


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
خارج زحمة الموسم الرمضاني لعام 2026، جاء مسلسل (ممكن) ليمثل محطة فنية حظيت بجدل واسع ونسب مشاهدة مرتفعة على منصة (شاهد) عبر العمل الذي امتد على مدار 21 حلقة، بحيث شذّ عن القوالب التقليدية للدراما العربية (10 حلقات أو 15 حلقة أو 30 حلقة)، في محاولة بدا أنها تتوخى الرشاقة الدرامية وتجنب الحشو اللسائد في معظم مسلسلاتنا الحالية.
قدم (ممكن) تجربة درامية تستحق التقدير لأنها تراهن على الإنسان قبل الحدث، وعلى التحليل النفسي قبل الإثارة السطحية، ومع ذلك لا يخلو العمل من عيوب تتعلق بالإيقاع وبعض الاختيارات الدرامية، لكنه ينجح في بناء عالم درامي متماسك نسبيًا، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود القصة إلى تأملات أوسع في المسؤولية والاختيار والمصير عبر سير الأحداث المشوقة.
اعتمد مسلسل (ممكن) على البنية السردية وثنائية (الماضي المشوه)، ومن هنا تتمحور حبكة المسلسل حول شخصيتين مثقلتين بالندوب النفسية: (زياد/ ظافر العابدين)، طبيب جراحة القلب الذي يعيش عزلة اختيارية وإحساساً دافئاً بالذنب بعد فقدان طفل على طاولة العمليات، ونور أو ميراج/ نادين نسيب نجيم)، مصممة الأزياء التي تعيش حياة مزدوجة نتيجة ماضٍ من الخداع وسلب الحرية في كثير من المواقف.
وبقراءة متأنية لمسلسل (ممكن) سنجد أن الرهان الحقيقي لأي دراما سيكولوجية لا يكمن في (غرابة) الحدث، بل في (حتمية) تطوره منطقيا، ومن هنا انطلق النص (تأليف مجدي أمين ومنى الشيمي) من نقطة جاذبة: الاتفاق الجريء الذي يجمع الطرفين ويضعهما في مواجهة اضطرارية تحفز على المشاهدة.
ورغم أن هذا التمهيد يمتلك مقومات التشويق، إلا أن السيرورة الدرامية عانت في ثناياها من ترهل في الخطوط الثانوية (مثل شخصية (ملك) التي لعبتها زينة مكي، أو صراعات (مازن) الذي جسده آلان سعادة)، فتداخل هذه الخطوط بدا أحياناً كأنه يُقحم لإطالة أمد الأحداث حتى الوصول للحلقة 21، بدلاً من أن يكون خادماً للخط التصاعدي الرئيسي بين نور وزياد على مدار الأحداث.


ثنائية تختبر كيمياء فنية جديدة
على مستوى الأداء التمثيلي: تأرجح الدراما في (ممكن) بين النضج السيكولوجي والنمطية التجارية، فيقدم العمل ثنائية لافتة تختبر كيمياء فنية جديدة بين (نادين نجيم وظافر العابدين) بطلي المسلسل.
نجح الثنائي في تقديم علاقة درامية تقوم على التوازن بين الانفعال والهدوء، وبين الصراع الداخلي والتعبير الخارجي، بعيدًا عن الأداء المبالغ فيه الذي يقع فيه كثير من أبطال الدراما الرومانسية والاجتماعية التي نفتقدها حاليا.
قدّمت (نادين نسيب نجيم) شخصية مركبة، اعتمدت فيها على التفاصيل الدقيقة أكثر من الاعتماد على الانفعالات الصاخبة. فقد استطاعت أن تنقل للمشاهد التحولات النفسية التي تمر بها الشخصية من خلال نظراتها، ولغة الجسد، ونبرة الصوت، والحركات والسكنات المحسوبة بدقة متناهية.
وهو ما منح الشخصية صدقا إنسانيا جعل المتلقي يتعاطف معها حتى في لحظات ضعفها أو أخطائها، كما حافظت على إيقاع تمثيلي متوازن، فلم تنجرف إلى الميلودراما، بل تركت للمشاهد مساحة لقراءة مشاعر الشخصية بنفسه وبسهولة واضحة.
