رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
نموذجان لدراما المط والتطويل
من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

في السنوات الأخيرة برزت آفة أكثر خطورة على الدراما العربية حيث لجأت شركات الإنتاج الكبرى في عالمنا العربي إلى (دراما المطولات)، تلك التي بدأت تتسلل إلى العمل من داخله، فتلتهم إيقاعه، وتُفقده بريقه، وتدفع الجمهور إلى هجره قبل نهايته، ولقد غدت ظاهرة الحلقات المطولة باتت تفرض نفسها الآن على المشهد الدرامي العربي بصورة لافتة، ولكن كيف أثرت الدراما التركية على المشهد الدرامي العربي؟

أصبح المط في (درما المطولات) هدفا في حد ذاته، ولم تعد وسيلة لخدمة السرد، فبدلا من أن تتحكم القصة في عدد الحلقات، أصبح عدد الحلقات هو الذي يفرض نفسه على القصة، لتبدأ عمليات التمديد، واستحداث خطوط درامية جانبية.

وإضافة شخصيات لا تؤثر في الأحداث، وإعادة المشاهد نفسها بزوايا مختلفة، وإغراق العمل في حوارات طويلة لا تضيف جديدًا، فيتحول الإيقاع من التصاعد إلى التباطؤ، ومن التشويق إلى الملل المركب في كثير من المسلسلات.

وتكشف متابعة كثير من المسلسلات العربية من نوعية (دراما المطولات) خلال السنوات الأخيرة عن نمط متكرر؛ حلقات افتتاحية قوية تجذب الجمهور، ثم تبدأ الأحداث في التراجع تدريجيا بعد الثلث الأول، حتى يشعر المشاهد أنه يشاهد القصة نفسها تتكرر بأشكال مختلفة، كما جاء في مسلسلات مثل: (الثمن، الخائن، ستيليتو، كريستال، وأخير ليل) على سبيل المثال وليس الحصر.

وفي هذه النوعية من (دراما المطولات) يعود البطل إلى النقطة التي بدأ منها، وتكرر البطلة المواقف ذاتها، وتستمر الشخصيات الثانوية في الدوران داخل دوائر مغلقة، بينما ينتظر الجميع الحلقة الأخيرة التي يعرفون مسبقًا كيف ستنتهي الأحداث بطرقة منطقية تحقق طموح المشاهد.

ولعل أخطر ما تفعله الإطالة أنها تقتل عنصر التشويق، فالتشويق لا يقوم على تأجيل المعلومة، بل على إدارة المعلومة، وهناك فارق كبير بين أن يترقب المشاهد ما سيحدث، وبين أن ينتظر حدوث شيء لا يأتي، عندما يدرك الجمهور أن الحلقة لن تقدم جديدا، تتراجع رغبته في المتابعة، ويتحول المسلسل من حديث يومي إلى عبء يحتاج إلى وقت لإنهائه بشكل منطقي.

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
لا يقتصر الضرر على السيناريو وحده، بل يمتد إلى الأداء التمثيلي أيضا

فخ المصادفات الدرامية

كما تدفع (دراما المطولات) الكتاب إلى الوقوع في فخ المصادفات الدرامية، فحين تنتهي المادة الأساسية، يصبح من الضروري اختراع أحداث جديدة، حتى لو جاءت على حساب المنطق.. فجأة يختفي أحد الأبطال، أو يظهر شخص لم يكن له وجود، أو تقع مصادفة تغير مسار العمل بالكامل، أو يُكتشف سر مؤجل منذ سنوات دون مبرر درامي مقنع، وهنا يشعر المشاهد بأن الكاتب لم يعد يقود الحكاية، بل أصبح يلاحق عدد الحلقات المطلوب إنجازه.

ولا يقتصر الضرر على السيناريو وحده، بل يمتد إلى الأداء التمثيلي أيضا، فالممثل الذي يمتلك شخصية غنية بالتفاصيل يجد نفسه مضطرا إلى إعادة الانفعالات نفسها مرات عديدة، الحزن يتكرر، والغضب يتكرر، والمواجهة تتكرر، حتى تفقد الشخصية حيويتها، ويصبح الأداء آليًا مهما بلغت موهبة الممثل.

