

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
حين نستمع اليوم إلى حفلة من حفلات (أم كلثوم) يدهشنا الصوت، وتبهرنا الألحان، لكن هناك أمرًا آخر يستحق التأمل بالقدر نفسه: كيف استطاعت هذه الفرقة الكبيرة أن تحافظ على كل هذا التناسق والدقة فى زمن لم تكن النوتة الموسيقية حاضرة فيه أمام كل عازف كما نرى اليوم؟
كان محمد عبده صالح يعرف متى يتقدم القانون، وكان أحمد الحفناوي يعرف متى تقود الكمنجات الجملة الموسيقية، وكان سيد سالم يعرف اللحظة التي يجب أن يتسلل فيها صوت الناي بين الآلات.
عشرات الموسيقيين يعزفون معًا، ينتقلون بين المقامات والإيقاعات والجمل الطويلة، دون ارتباك أو نشاز، وكأن بينهم لغة خفية لا يسمعها أحد غيرهم.
لم يكن الأمر معجزة، لكنه كان نتيجة سنوات طويلة من المعايشة لـ (أم كلثوم)، فهذه الألحان لم تكن تمر عليهم مرورًا عابرًا ؛ كانوا يعيشون معها أيامًا وأسابيع في البروفات، يعيدون الجملة الواحدة مرة بعد مرة حتى تصبح جزءًا من ذاكرتهم.
لم تكن الموسيقى أمام أعينهم على ورقة، بل مستقرة في عقولهم وأصابعهم ووجدانهم.. والأجمل من ذلك أن (أم كلثوم) نفسها لم تكن تغني الأغنية بالطريقة ذاتها في كل حفل؛ كانت لحظة الطرب قد تدفعها إلى إعادة بيت أو مقطع أكثر من مرة، وقد تطيل جملة أو تؤخر أخرى استجابة لتفاعل الجمهور.
ومع ذلك كانت الفرقة تظل معها خطوة بخطوة، تلتقط إشاراتها وتفهم مقاصدها كأن بين الجميع حوارًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.. هذا المستوى من الانسجام لا تصنعه البروفات وحدها، مهما طالت.


لقد أحبوا ما يفعلون
فى البروفة تعلم العازف ماذا يفعل، لكنها لا تخلق ذلك الشعور العميق بالانتماء إلى العمل؛ الذي صنع هذه الحالة النادرة هو أن أفراد الفرقة لم يكونوا يتعاملون مع ما يقدمونه باعتباره مهمة تنتهي بانتهاء الحفل، بل باعتباره جزءًا من حياتهم.. لقد أحبوا ما يفعلون، وأحبوا (أم كلثوم) المرأة التي وقفت في قلب هذا المشروع.
أحبوا جديتها، واحترامها للفن، وإصرارها على أن تخرج الأغنية بأفضل صورة ممكنة؛ ورأوا فيها فنانة تمنح عملها عمرها كله تقريبًا، فبادلوها الإخلاص نفسه.
الحماس معدٍ، كما أن النجاح معدٍ؛ ومع السنوات تحولت الفرقة إلى ما هو أكثر من مجموعة موسيقيين يجلسون خلف مطربة عظيمة.. أصبحت جماعة من الفنانين تجمعهم ذاكرة واحدة، ويقودهم حلم واحد، ويشعر كل فرد منهم أن نجاح الأغنية نجاح له هو أيضًا.
ولهذا لم تكن النوتة هي التي تجمعهم داخل اللحن، بل المعرفة العميقة به.. ولم تكن الورقة هي التي تقودهم، بل الأذن والذاكرة والثقة المتبادلة.. كانت الموسيقى تسكنهم جميعًا، ولهذا خرجت بهذا القدر المدهش من التماسك والجمال. وربما هنا يكمن سر تلك التجربة الفريدة.
فالألحان العظيمة يمكن أن تُكتب، والمهارة يمكن أن تُكتسب، أما ذلك الانسجام الإنساني النادر الذي جعل عشرات الموسيقيين يتنفسون الموسيقى كأنهم شخص واحد، فلا تصنعه النوتة وحدها.. يصنعه الحب., وبالحب وحده.. كانت (أم كلثوم) غالية عليهم.