عدّى النهار.. قانون (يونيو) لعبور المحن


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
حين يُطلّ (يونيو) من كل عام، يرتفع صوتٌ قديم لا يُحسن إلا الرثاء على الأطلال.. صوتٌ يحوّل ذكرى النكسة إلى ليلٍ سرمديّ لا فجر له، ويبذر الخوف مكان الرجاء، واليأس بدل الأمل.. رسالته مكشوفة: إن خذلك الوطن مرة فالعنه ألف مرة، وإن هزمك عدوك مرة فاستسلم له كي لا يهزمك ثانية.
غير أن هذا الصوت يغفل عن حقيقة راسخة: إن الفن لم يُخلَق ليكون جلّاداً في لحظة الانكسار.. ليس من شأن الفنان أن ينصب أعواد المشانق حين يئنّ الوطن.. إنّما شأنه أن يضمد الجرح قبل أن ينزف، وأن يكون يداً حانية لا خنجراً يُمعن في النزيف، وأن يكتب روشتة العلاج لا قرار الإحالة.
ومن يتصفّح التاريخ متجرّداً من الهوى، باحثاً عن الحقيقة، يُدرك أن في عتمة ليل القاهرة على مر التاريخ ضوءاً عنيداً يأبى الانطفاء، وإرادة مصارع جريح تأبى أن تُسلّم الروح لليأس، وتُصرّ على أن تنهض ولو زحفاً.. وقد عضدت هذه الإرادة كلمة صدق من فنان بصير، لا يصرخ في الفراغ، بل يهمس في الضمير: لن نستسلم.. فتجلّى ذلك الهمس في أغنية (عدّى النهار) للأبنودي وبليغ وعبد الحليم.
وسرّ خلود هذه الأغنية أنّها لا تُكتب لكسرة (يونيو 1967) وحسب، بل تُصاغ بروح يونيو الرافض.. لا يحفظ الأبنودي اسم نكسة بعينها، بل يحفظ قانون (يونيو) في عبور المحن: أن يسبق الرفض البكاء، وأن تسبق العزيمة الحساب.. لذلك كلّما دهمت الأمة محنة عادت إليه القلوب كما تعود إلى وردة الحياة.

اعتراف إنسانيّ يلامس الوجع
تستهلّ الأغنية باعتراف إنسانيّ يلامس الوجع قبل الفعل: (عدّى النهار.. والمغربية جايّة تتخفّى ورا ضهر الشجر، وعشان نتوه في السكة شالِت من ليالينا القمر).. اعترافٌ كامل بالخسارة، بلا تجميل ولا مواربة.
غير أن الأبنودي لا يقف عند عتبة العويل، بل يحوّل الحرف في اللحظة ذاتها إلى مقاومة: (يا هل ترى الليل الحزين، أبو النجوم الدبلانين، أبو الغناوي المجروحين، يقدر ينسّيها الصباح، أبو شمس بترش الحنين، أبداً.. بلدنا ليل نهار، بتحب موّال النهار).
وهنا تُعلن الأغنية سرّها: نعم، ثمة جرح، ولكن (يونيو) ما كان يوماً شهر الاستسلام لليل الحزين.. (يونيو) في وجدان الأبنودي شهر الخروج للصباح (أبو شمس بترش الحنين).. إنه شهر الاعتراف بالجرح مع رفض تحويله إلى مصير.. إنه شهر القول بأن الليل عارض، والنهار أصل.
ثم تأتي العزيمة فتتحوّل من أمنية إلى خطة عمل: (والليل يلف ورا السواقي زي ما يلف الزمان.. وعلى النغم تحلم بلدنا بالسنابل والكيزان، تحلم ببكرة، واللي حيجيبه معاه، تصحى له من قبل الأذان، تروح تقابله في الغيطان، في المصانع، والمعامل، والمدارس، والساحات).
بهذه الأبيات يهدم الشاعر جدار احتكار المقاومة والبطولة، فالأغنية تُلقي درس (يونيو) على مسامعنا: إن العبور ليس شأن الجيوش وحدها.. (يونيو) شهر التعبئة الشاملة، حيث الفلاح في حقله جندي، والطالب في مقعده مقاوم، والعامل في ورشته مناضل.. يصير الأمل عملاً، والزحف للنور عبادة، وكل الساحات ميادين.
ويختم الأبنودي بعقيدة البقاء: (كل الدروب واخدة بلدنا للنهار، وإحنا بلدنا ليل نهار بتحب موال النهار، لما يعدي في الدروب ويغني قدّام كل دار)، إنها ليست كلمات، إنها عقيدة الأغنية، وهى عقيدة يونيو ذاته: أن الميل الأصيل في هذا الشعب إلى الحياة والعمل والغد، حتى في قلب المحنة.
ولهذا تتربّع (عدّى النهار) على عرش الوجدان، لأنها ببساطة أغنية (يونيو) الرافض، فبعد نكسة الخامس من يونيو 1967، خرج المصريون في التاسع والعاشر من (يونيو) يهدرون في الشوارع رفضاً للهزيمة.

رفضنا الهزيمة، ورفضنا الاستسلام
لم تكن الأغنية قد وُلدت بعد، ولكن روحها كانت تسير في الصدور.. يرفض الشعب أن يُكتب (يونيو) في سفر التاريخ شهر هزيمة فحسب.. فتجيء (عدّى النهار) بعد ذلك لتنطق بما نطقت به الحناجر: رفضنا الهزيمة، ورفضنا الاستسلام.
وفي الثلاثين من (يونيو) 2013، تخرج مصر تهتف بالكلمة عينها التي هتفت بها بعد 1967: (أبداً.. بلدنا ليل نهار بتحب موال النهار).. تختلف النكسة، ويتبدّل الخصم، ولكن تظلّ الأغنية صالحة، لأنها أغنية رفض كل نكسة، لا توثيق لنكسة بعينها.
ها قد انقضت تسع وخمسون سنة على 1967، وثلاث عشرة سنة على 30 يونيو، والنهار ما زال يمضي.. وكلما ألمّت بالأمة أزمة، نعود إلى هذه الأغنية لنتعلّم الدرس الأهم: كيف تحيا الأمم وتنهض؟
ويكون الجواب الذي تردده (عدّى النهار) في كل مرة واحداً: إن النهوض يبدأ بكلمة رفض.. التاريخ لا يخلّد أسماء من اكتفوا بالندب، بل ينقش بحروف النور أسماء من فهموا درس الأغنية: أنّها لم توثّق الانهيار، بل هندست النهوض.
وإنّ هذه الأغنية قد وُلدت في (يونيو) لتذكّر الدنيا كلها بأن يونيو لم يكن يوماً شهر النكسة.. إنما كان شهر الذين قالوا للنكسة: لا.