


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
كفى جبناً. ما يقدِّمه (عمرو دياب) الآن ليس فناً، ولا إبداعاً، ولا حتى انحداراً يمكن تبريره. إنه إصرارٌ على (المراهقة المزمنة)، رجلٌ تخطى سن المعاش، يصرُّ أن يرتدي جسد فتى رياضي.. وشمٌ على الذراع، وشعرٌ مصبوغ، وحلقٌ في الأذن، وملابس مراهقٍ يعاني أبواه في تربيته.
وكلماتٌ هابطةٌ سوقيةٌ، لا تخرج إلا من قواميس المراهقة المتأخرة وثقافة الشارع، في سوقٍ صاخبٍ لا يعرف إلا الاستهلاك السريع. هذا ليس حيويةً.. هذا احتقارٌ للعمر وللتجربة وللجمهور الذي شاب معه.
انظروا إلى من سبقوه لتعرفوا حجم الكارثة.. عبد الحليم حافظ كبر، فقدم (قارئة الفنجان)، فخلَّده التاريخ، وأم كلثوم كبرت، فغنت (هذه ليلتي، والأطلال)، فصارت أسطورة، أما (عمرو دياب) فقد اختار أن يتصاغر.
اختار بكامل إرادته أن ينزل إلى حلبة (الموسم)، و(الترند)، و(حفلات الساحل)، وأن يرضى بمكانة (مؤدي إعلانات) يلهث وراء مشاهدة ولايك وعقد دعاية – هو حر – هذا اختياره، وهذه مكانته التي اختارها لنفسه.. لكن لا تطلبوا منا أن نضعه في مقارنة مع من احترموا نضجهم، فالمقارنة وحدها إهانة.
والكارثة لا تقف عنده.. الكارثة في (الشلة) التي تصنع له هذا العبث.. حين تسمع لحناً فقيراً، بلا روح، يقدمه طفلٌ معجزةٌ لم يبلغ الحلم، فاعلم أننا أمام فضيحة.. هذا ليس بحثاً عن موهبة.. هذا استخفافٌ فجٌّ بالذائقة العامة، وهذا دليلٌ قاطع على أن الموضوع كله محسوبية وسبوبة ومعارف وانعدام معايير.


الوطن لا يُبنى بالتصابي ولا بالصخب
والفضيحة الأكبر هم أولئك المأجورون الذين يتصدرون الشاشات ليتحدثوا عن (الظاهرة) بجدية.. أي ظاهرة؟.. هذا تهريج.. وهذا التهريج لا يفهمه، ولا يقيمه، ولا يحتاجه إلا جمهور المراهقة المستهدف به.. هذا العبث يحتاج إلى نقاد في سن (الملحن الصغير ابن الشاعر الكبير)، لا إلى عقول ناضجة.
من يجرؤ أن يطلب منا أن نقيم فناناً بهذا الشكل؟.. لو فعلها صبيٌّ صغير لقلنا له: (اكبر بقى).. فكيف نناقشها بوقار من كبير؟
والنتيجة أن الدولة سلَّمتنا تسليم أهالي.. أين وزارة الثقافة؟.. وأين الإذاعة؟.. وأين التلفزيون؟.. انسحبوا جميعاً، وتركوا الساحة لسماسرة السوق.. فأصبحنا غرباء في بلدنا.. أصبحنا (دقة قديمة) مجبرين على أن نلبس الممزق، وأن نأكل الوجبات السريعة، وأن نستمع إلى فنانٍ يصرُّ أن يغني بلغةٍ لا تشبهنا، ولا نرضى أن يستخدمها أبناؤنا.
يا أستاذ (عمرو دياب)، إن كنت كارها لسنك، فاذهب بمراهقتك المتأخرة إلى حيث تشاء، لكن كُفّ لجانك ومراهقيك عنا.. دعنا ننتقد مؤسساتنا الثقافية والإعلامية، التي أحالت كبار الشعراء والملحنين في بلدنا إلى الاعتزال المبكر.. دعنا نطالب ونبحث عن فن يحترم تجاعيدنا وعقولنا.. فالوطن لا يُبنى بالتصابي ولا بالصخب.. الوطن يُبنى بمن يكبر فيمنحنا حكمة وخبرة السنين.