أما الإخراج، فيدخل بدوره في معركة شاقة لإخفاء فراغ النص، فتكثر اللقطات البطيئة، والإطالات في الصمت، وتكرار زوايا التصوير، والإفراط في الموسيقى التصويرية، ليس لأنها تخدم الدراما، وإنما لأنها تساعد على ملء الزمن.. وقد تبدو الصورة جميلة، لكن جمالها لا يستطيع تعويض غياب الحدث الدرامي المشوق.

ولعل المفارقة أن الجمهور نفسه تغير، فالمشاهد الذي كان ينتظر حلقة يومية قبل عشرين عاما، أصبح اليوم يمتلك عشرات المنصات وآلاف الخيارات، ولم يعد مستعدا لمنح أي عمل فرصة مفتوحة بلا حدود، فإذا شعر بأن المسلسل يكرر نفسه، انتقل بسهولة إلى عمل آخر أكثر كثافة وإيقاعا يمكن أن يشبع رغبته في المشاهدة.

ولذلك لم يكن غريبا أن تحقق المسلسلات القصيرة نجاحا واسعا خلال السنوات الأخيرة، فقد أثبتت الأعمال التي تتراوح بين (ست وثماني وعشر حلقات، بل وحتى خمسة عشر حلقة)، أن الجودة لا ترتبط بالطول، وإنما بقدرة الكاتب على معرفة اللحظة المناسبة لإنهاء حكايته، فالمشاهد لا يسأل بعد النهاية: لماذا انتهى المسلسل مبكرا؟ بل يسأل: هل كانت الرحلة ممتعة؟

من أبرز أسباب هذا الاختلال ظاهرة (المط) التي أصبحت سمة متكررة في كثير من (دراما المطولات)، تبدأ الأعمال غالبًا بحلقات قوية، تقدم الشخصيات وتؤسس للصراع الرئيسي، ثم يدخل السرد في مرحلة من التباطؤ، حيث تتكرر الحوارات، وتدور الشخصيات في الدائرة نفسها، وتتأخر التحولات الحقيقية إلى أن يصل العمل إلى حلقاته الأخيرة بشكل صحيح ومقنع.

وليس المقصود بالمط مجرد زيادة عدد الحلقات، فهناك أعمال طويلة حافظت على جودتها حتى النهاية، لأن لديها مادة درامية كافية.. المشكلة تبدأ عندما تكون الحكاية محدودة، بينما يُطلب منها أن تمتد إلى عدد من الحلقات يفوق قدرتها الطبيعية، فتظهر الشخصيات الثانوية التي لا تؤثر في الأحداث، وتتكرر المواجهات نفسها، وتصنع أزمات جديدة لا تنبع من منطق القصة، وإنما من الحاجة إلى إطالة زمن العرض أكبر وقت ممكن.

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
يولد التكرار، العدو الأول للإيقاع الدرامي، فالتكرار لا يعني إعادة المشهد نفسه فقط

العدو الأول للإيقاع الدرامي

ومن هنا يولد التكرار، العدو الأول للإيقاع الدرامي، فالتكرار لا يعني إعادة المشهد نفسه فقط، بل إعادة الفكرة ذاتها والانفعال ذاته والصراع ذاته، كم من مسلسل شاهدنا فيه البطل يكتشف الحقيقة أكثر من مرة، أو يتراجع عن قراره ثم يعود إليه، أو يواجه الشخص نفسه بالحوار نفسه، حتى يشعر المشاهد بأنه يشاهد الحلقة السابقة ولكن بملابس مختلفة وبيئة أكثر اختلافا.

هذه الظاهرة لا تؤثر في النص وحده، بل تمتد إلى أداء الممثلين، فالممثل الموهوب يحتاج إلى مواقف جديدة تكشف تطور شخصيته، أما عندما يُطلب منه إعادة الانفعال نفسه مرات عديدة، فإنه يصبح أسيرًا للتكرار، مهما بلغت قدراته. وهنا يفقد الأداء تلقائيته، ويتحول إلى استعراض للمشاعر أكثر منه تعبيرًا صادقًا عنها.

