسفة) هى أن تعرف كيف تقول (لا).. ومتى تقولها؟.. ولمن تقولها.. وأن (الفلسفة) هآ أن تتساءل دون خوف، وأن تطرح كل الأسئلة التي تدور بعقلك دون قلق من الإجابات.. وأنها البحث عن الأسباب الحقيقية خلف أي مشكلة، والطريقة التي يجب أن تتعامل بها مع العالم.
ومن هنا بدأت أكتشف أن لكل إنسان فلسفته الخاصة في الحياة، وأن تلك (الفلسفة) تتجسد في طريقة تفكيره، وطريقته في رؤية الأشياء، وفي اللحظة التي يقرر فيها أن يقول (نعم) أو (لا)، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يقبل الأمور كما هى دون أن يسأل نفسه: لماذا؟
تغيرت نظرتي إلى كل شيء.. حتى السينما نفسها.. ولأول مرة وقفت أمام فيلم (بابا أمين) للمخرج يوسف شاهين بنظرة مختلفة تمامًا.. كنت قد شاهدته من قبل أكثر من مرة، لكنني هذه المرة شعرت أن هناك معنى أعمق يختبئ خلف الحكاية البسيطة والشكل المسلي للفيلم.
وبدأت أعيد تقييم الأفلام التي شاهدتها طوال حياتي.. صار فيلم (شيء من الخوف) مبهرًا وخرافيًا بالنسبة لي، وأصبح (الزوجة الثانية) نموذجًا عظيمًا لفهم السلطة والقهر، بينما بدأ ( دعاء الكروان) عملًا شديد التأثير والإنسانية.
حتى السينما الأجنبية تغيرت علاقتي بها.. لم تعد أفلام الجريمة والأكشن وحدها هى التي تجذبني، بل أصبحت أبحث عن نوع آخر من السينما.. السينما التي تتحدث عن الإنسان.
شاهدت (إجازة فى روما) الذي تم تمصيره لاحقًا في فيلم يوم من عمري، كما شاهدت (العظماء السبعة) الذي خرجت منه روح فيلم (شمس الزناتي).. لكن أكثر ما كان يجذبني دائمًا هو الأفلام التي تتحدث عن العائلة والعلاقات الإنسانية.
شاهدت (مصيدة الوالدين)، وكان ممتعًا ومؤثرًا بشكل كبير، ثم شاهد (أوليفر تويست، وقصة مدينتين، ومرتفاعات ويزرنج، وجين إير).
وكان المدهش بالنسبة لي أن كثيرًا من تلك الأعمال تمت إعادة تقديمها وتمصيرها لاحقًا، وكأن الحكايات الإنسانية الحقيقية قادرة دائمًا على العبور من ثقافة إلى أخرى.