رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
بصراحة أرى أن مسلسل (ليل) جاء في سياق يستغفل الجمهور
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

على الرغم من بدايته التي كانت تبشر بأنه مسلسل سوف يصيبنا بمتعة الإثارة والتشويق، إلا أنني استكملت مشاهدة 70 حلقة من مسلسل (ليل) على مضض، وذلك لأن الأحداث تدور في حلقة مفرغة، وببطئ شديد، فهناك فرق بين (الهدوء الدرامي) وبين (الفراغ).. مسلسل (ليل) يعاني من تمطيط الحلقات بشكل مستفز، حيث يتم استهلاك دقائق طويلة في صمت، نظرات متبادلة، أو حوارات دائرية لا تدفع بالحبكة خطوة واحدة للأمام.

هذا الأسلوب الدرامي أشعر الجمهور بأن وقته غير محترم، وأن القصة التي يمكن روايتها في 10 حلقات، تم (حشوها) لتصل إلى 30 على الأكثر، لكن صناع (ليل) أصروا على أن يكون (90) حلقة بالتمام والكمال، كنوع من العقاب لنا، كان يمكن أن ينتهي المسلسل بنهاية الحلقة 60 على الأكثر – بموت (نورس) – الذي يمثل العقدة في الحبكة الدرامية.

المشكلة الكبرى في مسلسل (ليل) أنه وقع في فخ (التعليب الدرامي)، حتى يبدو أن المسلسل وكأنه تجميع لمشاهد من أعمال عالمية أو تركية ناجحة، دون محاولة لصبغها بروح محلية أو واقعية، هذا الاستنساخ جعل المشاهد بالضروة يشعر بأنه أمام عمل (مصطنع) يفتقر للأصالة، وكأن الهدف هو ملء وقت الشاشة لا تقديم قصة حقيقية تعتمد على الإثارة والتشويق في مثل تلك المسلسلات الطويلة.

بصراحة أرى أن مسلسل (ليل) جاء في سياق يستغفل الجمهور، ومن ثم يتطلب الوقوف عند فجوة عميقة بين ما وعد به العمل وبين ما قُدم بالفعل.. عندما يقال إن المسلسل (يستغفل الجمهور) فهذا نابع من شعور المشاهد بأن صناع العمل راهنوا على (الصورة) و(الأسماء) وتجاهلوا جوهر الدراما التي تعنى بالمنطق والسيناريو.

فعلا يستغفل مسلسل (ليل) ذكاء المشاهد، عندما يقدم صدفا غير منطقية أو تحولات في الشخصيات تفتقر للبناء الدرامي السليم.. تصرفات غير مبررة: أبطال يتصرفون بعكس طبيعتهم فجأة لخدمة مشهد (أكشن) أو (رومانسية).

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
لايعقل أن يسقط (نجم) على الأرض بعد إطلاق الرصاص عليه كي يردى قتيلا، وفجأة يعود من الموت

(الاستغفال) غيب العواقب

فعلى سبيل المثال: لايعقل أن يسقط (نجم) على الأرض بعد إطلاق الرصاص عليه كي يردى قتيلا، وفجأة يعود من الموت وكأن شيئا لم يكن، والأنكى من ذلك أنه يذهب لإنقاذ (ورد) من قلب بيت (نورس) بسهولة تستغفلنا بسذاجة منقطعة النظير.. ما هذا العبث؟!

وفي إطار عبث هذا (الاستغفال) غابت العواقب: ارتكاب جرائم أو أخطاء كبرى تمر دون أدنى مساءلة منطقية داخل عالم المسلسل، مما يفقد القصة جديتها، ومن أكثر الأخطاء في غياب المنطق بتعلق (باسم) بحب (ورد) وتحديه لحبيبها (نجم) توأم روحه وشريكه في الحياة.

وأستطيع القول بأن عملية (استغفال الجمهور) هى من أصعب السقطات التي يمكن أن يقع فيها أي عمل درامي، ويبدو أن مسلسل (ليل) قد وقع في هذا الفخ بشكل أثار حفيظة المتابعين والنقاد على حد سواء في تكرار مواقف غير منطقية.

