(مهرجان موازين) يرسخ مكانته العالمية بالجمع بين البوب والإبداع المغربي والتراث العربي

الدار البيضاء: د. محمد سعد
في ليلة جديدة من ليالي الإبداع الموسيقي، واصل (مهرجان موازين).. إيقاعات العالم، في دورته الحادية والعشرين، تأكيد مكانته كواحد من أكبر المهرجانات الفنية في المنطقة والعالم، بعدما رسم في يومه الثالث لوحة موسيقية متعددة الألوان والثقافات، جمعت بين البوب العالمي والموسيقى الإفريقية والأغنية العربية والتراث المغربي في مشهد احتفالي امتد بين مدينتي الرباط وسلا.
ومنذ الساعات الأولى للمساء، بدت منصات (مهرجان موازين) وكأنها عواصم موسيقية مصغرة، تستقبل آلاف المتابعين القادمين من مختلف الأعمار والخلفيات، بحثاً عن لحظات استثنائية تجمع بين المتعة الفنية والانفتاح على ثقافات العالم.
فمن فضاء شالة التاريخي العريق، مروراً بالمسرح الوطني محمد الخامس، ووصولاً إلى منصات السويسي وأبي رقراق والنهضة وسلا، توزعت الحفلات لتمنح الجمهور فرصة العيش داخل عوالم موسيقية متباينة، لكنها اجتمعت جميعها تحت مظلة الفن.
في موقع شالة الأثري، حيث تتعانق الحجارة القديمة مع نسمات الليل الصيفية، افتتح الفنان زولو برنامج السهرة بأداء حمل الكثير من العمق والروحانية. وجاء عرضه متماهياً مع خصوصية المكان الذي أصبح عبر سنوات المهرجان منصة للتجارب الفنية المختلفة والبحث الموسيقي الجاد.
داخل هذا الفضاء التاريخي، لم يكن جمهور (مهرجان موازين) أمام حفل غنائي تقليدي، بل أمام رحلة إنسانية امتزجت فيها الهوية بالذاكرة والشعر بالموسيقى، لتؤكد شالة مرة أخرى أنها المنصة الأكثر هدوءاً وتأملاً ضمن فعاليات موازين.
وعلى خشبة المسرح الوطني محمد الخامس، كان الموعد مع الفنانة المصرية مروة ناجي، التي قدمت واحدة من أكثر السهرات العربية دفئاً ورقياً. فبصوتها القوي وأدائها المتمكن، أعادت نجمة الأغنية العربية الكلاسيكية إحياء أعمال تنتمي إلى زمن الطرب الأصيل.

أكثر لحظات المهرجان جماهيرية وحيوية
وخلال لقائها مع وسائل الإعلام، لم تخف مروة إعجابها بالجمهور المغربي، مؤكدة أنه يمتلك ذائقة موسيقية خاصة، وقدرة كبيرة على التفاعل مع التفاصيل الفنية الدقيقة، وهو ما انعكس بوضوح خلال الحفل الذي شهد تفاعلاً لافتاً مع الأغنيات التي قدمتها.
أما منصة السويسي OLM، فكانت على موعد مع واحدة من أكثر لحظات المهرجان جماهيرية وحيوية، عندما اعتلت النجمة الجنوب إفريقية تايلا المسرح وسط استقبال حافل من الجمهور.
وبمجرد ظهورها، تحولت المنصة إلى ساحة احتفال ضخمة، حيث قدمت مجموعة من أشهر أعمالها التي تمزج بين موسيقى الأمابيانو والبوب وR&B والإيقاعات الإفريقية الحديثة.
وأثبتت تايلا أنها واحدة من أبرز الأصوات الصاعدة في الموسيقى العالمية، بعدما نجحت في أسر الجمهور بحضورها المسرحي اللافت وطاقة أدائها العالية، مؤكدة في الوقت نفسه قدرة موازين على استقطاب أبرز نجوم الساحة الموسيقية الدولية.
وعلى ضفاف نهر أبي رقراق، حملت الفنانة الغينية جيليكابا بينتو الجمهور إلى أجواء إفريقية نابضة بالحياة، حيث قدمت حفلاً اتسم بالحيوية والدفء والارتباط بالجذور الموسيقية لغرب إفريقيا.
وبصوتها المميز وأدائها التلقائي، استطاعت أن تبني جسراً سريعاً بينها وبين الجمهور، في تأكيد جديد على الدور الذي تلعبه منصة أبي رقراق في إبراز التنوع الفني والثقافي للقارة الإفريقية.
وفي منصة النهضة، حضرت الهوية المغربية بقوة من خلال لقاء فني جمع بين الفنانة جيلان والفنان نسيم حداد.
فبينما قدمت جيلان رؤيتها الموسيقية المعاصرة التي تخاطب الأجيال الجديدة، واصل نسيم حداد مشروعه الفني القائم على إعادة قراءة التراث المغربي وتقديمه بروح حديثة تحافظ على أصالته.
وشكل هذا اللقاء نموذجاً لالتقاء الماضي بالحاضر، والتقليد بالتجديد، في مشهد يعكس حيوية الساحة الفنية المغربية.