أما (ظافر العابدين)، فقد أكد مرة أخرى قدرته على تقديم الشخصيات التي تعتمد على العمق النفسي أكثر من الاستعراض التمثيلي. اتسم أداؤه بالهدوء والثقة، مع قدرة واضحة على التعبير عن الصراع الداخلي بأقل قدر من الحوار وبلهجة لبنانية متقنة للغاية.
ونجح في تجسيد شخصية تحمل تناقضات إنسانية، فبدت قراراتها مفهومة حتى عندما كانت مثيرة للجدل، وهو ما يعكس فهما جيدا لأبعاد الشخصية وجعلها من لحم ودم، وليس مجرد أداء للنص المكتوب حرفيا.
وجاءت الكيمياء بين (نادين وظافر) في مسلسل (ممكن) من أبرز نقاط نجاح العمل؛ إذ بدا التفاعل بينهما طبيعيًا ومقنعًا، سواء في لحظات التقارب العاطفي أو في مشاهد الخلاف والتوتر، ولم تعتمد هذه الكيمياء على الحوارات الرومانسية وحدها، بل ظهرت أيضًا في الصمت، ونظرات العيون، وطريقة تبادل ردود الفعل، وهو ما منح العلاقة الدرامية عمقًا وواقعية كما جاء في تماهيهما الصادق.
في المقابل، برزت أسماء في الأدوار المساعدة صبّت في مصلحة الواقعية النفسية، كأداء أنجو ريحان (سلمى) وآلان سعادة الذي قدم شخصية (مازن) بوجه شرير تصاعدي، وصولاً إلى تدبير الحوادث، مما منحه حضوراً دراميا حادا في سياق أحداث تميل إلى العنف والتعقيدات النفسية الحادة.


توظيف مواقع التصوير والديكورات
امتلك مخرج مسلسل (ممكن) أمين درة عيناً سينمائية لا تخطئها العين على رؤية بصرية تميل إلى الهدوء والواقعية، مبتعدًا عن المبالغة في استخدام الحركات الاستعراضية للكاميرا أو المؤثرات البصرية التي قد تصرف انتباه المشاهد عن جوهر الحكاية الحقيقية.
وانحازت الرؤية الإخراجية إلى الشخصيات بوصفها المحرك الأساسي للأحداث، فجاءت الكاميرا قريبة من الوجوه في اللحظات المفصلية، لتلتقط الانفعالات الدقيقة وتعكس الصراعات النفسية التي يمر بها الأبطال عبر الأحداث المشحونة بالإثارة والتشويق.
ونجح (درة) في إدارة إيقاع العديد من المشاهد الحوارية، حيث منح الممثلين المساحة الكافية للتعبير عن مشاعرهم دون استعجال، وهو ما أضفى على العلاقات الدرامية قدرا من المصداقية، كما أحسن توظيف مواقع التصوير والديكورات لتصبح جزءًا من الحالة الدرامية، لا مجرد خلفية للأحداث، مع عناية واضحة بتكوين الكادر وتوازن العناصر داخل الصورة المرئية على الشاشة.
وعلى مستوى اللغة البصرية، اتسمت اللقطات بالبساطة والاتساق، مع استخدام مدروس للإضاءة والألوان بما يخدم التحولات النفسية للشخصيات، وأسهم هذا التوظيف في خلق أجواء تتناسب مع طبيعة العمل، خاصة في المشاهد التي تعتمد على التوتر أو المواجهات العاطفية المطعمة بالغضب.
في المجمل، قدم الإخراج رؤية متماسكة احترمت طبيعة النص وأعطت الأولوية للممثلين وللتفاصيل الإنسانية، وهو ما أسهم في بناء عالم درامي مقنع، حتى وإن كان يحتاج في بعض المواضع إلى مزيد من التكثيف والابتكار البصري في بعض المواقف الدرامية.