أما الإخراج، فيجد نفسه أمام تحدٍ كبير، فعندما لا يقدم النص أحداثًا جديدة، يحاول المخرج تعويض الفراغ بإطالة اللقطات، أو الإكثار من الموسيقى التصويرية، أو الاعتماد على الحركة البطيئة، أو تصوير المشهد من زوايا متعددة، وقد تمنح هذه الحلول العمل جمالا بصريا، لكنها لا تستطيع أن تمنح المشهد قيمة درامية يفتقدها النص من الأساس.

وتبرز المشكلة أيضا في بناء الشخصيات، ففي الدراما الجيدة، تتغير الشخصيات مع كل تجربة، وتتطور وفقا للصراع الذي تعيشه، أما في كثير من الأعمال الطويلة الحالية، فتظل الشخصيات أسيرة الصفات نفسها منذ الحلقة الأولى وحتى الأخيرة، فلا تتعلم من أخطائها، ولا تتبدل دوافعها، وكأن الزمن يمر عليها دون أن يترك أثرا يذكر.

ربما لاتبدو الصورة قاتمة بالكامل، فقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور أعمال عربية قصيرة أثبتت أن الجودة لا ترتبط بعدد الحلقات، بل بقدرة الحكاية على أن تقول ما لديها دون إسهاب، هذه الأعمال أعادت الاعتبار لفكرة التكثيف، وأكدت أن المشاهد لا يبحث عن رحلة طويلة، بل عن رحلة ممتعة تعتمد على الشغف.

ويبقى الرهان الحقيقي على العودة إلى النص، فالسيناريو هو قلب الدراما النابض، وإذا كان قويا ومتماسكا، استطاع أن يمنح المخرج مساحة للإبداع، والممثل فرصة للتألق، والموسيقى معنى، والصورة روحا، أما إذا كان ضعيفا أو ممددا قسرا، فلن تستطيع أي ميزانية أو أي نجم إنقاذه، وهو مايبدو واضحا في غالبية المسلسلات العربية التي تفقد حبكتها الدرامية بعد خمس حلقات على الأكثر.

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
أثبتت التجربة أن الجمهور لا يرفض المسلسلات الطويلة من حيث المبدأ

العمل المكرر يفقد جمهوره

لقد أثبتت التجربة أن الجمهور لا يرفض المسلسلات الطويلة من حيث المبدأ، وإنما يرفض الأعمال التي تستنزف وقته دون مبرر، فالعمل الذي يقدم جديدا في كل حلقة سيحظى بمتابعة حتى لو امتد لعدة مواسم، بينما يفقد العمل المكرر جمهوره حتى لو لم يتجاوز عشر حلقات على جناح الملل.

إن استعادة إيقاع الدراما العربية لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى إعادة ترتيب الأولويات: أن تكون الحكاية قبل عدد الحلقات، وأن يكون تطور الشخصيات أهم من إطالة الصراعات، وأن ينظر إلى المشاهد بوصفه شريكا ذكيا لا متلقيا سلبيا في كل الأحوال.

ففي النهاية، لا يتذكر الجمهور عدد حلقات المسلسل، بل يتذكر أثره، ويتذكر المشهد الذي هزه، والجملة التي بقيت في ذاكرته، والشخصية التي أحبها، والنهاية التي أقنعته، أما الحلقات التي مرت بلا ضرورة، فإنها تتبخر مع الوقت، ولا يبقى منها سوى الإحساس بأن الحكاية كانت تستحق إيقاعا أفضل على مستوى الحبكة الدرامية.

المفارقة أن الدراما العربية تمتلك ثراء موضوعيا كبيرا قد لا يتوفر في أي صناعة أخرى، فهي قادرة على تقديم أعمال اجتماعية وسياسية وتاريخية ودينية وكوميدية وشعبية، تعكس تنوع المجتمعات العربية واختلاف ثقافاتها.