ياسادة: الجمهور العربي اليوم لم يعد مجرد متلقٍ سلبي؛ بل أصبح يملك من الوعي البصري والدرامي ما يجعله يكتشف الثغرات في ثوانٍ معدودة، ولعل أكبر مظهر من مظاهر (استغفال) الجمهور في المسلسل يكمن في البناء الدرامي المتهلهل، ويبرز في اعتماد العمل على الصدف غير المقنعة لتسيير الأحداث.

لجأ سيناريو (ليل) لما يسمى بالحلول السحرية: فعندما تقع الشخصيات في مأزق، لا يتم حل العقدة بذكاء أو بتطور منطقي، بل تتدخل (يد الكاتب) فجأة لتنقذ الموقف بحلول طفولية (مثل العثور على دليل إدانة ملقى في الشارع، أو اعتراف مفاجئ غير مبرر).

أضف إلى ذلك غياب المبرر الدرامي بحيث تتحول بعض الشخصيات من أقصى الشر إلى أقصى الخير، أو العكس، في غضون حلقة واحدة دون تمهيد نفسي كاف، وكأن المشاهد لن يلاحظ هذا التناقض الصارخ من تلقاء نفسه.

يعاني مسلسل (ليل) من أزمة (الهيكل)، فالقصة تفتقر إلى محرك أساسي قوي يجعل المشاهد يشعر بضرورة المتابعة، وهو ما أدى بالضرورة إلى الترهل الزمني، بحيث اعتمد النص على سياسة (النفس الطويل) دون مبرر درامي، مما أدى إلى غرق الأحداث في تفاصيل هامشية لا تخدم الحبكة الرئيسية.

ناهيك عن الحوار الإنشائي، فبدلا من الحوار الذي يكشف الشخصية أو يدفع الحدث، نجد حوارات (خطابية) مموجة تعتمد على الكليشيهات العاطفية التي استهلكت في الدراما الرومانسية الكلاسيكية التي شاهدناها من قبل.

فقد اعتمد كاتب السيناريو على رسم الشخصيات (بين التسطيح والمبالغة)، فالشخصيات في (ليل) تبدو وكأنها تتحرك في فراغ اجتماعي، فالبطل/ البطلة، أو الشخصيات الرئيسية تفتقر إلى (الدوافع) الواضحة.. نرى ردود أفعال مبالغا فيها تجاه مواقف بسيطة، بينما يتم تجاهل أحداث كبرى وكأنها لم تكن.

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
لا يمكن إنكار أن المسلسل قدم صورة بصرية مبهرة، وأداء معقولا رغم الانفعال والتشنج والصوت العالي

الإفراط في الكادرات الجمالية

وتبدو لي الشخصيات الثانوية تظهر فقط لتكون (أداة) لتحريك البطل، دون أن يكون لها تاريخ أو أبعاد نفسية تجعلنا نهتم بمصيرها في سياق أحداث تتسم بالملل والرتابة في جلها.

لا يمكن إنكار أن المسلسل قدم صورة بصرية مبهرة، وأداء معقولا رغم الانفعال والتشنج والصوت العالي في أحايين كثيرة، لكن تلك الصورة وقعت في فخ (الفيديو كليب) من جانب المخرج الذي عمد إلى الإفراط في الكادرات الجمالية، نعم انشغل الإخراج بجمال الموقع (Location)  وتناسق الألوان أكثر من انشغاله بنقل الإحساس الداخلي للممثل.

الموسيقى التصويرية كانت حاضرة بقوة، لدرجة أنها أحيانا كانت تحاول (فرض) مشاعر معينة على المشاهد (الحزن أو الحماس) في مشاهد لا تستحق ذلك دراميا، مما خلق حالة من الانفصال بين ما نراه وما نسمعه طوال الحلقات.