انطلق مسلسل (ممكن) من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادًا فلسفية ونفسية عميقة، وهي أن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما يخطط له الإنسان، وأن الاحتمالات قد تغير المصائر في لحظة واحدة، لذلك يركز العمل على تأثير القرارات الفردية، وكيف يمكن لخيار يبدو عابرًا أن يعيد تشكيل العلاقات والمستقبل.
نجح السيناريو في تحويل هذه الفكرة إلى سلسلة من المواقف الإنسانية التي تطرح أسئلة حول المسؤولية، والندم، والفرص الثانية، والقدرة على إصلاح الأخطاء، وهذه الرسائل جاءت في أغلب الأحيان من خلال الحدث نفسه، لا عبر الخطب المباشرة، وهو ما منح العمل قدرًا من النضج.


الحفاظ على عنصر التشويق
لكن في بعض المحطات، بدت الرغبة في توصيل الرسالة أقوى من الحاجة إلى تطور الأحداث، فظهرت بعض المشاهد وكأنها مكتوبة لخدمة الفكرة أكثر من خدمتها للشخصيات، مما أضعف الإحساس بالعفوية.
اعتمد بناء الحبكة على تصاعد تدريجي للأحداث، حيث تبدأ القصة بإيقاع هادئ قبل أن تدخل في شبكة من الصراعات المتشابكة، ويحسب للسيناريو أنه تجنب الكشف المبكر عن كثير من التفاصيل، وهو ما حافظ على عنصر التشويق.
كما نجح الكاتب في توزيع نقاط التحول الرئيسية بصورة تمنح كل مرحلة من مراحل العمل هدفًا دراميًا واضحًا، فلم يشعر المشاهد بأن الأحداث تتحرك عشوائيًا.
غير أن السيناريو وقع أحيانًا في مشكلة التكرار، إذ أعادت بعض الحلقات طرح الصراع نفسه بصيغ مختلفة دون إضافة درامية حقيقية، وهو ما أثر على الإيقاع العام، خاصة في منتصف العمل، كذلك بدت بعض الحلول الدرامية أكثر سهولة مما ينبغي، وكأنها جاءت لتقريب النهاية، لا كنتيجة طبيعية لتطور الشخصيات.
تميز الحوار بالبساطة والابتعاد عن التكلف، وهو ما جعل الشخصيات تبدو قريبة من الواقع. كما أن كثيرًا من الجمل جاءت معبرة عن الحالة النفسية دون مبالغة في الشرح.
في المقابل، ظهرت بعض المشاهد التي اعتمدت على الحوار المطول في شرح ما يدركه المشاهد بالفعل، وهو ما أبطأ الإيقاع وأضعف مبدأ “الصورة قبل الكلمة” الذي يعد من أهم قواعد الكتابة البصرية.
جاءت عناصر الديكور منسجمة مع البيئة الدرامية، دون مبالغة في الفخامة أو افتعال البساطة، كما ساعدت الملابس في التعبير عن الخلفية الاجتماعية والنفسية للشخصيات، وهذه التفاصيل الصغيرة أسهمت في بناء عالم مقنع، يشعر المشاهد بأنه قريب من الواقع المعاش.
وظفت الموسيقى بصورة متوازنة، فلم تتحول إلى عنصر يفرض نفسه على المشهد، بل جاءت داعمة للحالة الدرامية، واعتمد المؤلف الموسيقي على جمل هادئة في معظم الأحيان، وهو اختيار مناسب لطبيعة الأحداث، إلا أن بعض اللحظات الانفعالية كانت تحتاج إلى تنويع موسيقي أكبر، يمنحها تأثيرًا عاطفيًا أعمق اكثر يبعث على الشجن.
تميز المونتاج بالسلاسة في الانتقال بين المشاهد، مع قدرة على الحفاظ على الترابط الزمني، لكن إيقاع بعض الحلقات شهد بطئًا ملحوظًا، نتيجة تكرار بعض المواقف أو إطالة مشاهد كان يمكن اختصارها دون الإضرار بالبناء الدرامي الذي حاول صناع العمل إيصاله لنا.