الموسيقار الكبير مجدي الحسيني
أما منصة سلا، فقد حافظت على طابعها الشعبي والعائلي، حيث نجح كل من طهور وستاتيا في إشعال أجواء احتفالية امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل.
وتحولت الساحة إلى فضاء مفتوح للغناء والرقص والتفاعل الجماهيري، في تأكيد جديد على أهمية هذه المنصة التي ظلت على مدار سنوات المهرجان مساحة قريبة من الجمهور العريض.
وفي موازاة أجواء (مهرجان موازين)، شهدت مدينة الدار البيضاء حدثاً فنياً وثقافياً موازياً تمثل في انطلاق فعاليات الأسبوع الفني والثقافي والعلمي لعبد الحليم حافظ، الذي يقام احتفاءً بالذكرى السابعة والتسعين لميلاد العندليب الأسمر.
وأحيا الحفل الافتتاحي الموسيقار الكبير مجدي الحسيني، بمشاركة الفنانين يحيى عبد الحليم، ولبنى شوقي، وأمين الجريفي، ويوسف الجريفي، بمصاحبة فرقة أرابيسك بقيادة الإخوة باهي.
وعاشت القاعة لحظات من الطرب والحنين، مع تقديم باقة من أشهر أغنيات عبد الحليم حافظ التي لا تزال تحتفظ بمكانتها الخاصة في الوجدان العربي.
وأكدت الدكتورة آمال بورقية، رئيسة أكاديمية حليم بالمغرب، أن هذا الأسبوع يمثل مشروعاً ثقافياً متكاملاً يهدف إلى إعادة تقديم إرث عبد الحليم للأجيال الجديدة، وتعزيز جسور التواصل الثقافي والفني بين المغرب ومصر.
كما كشفت أن البرنامج يتضمن ندوات فكرية، وماستر كلاس موسيقية، ولقاءات أكاديمية، إلى جانب الإعلان عن نتائج أول استطلاع دولي لاختيار الأغنية المفضلة لعبد الحليم حافظ، وإطلاق الاحتفاء باليوبيل الذهبي لأغنية “قارئة الفنجان”، فضلاً عن تدشين المسابقة الدولية للغناء “غنِّ لحليم”.
وهكذا، بين أضواء موازين في الرباط وسلا، وأنغام عبد الحليم في الدار البيضاء، عاش المغرب ليلة استثنائية أكدت أن الموسيقى لا تزال قادرة على جمع الشعوب والثقافات والذكريات تحت سماء واحدة، وأن الفن الحقيقي يظل اللغة الأجمل التي يفهمها الجميع.