أثبت المخرج أننا نعيش الآن عصر (ديكتاتورية الصورة) في الدراما.. ليؤكد فكرة أن المخرج لم يعد (حكواتياً) بالصورة، بل صار مهندس ديكور يسعى خلف الكادر المثالي الذي يصلح للنشر على (إنستجرام)، متناسياً أن الدراما في جوهرها هى صراع إنساني وليست مجرد إضاءة خافتة وألوان متناسقة.

في المسلسلات الحديثة مثل (ليل) وغيرها، نرى البيوت دائما مرتبة بشكل مثالي، والممثلين يستيقظون من النوم بكامل أناقتهم، ولعل هذا النوع من التعقيم البصري للكادر يقتل الواقعية؛ فالمشاهد لا يرى نفسه في هذه الشخصيات، بل يرى (موديلز) في بيئة افتراضية، مما يخلق حاجزا نفسيا يمنع الاندماج العاطفي مع المعاناة المفترضة للأبطال في ذهابهم وإيابهم.

ولهذا بدت الصورة في (ليل) كمسكن لآلام النص، ما يشير إلى عندما يدرك المنتج أن النص ضعيف والحوار ركيك، فإنه يلجأ إلى ما يسمى بـ (الإبهار التعويضي)، مستندا إلى أن الفكرة هى: (إذا لم نتمكن من إقناعهم بالقصة، فلنُبهرهم بالصورة)، لذا يتم صرف ميزانيات ضخمة على الكاميرات الحديثة والعدسات السينمائية التي لها سحرها في الإبهار.

ومن هنا نرى أن المخرج فشل في قراءة العمق، يلجأ دوماً إلى (تجميل السطح)، لذا نرى إفراطا في تصوير القصور، السيارات الفارهة، والمناظر الطبيعية الخلابة (حتى لو كانت لا تخدم السياق الدرامي).. هذا النوع من الإخراج  يسمى أحياناً (الإخراج السياحي)، وهو أسهل بكثير من محاولة إخراج أداء تمثيلي معقد وصادق من الممثل.

ويرجع السبب في هذا الفشل إلى أن المخرجين الجدد أصبحوا يتنافسون على (اللقطات الجمالية التي يتم اقتطاعها وتداولها كـ (مقاطع قصيرة) عبر ( (Reels/TikToks، هذا الاهتمام بالجزء على حساب الكل جعل المسلسل يبدو وكأنه مجموعة من اللوحات المنفصلة، لا نسيجا دراميا متصلا، ما يعني غياب (اللغة السينمائية) الحقيقية.

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
ليس هجوما لمجرد الهجوم، بل هو صرخة من جمهور سئم من اعتبار (الإبهار البصري) بديلا عن (جودة الكتابة)

الإبهار البصري) بديلا لجودة الكتابة

هناك فرق شاسع بين (جمال الصورة) وبين (التعبير بالصورة، الجمال: أن تصور مشهداً في غروب الشمس لأنه جميل، التعبير: أن تستخدم الظل والضوء لتعكس صراعاً داخلياً تعيشه الشخصية.. في الأعمال الأخيرة والطويلة إلى حد ما – ومنها (ليل) – نجد (جمالاً) فائضاً عن الحاجة، و(تعبيراً) فقيراً جداً.

نقدي الموجه لمسلسل (ليل) ليس هجوما لمجرد الهجوم، بل هو صرخة من جمهور سئم من اعتبار (الإبهار البصري) بديلا عن (جودة الكتابة).. استغفال الجمهور يكمن في الظن بأن المشاهد سيكتفي بمتابعة النجوم المفضلين لديه وهم يتحركون في إطارات جميلة دون أن يسأل: “لماذا يفعلون ذلك؟ وما هى الجدوى من هذه القصة؟

ملاحظة نقدية: العمل الذي يراهن على (الشكل) فقط، ينتهي بمجرد انتصاف حلقاته، بينما العمل الذي يحترم عقل الجمهور بـ (مضمونه) هو الذي يبقى في الذاكرة.

