(دايبين في الست).. (أم كلثوم) تشعل (جرش 40) في ليلة استثنائية


جرش: حسام عطية
في ليلة استثنائية امتزج فيها سحر المسرح بخلود الغناء العربي، عاش جمهور مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، على خشبة المسرح الجنوبي، مع العرض المسرحي الغنائي (أم كلثوم.. دايبين في صوت الست)، الذي استعاد سيرة (كوكب الشرق) واحتفى بإرثها الفني والإنساني، في أول عرض للعمل عربيًا خارج مصر.
وسط حضور جماهيري لافت، اجتمع عشاق الفن الأصيل لمتابعة رحلة واحدة من أهم الشخصيات التي صنعت وجدان العرب في القرن العشرين، في عرض حاول أن يعيد (أم كلثوم) إلى المسرح، لا باعتبارها مجرد مطربة عظيمة، وإنما بوصفها ظاهرة فنية وإنسانية تجاوزت حدود الزمن والجغرافيا.
ومنذ اللحظات الأولى، أخذ العرض جمهوره في رحلة عبر محطات حياة (أم كلثوم)، من بداياتها الأولى وموهبتها الاستثنائية، مرورًا برحلتها الطويلة مع النجاح، وصولًا إلى المكانة الأسطورية التي صنعتها لنفسها في تاريخ الغناء العربي.
واستعاد العرض عددًا من المحطات المفصلية في حياة (الست) متوقفًا عند علاقاتها الفنية والإنسانية، ورحلتها مع كبار الشعراء والملحنين الذين شكلوا معها واحدة من أهم الصفحات في تاريخ الموسيقى العربية.
ولم يقدم العمل سيرة تقليدية جافة، وإنما اختار أن يمزج بين التمثيل والغناء والاستعراض، ليصنع حالة مسرحية متكاملة تستعيد روح الزمن الجميل، مدعومة بإنتاج بصري وموسيقي ضخم، جمع بين الديكورات واللوحات الاستعراضية والأداء الفني.
وبهذا المزيج، انتقل جمهور جرش من مقاعد المشاهدة إلى قلب الحكاية، وكأنه يعبر مع أم كلثوم سنوات طويلة من حياتها، ويرى كيف تحولت فتاة موهوبة إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الوجدان العربي.


جزء من الذاكرة الجماعية
كما سلط العرض الضوء على تطور الأغنية العربية، والدور الذي لعبته (أم كلثوم) في ترسيخ مكانة الفن العربي، من خلال اختياراتها الفنية الدقيقة، وحرصها على التعاون مع نخبة من أبرز الشعراء والملحنين، لتصنع أعمالًا تجاوزت زمنها وتحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
ويأتي العرض من تأليف وإنتاج الكاتب والمنتج مدحت العدل، الذي قدم رؤية فنية تجمع بين التوثيق والإبداع، ساعيًا إلى الاقتراب من سيرة أم كلثوم من زاوية مسرحية تستعيد تفاصيل رحلتها وتقدمها للأجيال الجديدة في قالب فني معاصر.
وتأتي مشاركة العمل في مهرجان جرش لتمنحه بعدًا عربيًا خاصًا، خصوصًا أن أم كلثوم لم تكن يومًا مجرد اسم مصري في خريطة الغناء، وإنما واحدة من الرموز الفنية التي امتد تأثيرها إلى مختلف أنحاء الوطن العربي.
وعلى خشبة المسرح الجنوبي، بدا حضور (الست) مختلفًا؛ فبعد عقود من رحيلها، لا تزال سيرتها قادرة على جذب الجمهور، ولا تزال تجربتها الفنية تفتح شهية المبدعين لإعادة قراءتها وتقديمها بأشكال جديدة.
واختتم العرض وسط تفاعل جماهيري كبير وتصفيق حار، في مشهد عكس حالة الحنين التي أثارها العمل إلى زمن كان للفن فيه طقوسه الخاصة، وللأغنية مكانتها، وللصوت قدرة على صناعة حالة تتجاوز حدود المسرح.
وهكذا، لم تكن ليلة (أم كلثوم.. دايبين في صوت الست) مجرد عرض مسرحي ضمن برنامج (جرش 40)، بل بدت كأنها موعد جديد بين جمهور عربي وذاكرة فنية لا تزال حية.
ففي جرش، عادت (كوكب الشرق) لتغني من جديد.. ليس بصوتها هذه المرة، وإنما عبر المسرح، والذاكرة، وحكاية امرأة صنعت من صوتها أسطورة، ومن فنها إرثًا لا يزال يعيش حتى اليوم.