تحفة فنية بصريا
أستطيع القول بأن مسلسل (ممكن) بصريا يعد تحفة فنية من حيث إدارة الإضاءة، اختيار زوايا التصوير التي تعكس العزلة، والتكوينات البصرية داخل بيوت بيروت ومواقعها الليلية.. الهوية اللبنانية للعمل لم تكن مجرد ديكور، بل كانت جداراً حياً يتنفس مع الأحداث طوال الوقت.
لكن المأخذ النقدي الأساسي يكمن في المبالغة الجمالية؛ فالكادرات شديدة الأناقة، وتتابع المشاهد المصنوعة ببطء شاعري، أحدثت فجوة بين (إيقاع الصورة، وإيقاع الحدث)، في الحلقة 18 – على سبيل المثال – ورغم ما حملته من مفاجآت صادمة كالحادث المدبَّر لوائل وبراءة زياد، وغيرها من مواقف كانت تحتاج لإتقان أكثر.
إلا أن التناول الإخراجي مال لتهدئة الإيقاع لإبراز المشاعر على حساب وتيرة الإثارة والتصاعد المنطقي، مما جعل بعض التحولات تبدو مفاجئة ومفتعلة نصياً وليست ممهدة درامياً.
ومع كل ما مضى يحسب لشركة الإنتاج سيدرز آرت برودكشن (صباح إخوان) في هذا العمل رهانها على إعادة الاعتبار للدراما اللبنانية المحلية ذات الطابع الإقليمي، بدلاً من تذويب الهويات في قوالب (المشترك الهجين) الذي ساد لسنوات، فالبيئة، اللهجة، والهموم الاجتماعية المطروحة بدت نابعة من عمق بقعة جغرافية محددة، وهو ما منح العمل مصداقية افتقدتها مشاريع أخرى سابقة للنجمين.
ولابد لي من القول: أن مسلسل (ممكن) يعد خطوة شجاعة في الخروج من عباءة المواسم التقليدية، وتقديم وجبة درامية ترتكز على عمق سيكولوجي واضح، فقد نجح العمل في تقديم ثنائية بصرية وتمثيلية جاذبة (نجيم – العابدين)، وحقق تميزاً إخراجياً مبهرا إلى حد كبير.
وفي هذا السياق يأتي مسلسل (ممكن) بوصفه تجربة درامية تحاول استكشاف المناطق الرمادية في النفس البشرية، من خلال شخصيات تواجه اختبارات قاسية، وأسئلة أخلاقية لا تمتلك إجابات سهلة، فالعمل لا يكتفي بسرد حكاية تقليدية، بل يسعى إلى بناء عالم درامي يقوم على فكرة الاحتمالات؛ ماذا يمكن أن يحدث إذا تغير قرار واحد؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يواجه نتائج اختياراته؟
ورغم أن العمل يحقق قدرا من الجاذبية الدرامية، فإنه يظل نموذجا لمسلسل يمتلك نقاط قوة واضحة، تقابلها بعض الملاحظات الفنية التي حالت دون وصوله إلى مستوى أكثر اكتمالًا، ومن هنا تأتي أهمية قراءة عناصره الفنية بصورة متوازنة، بعيدًا عن الانبهار أو القسوة في الحكم.
وفي النهاية، يمكن اعتبار (ممكن) عملًا يثبت أن الدراما لا تحتاج دائمًا إلى الصخب حتى تترك أثرًا، بل يكفيها أن تمتلك فكرة صادقة، وشخصيات مقنعة، ورؤية فنية تحترم عقل المشاهد. ورغم وجود بعض الملاحظات التي كان من الممكن معالجتها، فإن المسلسل يظل تجربة جديرة بالنقاش والملاحظة.
ويؤكد أن الأعمال التي تعتمد على البناء النفسي والإنساني قادرة على جذب الجمهور عندما تُقدم بحرفية، وهو ما يجعل (ممكن) واحدًا من الأعمال التي تستحق التوقف عندها نقديًا، ليس بوصفه عملًا كاملًا، بل بوصفه تجربة درامية تمتلك طموحا فنيا واضحًا، وتفتح الباب أمام مزيد من التطوير في هذا النوع من الدراما الناضجة بعيدا عن اللجوء للفورمات.