وبدلا من تقديم فكرة مبتكرة تليق باسم العمل، جاء مسلسل (ليل) كخلطة مكررة من أعمال سابقة (سواء عربية أو عالمية)، ومن هنا يبدو لي أنه ليس العيب في اقتباس التيمات المعروفة، ولكن العيب يكمن في (نحت) المشاهد بحذافيرها دون مراعاة لخصوصية البيئة والواقع الذي يناقشه العمل، مما أشعر المشاهد بأنه يرى نسخة مشوهة ومكررة من أشياء شاهدها قبل سنوات.

ويبدو ملحوظا أن فوضى الإخراج والتركيز على (الشو) البصري على حساب العمق الدرامي، في مسلسل (ليل) بدا واضحاً أن المخرج مهتم بـ (الفورمات) البصرية والصور المبهرة أكثر من اهتمامه بتوجيه الممثلين أو ضبط إيقاع المشهد:

ولقد لاحظت والجمهور أيضا أخطاء (الراكور) الكارثية، فمن غير المقبول في عصر الجودة العالية أن يرى المشاهد تبدلاً في ملابس الممثل، أو تغير درجة الإضاءة، أو حتى ظهور معدات التصوير في نفس المشهد المتصل.. هذه التفاصيل تعكس استهتارا واضحاً من فريق العمل بوعي المشاهد وقوة ملاحظته.

مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
صباح جزائري
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
جو طراد
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
الطقلة روسيل زينب زعيتر
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
حلا رجب
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
سعيد سرحان
مسلسل (ليل) وقع في فخ (استغفال) المشاهد، وأهدر طاقة ممثليه بإخراج ساذج
إليان خوند

الصرخة التي ليس لها صدى

الاستعراض البصري الفارغ: كادرات سينمائية جميلة، وحركة كاميرا معقدة، لكنها جوفاء ولا تخدم الدراما في شيء؛ مجرد استعراض عضلات إخراجي للتغطية على ضعف النص.

المبالغة والأداء المسرحي، تبدوان واضحتين، في الوقت الذي تتجه فيه الدراما الحديثة نحو الواقعية والبساطة، صدمنا مسلسل (ليل) بأداء تمثيلي يعتمد على الصراخ المستمر والمبالغة في تعابير الوجه لإيصال مشاعر الحزن أو الغضب.

المبالغة في الأداء في (ليل) كانت بمثابة (الصرخة التي ليس لها صدى)، محاولات مستميتة من الممثلين لإثبات أهمية القصة، لكنها في النهاية أكدت للمشاهد أن العمل يفتقر للمصداقية.. فالتمثيل العظيم هو الذي (لا تشعر بأنه تمثيل) أما في (ليل) فكان التمثيل هو البطل الوحيد الصارخ فوق أنقاض القصة المنطقية.

الخلاصة: لقد سقط المسلسل في فخ (الأناقة القاتلة)، فمن فرط الاهتمام بأن يكون كل شيء (نظيفاً، ومرتباً، وجميلاً) فقد العمل (عفويته) و(صدقه)، ومع ذلك هنالك من بعض المشاهد التي تؤكد موهبة بطلي المسلسل (محمود نصر) في انفعال (نجم) وهدوئه في نفس المشهد بحرفية عالية، و(كارمن بصيبص) في تعبيرات وجه (ورد) وتأجج مشاعرها وأحاسيسها المرهفة في بعض المشاهد الرومانسية التي تربطها بـ (نجم).

وشيئا من هذا القبيل في أداء الطفلة (روسيل زينب زعيتر)، التي أدت دور (ملاك) بعفوية واحترافية تحسد عليها، (جو طراد) في شر (نورس) المطلق، العضيمة (صباح جزائري) في حنو الأم الحاضنة، (حلا رجب) في تحولات أدائها المذهل، (ريم نصر الدين) في احتمالها رغم الإعاقة، (سعيد سرحان) في دور المغلوب على أمره، (فادي أبو سمرة) في حقده المدروس بعناية، إليان خوند) التي أعتبرها مفاجأة المسلسل رغم تأخر ظهورها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.