


بقلم الدكتور: محمد الطربيلي
(علي الكسار)، ذلك العبقري الذي هزم (الريحاني ويوسف وهبي) على خشبة المسرح… ثم هزمه الزمن في تاريخ الفن المصري أسماء صنعت مجدًا لا تمحوه السنوات، وأسماء أخرى ظلمها النسيان رغم أنها كانت يومًا في صدارة المشهد الفني.
ويأتي الفنان الكبير (علي الكسار) في مقدمة هؤلاء؛ ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد ممثل كوميدي يثير الضحك، بل كان أحد المؤسسين الحقيقيين للمسرح المصري الحديث، وصاحب تجربة فنية استثنائية، ومالك فرقة مسرحية نافست كبار العصر، بل تفوقت عليهم في كثير من المواسم.
ولعل أكبر ظلم تعرض له (علي الكسار) أن الأجيال الجديدة تعرفه من خلال عدد محدود من أفلامه، بينما تجهل أن الرجل كان في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي واحدًا من أكثر الفنانين شعبية، وأن اسمه كان يتصدر الإعلانات، وتتسابق الجماهير لحجز مقاعد عروضه، وأن المنافسة بينه وبين نجيب الريحاني ويوسف وهبي كانت حديث الصحافة والشارع الثقافي في مصر.
ولد (علي خليل سالم)، المعروف باسم (علي الكسار)، في القاهرة عام 1887 لأسرة بسيطة.. لم يحصل على تعليم رفيع، لكنه امتلك موهبة لا تُدرَّس، وذكاءً فنيًا نادرًا، وقدرة مدهشة على قراءة المجتمع وتحويل تفاصيله اليومية إلى مادة كوميدية راقية، حيث بدأ حياته عاملًا بسيطًا، لكنه كان يحمل بداخله حلمًا أكبر من حدود الواقع، فوجد في المسرح المكان الذي أطلق فيه طاقته الإبداعية.


شخصية (عثمان عبد الباسط)
ومن قلب هذا الإبداع خرجت شخصية (عثمان عبد الباسط)، النوبي الطيب، التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الكوميديا المصرية.. لم يكن نجاح الشخصية قائمًا على اللهجة أو المظهر فقط، بل لأنها كانت تمثل الإنسان البسيط بعفويته وطيبته، وهو ما جعل الجمهور يرى نفسه فيها، فتعلقت بها القلوب قبل أن تضحك لها الوجوه.
وفي الوقت الذي كان (يوسف وهبي) يقدم المسرح الكلاسيكي الراقي، وكان نجيب الريحاني يميل إلى الكوميديا الاجتماعية ذات الطابع النقدي، اختار علي الكسار أن يخاطب الشارع المصري بلغته، وأن يجعل المسرح قريبًا من الناس، فنجح في بناء قاعدة جماهيرية ضخمة امتدت من القاهرة إلى الأقاليم.
أسس فرقته المسرحية، وسرعان ما تحولت إلى واحدة من أهم الفرق في مصر، وكانت المنافسة بينها وبين فرقتي الريحاني ويوسف وهبي على أشدها، حتى إن صحف تلك الفترة كانت تخصص مساحات واسعة للحديث عن سباق الإيرادات والإقبال الجماهيري. وفي مواسم كثيرة، كانت كفة علي الكسار هي الأرجح، ليس لأنه كان أكثر شهرة فحسب، بل لأنه كان يعرف جيدًا كيف يصل إلى وجدان الجمهور.
لقد أدرك (علي الكسار) أن المسرح ليس حوارًا نخبويا، وإنما رسالة شعبية، فقدم عروضًا تجمع بين الضحك والدراما والغناء والاستعراض، ونجح في تحويل ليلة المسرح إلى مناسبة اجتماعية ينتظرها الناس بشغف. ولم يكن غريبًا أن تتصدر فرقته شباك التذاكر في أكثر من موسم، وأن تصبح منافسًا حقيقيًا لعمالقة المسرح المصري.
ومع ظهور السينما الناطقة، انتقل (علي الكسار) إليها، وقدم مجموعة من الأفلام التي ما زالت تحتفظ ببريقها حتى اليوم، من بينها سلفني ثلاثة جنيه وعثمان وعلي ونور الدين والبحارة الثلاثة وغيرها من الأعمال التي أثبتت أن موهبته لا تقتصر على خشبة المسرح.
غير أن الفن لا يعترف دائمًا بالوفاء. فقد تغيرت الأذواق، وظهرت أجيال جديدة، وتراجع المسرح الخاص، وبدأت مساحة (علي الكسار) تضيق عامًا بعد آخر.. ولم يكن ذلك بسبب تراجع موهبته، وإنما لأن الزمن كان يكتب فصلًا جديدًا بأبطال جدد، كما يحدث مع كثير من الفنانين الكبار.
وهكذا، وجد الرجل الذي كانت الجماهير تتزاحم أمام مسرحه نفسه بعيدًا عن دائرة الضوء، حتى رحل في يناير عام 1957، بعد رحلة طويلة من الإبداع، تاركًا وراءه تراثًا فنيًا هائلًا، لكنه لم ينل من التقدير ما يليق بقيمته الحقيقية.


صاحب مشروع مسرحي متكامل
إن الإنصاف يقتضي أن نعيد قراءة تجربة (علي الكسار) بعيدًا عن الأحكام السريعة، فهو لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل كان صاحب مشروع مسرحي متكامل، ورائدًا من رواد الفن المصري، أسهم في تشكيل الذوق العام، ورسخ مكانة المسرح بوصفه فنًا جماهيريًا قادرًا على التثقيف والإمتاع معًا.
لقد أثبت (علي الكسار) أن النجاح لا يحتاج إلى نسب عريق أو تعليم فاخر، وإنما يحتاج إلى موهبة صادقة، وعمل دؤوب، وإيمان بالرسالة.. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن، حتى وإن حاول الزمن أن يخفت بريقه.
لكن رحلة (علي الكسار) أكبر من أن تُختزل في مقال واحد.. فما بين سنوات المجد التي جعلت فرقته تتفوق على أكبر الفرق المسرحية في مصر، وبين سنوات الخفوت التي انتهت برحيل حزين لفنان ملأ الدنيا ضحكًا، تفاصيل تستحق أن تُروى.
في الجزء الثاني نكشف أسرار المنافسة التاريخية بين (علي الكسار) ونجيب الريحاني ويوسف وهبي، وكيف استطاع أن يتصدر شباك التذاكر لسنوات، ولماذا انطفأت الأضواء من حوله، وهل كان ضحية تغير الزمن أم ضحية نسيان التاريخ؟