(أربعتاشر).. سامح علاء يعود إلى تورنتو بحكاية أبٍ غائب وابنٍ لم يعد ينتظره

كتب: مروان محمد
هناك أفلام تبدأ من حدث كبير، وأخرى تبدأ من سؤال صغير لا يبدو للوهلة الأولى صالحًا لصناعة فيلم كامل، لكن السينما الحقيقية تعرف كيف تجعل من التفاصيل اليومية أبوابًا إلى أسئلة أكبر بكثير من الحكاية نفسها، وهكذا يبدو فيلم (أربعتاشر) للمخرج المصري سامح علاء.
فيلم (أربعتاشر).. حكاية تبدأ بعودة أب إلى منزله بعد غياب طويل، لكنها سرعان ما تتحول إلى تأمل في معنى الأسرة، والذاكرة، والوقت الضائع، والعلاقات التي لا يكفي الحب وحده لإعادتها إلى ما كانت عليه.
فالفيلم المصري (أربعتاشر) اختاره مهرجان تورنتو السينمائي الدولي للمشاركة في مسابقة Platform الرسمية ضمن فعاليات دورته الـ51، التي تقام خلال الفترة من 10 إلى 20 سبتمبر 2026، ليضع تجربة مصرية جديدة أمام جمهور ونقاد أحد أهم المهرجانات السينمائية العالمية.
واللافت أن هذه المشاركة ليست الأولى لسامح علاء في تورنتو، وإنما تأتي بعد مشاركته السابقة بفيلم (خمستاشر)، وكأن المخرج يعود إلى المكان نفسه برقم مختلف وحكاية أخرى، لكنه يواصل في العمق مشروعه السينمائي القائم على تفكيك الإنسان من الداخل.
أب يعود.. لكن البيت لم يعد ينتظره.. في خمسينات القرن الماضي، يعود (إبراهيم) إلى بيته بعد غياب طويل.. الجملة تبدو بسيطة، لكن خلفها عالم كامل من الأسئلة.. ماذا يعني أن يعود الأب بعد أن تتعلم الأسرة الحياة من دونه؟.. هل يظل البيت كما تركه؟. هل يحتفظ الابن بالصورة نفسها التي رسمها للأب الغائب؟، وهل يستطيع الإنسان أن يستعيد سنواته بمجرد أن يعود إلى المكان الذي تركه؟
(إبراهيم) لا يعود إلى بيت متوقف في انتظاره، وإنما إلى عائلة واصلت حياتها. والأهم أنه يلتقي بابنه البكر (علاء)، الذي لم يعد ذلك الطفل الذي تركه وراءه.. وهنا تتشكل العقدة الإنسانية الأساسية للفيلم.
الأب يريد الاقتراب، لكن الابن لا يعرف بالضرورة كيف يستقبل هذا الاقتراب.
بين الاثنين توجد سنوات من الغياب، وهي سنوات لا يمكن اختصارها في اعتذار أو عناق أو جملة عاطفية.. إنها سنوات صنعت شخصية الابن بعيدًا عن أبيه، وربما صنعت أيضًا أبًا جديدًا لا يعرف ابنه شيئًا عنه.

