
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
بعد إذنك لو ممكن سؤال واحد؟!
تقدر حضرتك لو كنت من أعلى الطبقة المتوسطة، على أن تتخذ قرارًا بالمغامرة بعمل عزومة كبيرة بس بالضبط زى ما عملتها الست زينب (كريمة مختار) لعائلة جلال (محمود عبد العزيز) زوج ابنتها أحلام (منى جبر) في فيلم (الحفيد)؟!
وباسم الله ما شاء الله، احسب كم كان عدد الحاضرين على السفرة في بيت الأستاذ (حسين أفندى مرزوق) عبد المنعم مدبولي، وهم: حسين + زوجته زينب وأولادهما السبعة+ شفيق (نور الشريف)نبيلة (ميرڤت أمين) + أحلام وجلال + أبيه + أمه+ + شقيق جلال الثاني مصطفى “التخين الذي أكل كل البط لوحده”.
وللتذكرة ففيلم (الحفيد) أنتج عام 1975 ويعتبر امتداداً لفيلم (أم العروسة) الذي سبقه إلى شاشة السينما عام 1963 بطاقم عمل وممثلين آخرين غير طاقم العمل الأول (كلنا حافظينهم زي أسامينا وإن كان المؤلف هو نفسه الأديب الكبير عبد الحميد جودة السحار وكذلك المخرج البديع عاطف سالم).
ولاحظ أنهم يحملون الأسماء نفسها التى حملها أبطال الفيلم الأول، والذي لم يتكرر فيه غير الممثل الراحل إسكندر منسي (مرقص أفندى زميل العمر المخلص للأستاذ حسين في العمل).
فكم ستكون التكلفة الحالية لعزومة بها هذا العدد من الآكلين؟!
بالتأكيد يمكن بقليل من الصعوبة تدبير عزومة بها زغاليل حمام – بغض النظر عن أن الست زينب كانت مربياهم فوق السطوح – وكذلك شراء دكر بط مع دقية ورق عنب وصينية رقاق.. وبفتيك.. ماهو لازم بفتيك!
لكن بالطبع لن يمكن مقارنة الظروف الحالية بظروف منتصف السبعينات من القرن الماضي، ليس في تكاليف عزومة بهذا الحجم، بل هناك ما هو أهم!

الحياة مثقلة بفواتير من نار
فهناك موظف يعول أسرة من 7 أبناء وبنات، استطاع أن يزوج ابنتين منهم في فترة قليلة وبقيتهم في التعليم من الابتدائي وحتى الجامعي، أكل ولبس ومواصلات وفسح وكافة تكاليف الحياة، وإن كان بقليل من الصعوبة، إلا أن المراكب سايرة والحياة ماشية بدون أي مصادر دخل أخرى أو زوجة ذات وظيفة أو لديها دخل خاص بها!
لم تكن الحياة مثقلة بفواتير من نار في الكهرباء والمياه والغاز والإنترنت والإيجار الجديد والدروس الخصوصية.
لكن الأمر ليس في هذه الأمور وحدها، فمع تجاهل كل فروق الإيرادات والمصروفات من نقائص وزيادات، هناك أمر على درجة الأهمية نفسها وقد يزيد!.
فإذا ما توفرت الإيرادات اللازمة لولوج هذه المغامرة وإنجازها على خير ما يرام، فهل تتهيأ الأجواء النفسية لاستعادة أجواء أسرية ستينية أو سبعينية أو حتى تسعينية؟!
ومعذرة مرة أخرى، دعنى أطرح عليك مسألة فريبة من كينونتك الاجتماعية الحالية واعتبرها مثل (مسألة هاملت).
أنت الآن لست رب أسرة من زوجة وسبعة أبناء، كما أن ظروفك المالية الظاهرة تبدو أفضل من ظروف (حسين أفندى مرزوق)، وليس لديك من الأبناء سوى واحد أو اثنين أو ثلاثة على أكثر تقدير، كما أنك يمكن أن تعيش في شقة أكبر مساحة أو حتى ڤيلا.
ويمكن كذلك أن تكون متعدد مصادر الدخل ولديك رصيد معتبر في البنك كما أن زوجتك قد تكون موظفة بمرتب كبير في شركة استثمارية، فهى ليست مثل الست زينب ما لها من سبيل لتحسين دخل الأسرة، غير أنها تربي حمام فوق السطوح!
ومع كل ذلك، فأتحدى لو كانت لديك طاقة نفسية للتضحية بعمل عزومة مثل عزومة الست زينب!.. فتلك هي المسألة الهاملتية التى أطرحها عليك!
بذمتك يا شيخ متى كانت آخر مرة عزمت فيها إخواتك أو أحد من الأقربين؟!.. (سيبك من عزومة رمضان.. لأنها جمعية رايحة جاية).
عارف ليه أراها مسألة مأساوية.. لأن قلة الدخل أو حتى الفقر في السبعينات، لم تقف دون أن يكون رب الأسرة كريماً مع أهله وغير أهله.
أما الحياة العصرية الحالية فقد علمتنا أن نكون بخلاء جلدة، أو كالمرابي (شايلوك) نحسبها بحسبة المصلحة والمكسب والخسارة ولو كن اللحم والدم!
فلماذا تنفق فيما لا يعود عليك بنفع سريع ومباشر؟!
ومنذ متى لم يطرق بابك أحد غير البواب أو صبى المكوجي أو محصل الفواتير أو عامل الدليفري؟!

صور حية من تلك الأزمنة
هل يزورك أصدقاؤك؟.. زملاؤك؟.. جيرانك؟.. بل: هل يزورك ابن عمك أو خالك أو يعدى عليك من غير موعد لمجرد أنه كان يمر بالصدفة، فوجد نفسه قريباً منه ليشرب معك في البلكونة كوباية الشاي مع حتة الكيك!
(حتى البلكونات صارت خاوية وكأن أهلها هجروا مساكنهم!).
وماذا لو فعلها أحد أقاربك فجأة؟!
ده إيه ده؟!.. هو معندوش ذوق؟!
حد ييجي كده من غير معاد ولا تليفون؟!
لكن مثل هذه الأسئلة لم يكن أحد يسألها أيام حسين أفندى والست زينب.. كان الناس في تلك الأزمنة وما بعدها بقليل في غالب طبقات المجتع، يطربون إذا دقت أجراس أبوابهم ويفرحون بمن يأتيهم ولو على غير موعد، لم يكن هناك من يفعلون ما نفعله الآن إلا على سبيل الاستثناء، وكانوا يقابلون من بقية المجتمع بالسخرية والاستنكار والاتهامات بالبخل والشح ويوصفون بالنتانة!
ما رأيك الآن هل ترى نفسك بعيداً عن هذه الاتهامات؟!
إن أفلامًا مثل فيلم (الحفيد) في حقيقتها بجانب مهمتها الفنية والترويحية، تؤرخ لزمنها بتسجيل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية، وتنقل لنا صوراً حية من تلك الأزمنة، ولعلها تذكرنا بما وصلنا إليه، ليس فقط بعقد مقارنات بين الدخول وقيمة الجنيه المصري وقتذاك ولا مستويات الأسعار، مع ما تصوره من بساطة الحياة، دون ان تتجاهل المعاناة التى كان يكابدها الناس.
ولكن يمكن من خلالها أن تقارن أيضاً بين طبائع الناس وأخلاقهم وسماحتهم وكرمهم برغم صعوبات الحياة التى لم تقتل أرواحهم ولا أعدمتهم مروءتهم ولا أنستهم قيمهم التى عاش عليها كل حسين يعيش مع كل زينب في انتظار (الحفيد)!