كما تمتلك إرثا طويلا من الأعمال الخالدة التي نجحت لأنها كانت نابعة من البيئة المحلية، لا لأنها حاولت تقليد نماذج أجنبية، ولهذا فإن مستقبل الدراما العربية لا يكمن في البحث عن نسخة عربية من الدراما التركية، وإنما في تطوير شخصيتها الخاصة، والاستفادة من التجارب العالمية دون فقدان هويتها.

لقد كان تأثير الدراما التركية على الدراما العربية حقيقة لا يمكن إنكارها، وقد حمل هذا التأثير جوانب إيجابية عديدة، أبرزها تطوير الصورة والإنتاج ورفع سقف الجودة الفنية، لكنه حمل أيضًا سلبيات واضحة، عندما تحولت بعض الأعمال إلى مجرد نسخ باهتة من النموذج التركي، ففقدت خصوصيتها، وأضاعت هويتها، واستبدلت الواقع العربي بقوالب لا تعبر عنه كما يرجى ذلك.

فالدراما لا تنتصر لأنها تشبه غيرها، بل لأنها تعبر بصدق عن مجتمعها، وتحكي قصصا تنبع من بيئتها، وتلامس وجدان جمهورها، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الدراما العربية اليوم: أن تتعلم من الآخرين، دون أن تفقد صوتها الخاص الذي ميزها عبر التاريخ.

فالدراما ليست مجرد قصة تروى، بل هى انعكاس لوجدان المجتمع الذي تنتمي إليه، وما يبدو طبيعيا داخل السياق التركي قد لا يبدو كذلك داخل مجتمعات عربية تحكمها منظومات اجتماعية وثقافية مختلفة على مستوى الشكل والمضمون.

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟ من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟ من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟ من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟

من التشويق إلى الملل.. (دراما المطولات) أفسدت القوى الناعمة العربية؟
نماذج درامية تنتمي للفن الحقيقي

الفن الحقيقي لا يستند للتقليد

القاعدة الأساسية في أن الفن الحقيقي لا يقوم على التقليد، بل على إعادة إنتاج التجارب بما يناسب خصوصية المجتمع، فليس المطلوب أن تصبح الدراما العربية نسخة من الدراما التركية، وإنما أن تستفيد من أدواتها، مع الحفاظ على هويتها الثقافية والاجتماعية، وتعود مرة أخرى إلى جادة الصواب.

تلك التي كانت عليها مسلسلات خلال العشر سنوات الأخيرة، مثل (نيران صديقة، العراف، جزيرة غمام، السبع وصايا، هذا المساء، خلي بالك من زيزي، سجن النسا، أفراح القبة، تحت الوصاية، حالة خاصة، لام شمسية، الصفارة، بنت اسمها ذات، أشغال شاقة، موضوع عائلي، اللعبة، بالطو، الغرفة 207، جراند أوتيل، لعبة نيوتن، بـ 100 وش، وش وضهر، ونوس).

نحن نحتاج إلى إعادة النظر في شكل وملامح الدراما العربية قبل أن ترواح مكانتها التي رسخت للقيم والاقتراب من الواقع المعاش، من خلال أعمال اتسمت بالمصداقية بصناعة درامية فائقة الجودة.

خاصة أن نجاح أي عمل درامي يبدأ من صدقه، والمشاهد العربي قد ينبهر بصورة جميلة أو إنتاج ضخم، لكنه في النهاية يبحث عن شخصيات تشبهه، وقضايا تمسه، وحكايات تنبع من بيئته، فكلما اقتربت الدراما من واقع مجتمعها، ازدادت قدرتها على التأثير والاستمرار في وظيفتها الأساسية وتأثيرها بالغ الأثر.

لذلك، فإن مستقبل الدراما العربية لا يكمن في استيراد القوالب الجاهزة، بل في تطوير نموذجها الخاص؛ نموذج يستفيد من التجارب العالمية، دون أن يفقد صلته بالثقافة العربية، أو يفرط في خصوصيتها، لأن الهوية ليست عائقا أمام التطور، بل هى الشرط الأول لنجاح أي فن يعيش طويلا في وجدان جمهوره ويبقى في الذاكرة الحية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.