الشخصية الخفية في (أربعتاشر)
الأكثر أهمية في الفيلم أن الغياب لا يبدو مجرد حدث سابق على بداية الحكاية، بل يتحول إلى شخصية حاضرة طوال الوقت.. إبراهيم موجود أمام ابنه، لكن السنوات التي غابها تظل واقفة بينهما.. وهنا يطرح سامح علاء سؤالًا شديد القسوة: هل العودة تلغي الغياب؟: الإجابة التي يبدو أن الفيلم يبحث عنها ليست سهلة.
فالإنسان لا يعيش فقط ما يحدث له، وإنما يعيش أيضًا ما لم يحدث.. والابن الذي كبر دون أبيه لا يستطيع أن يتعامل مع عودته باعتبارها حدثًا منفصلًا عن الماضي؛ لأن غياب الأب أصبح جزءًا من تكوينه النفسي والإنساني.
ومن هنا يمكن قراءة (أربعتاشر) باعتباره فيلمًا عن الزمن أكثر مما هو فيلم عن العودة.. الزمن الذي يمر، ويغير الوجوه، ويعيد تشكيل العلاقات، ثم يترك الإنسان أمام مهمة مستحيلة: أن يصلح في الحاضر ما أفسده الماضي.
سامح علاء.. سينما تبحث عما وراء الكلام، منذ أعماله السابقة، استطاع سامح علاء أن يطور حساسية إخراجية خاصة تقوم على التقاط التفاصيل الصغيرة، وعدم التعامل مع الشخصيات باعتبارها أدوات لتحريك الحبكة.
ففي عالمه، يمكن لنظرة أن تكون أكثر أهمية من حوار طويل، ويمكن لمسافة بين شخصيتين أن تكشف عن علاقة كاملة، كما يمكن للصمت أن يقول ما تعجز الشخصيات عن قوله.. وهذه السمة تكتسب أهمية خاصة في (أربعتاشر)، لأن العلاقة بين الأب والابن قائمة أساسًا على أشياء لم تُقل.
الابن لا يحمل فقط ذكريات عن أبيه، وإنما يحمل أيضًا صورة عن نفسه تشكلت في غياب الأب.. والأب لا يحاول فقط العودة إلى أسرته، وإنما يحاول استعادة نسخة من نفسه ربما لم تعد موجودة.. لذلك لا تبدو المواجهة بين إبراهيم وعلاء مواجهة تقليدية بين شخصين، وإنما مواجهة بين ماضي الأب وحاضر الابن.
لماذا الأنيميشن؟: هنا يأتي اختيار الرسوم المتحركة باعتباره واحدًا من أكثر العناصر إثارة للاهتمام في تجربة (أربعتاشر)، فالأنيميشن يمنح المخرج حرية لا توفرها الصورة الواقعية بالضرورة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالذاكرة والزمن والحالة النفسية.
في العالم الواقعي، يظل المكان محكومًا بقوانين الفيزياء والزمن، لكن في الرسوم المتحركة يمكن للمكان أن يصبح امتدادًا للذاكرة، ويمكن للزمن أن يتمدد أو ينكمش، ويمكن للصورة أن تتحول إلى انعكاس للحالة الداخلية للشخصية.. ولهذا فإن انتقال سامح علاء إلى الأنيميشن لا يبدو هروبًا من الواقع، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع من الداخل.

مسيرة بدأت من كان
سامح علاء ليس اسمًا جديدًا على الخريطة السينمائية الدولية.. فقد صنع لنفسه حضورًا لافتًا من خلال أفلامه القصيرة، وكانت المحطة الأبرز فوزه بالسعفة الذهبية للفيلم القصير في مهرجان كان السينمائي عام 2020 عن فيلم (I Am Afraid to Forget Your Face).
ذلك الفوز لم يكن مجرد جائزة، وإنما لحظة كشفت عن قدرة مخرج مصري شاب على الوصول إلى واحدة من أهم منصات السينما العالمية من خلال فيلم قصير قائم على حس إنساني شديد الخصوصية.
ثم واصل علاء انتقاله بين الأشكال المختلفة؛ من الفيلم القصير إلى الدراما التلفزيونية عبر (حكاية نرجس)، ثم إلى عالم الأنيميشن، دون أن يفقد البوصلة الأساسية لتجربته.. وهذه البوصلة هي الإنسان في لحظات ضعفه، وارتباكه، وعجزه عن التعبير.
يحمل (أربعتاشر) كذلك تركيبة إنتاجية دولية، تجمع بين مصر وفرنسا وبلجيك.، فالفيلم من إنتاج Les Valseurs في فرنسا، بمشاركة دميان ميجربي، وكلارا ماركاردت، وجوستان بيشبرتي، وWhite Boat Pictures من بلجيكا، بمشاركة فالنتان لوبلان ودلفين دوي، إلى جانب شركة Fig Leaf المصرية، من خلال المنتج مارك لطفي، والمنتجين المشاركين سامح علاء ومحمد فوزي.
وهذه الشراكة لا تعني فقط توفير إمكانيات إنتاجية مختلفة، وإنما تعكس أيضًا طبيعة السينما المعاصرة التي أصبحت قادرة على عبور الحدود عندما تمتلك حكاية محلية بلغة إنسانية عالمية.. فالأب الغائب مصري في سياق الفيلم، والبيت له خصوصيته، والزمن له ملامحه، لكن السؤال الذي يطرحه العمل لا يحتاج إلى ترجمة: كيف يمكن لعلاقة إنسانية أن تنجو من السنوات التي لم نعشها معًا؟