* ما بين أحمد سعيد وأحمد توفيق.. حكاية “هبنقة”.. حين يرتدي الإنتاج ثوب الحكمة والالتزام
* العودة من المعاش.. ولقاء (صوت العرب)
* الرواد لا ينتظرون التاريخ.. بل يصنعونه!

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري *
في هذه الحقبة الذهبية الصاخبة، بدأت الحكاية بطرقات على باب مكتبي، تلتها زيارة غير متوقعة من قامة إعلامية فارقة غيّرت وجه الإعلام العربي لعقود؛ الأستاذ الكبير (أحمد سعيد)، مؤسس إذاعة (صوت العرب) ورمزها الخالد.
والحكاية تبدأ مع تباشير بزوغ فجر الإنتاج التلفزيوني الخاص في العالم العربي، بدأت حركة هجرة فنية وإعلامية واسعة؛ حيث أخذ المنتجون الإذاعيون الكبار في التحول نحو الشاشة الفضية، ولم يكن هذا التحول سهلاً، فالإنتاج الإذاعي بميزانياته المحدودة لم يكن ليقوى على مجاراة التكلفة الباهظة والتقنيات المعقدة للإنتاج التلفزيوني.
في تلك اللحظة الفارقة، لم يكن هناك في الساحة سوى مظلة واحدة قادرة على استيعاب هذا التحول ومساندة هؤلاء المبدعين؛ شركة أفلام الشاطئ شركتي في أبوظبي.. لقد كانت الشركة الأولى والوحيدة المتواجدة على أرض الواقع، والتي تأسست برؤية استراتيجية مدعومة باتفاق مسبق وشراكة وتنسيق كامل مع تلفزيون أبو ظبي ووزارة الإعلام الإماراتية، وبملاءة وثقة لم تكن لتتوفر لغيرها.
إذ كان يشاركني في ملكيتها أنا إبراهيم أبو ذكري وخمسة من الوزراء الأجلاء، وأمير من أمراء إمارة الشارقة كنا ذراعاً محلية قوية تصنع لـ (هوليوود الخليج) هوية جديدة وتمد يد العون لرواد الفن العربي.

زيارة غير متوقعة من (صوت العرب)
كان الأستاذ الكبير (أحمد سعيد)، مؤسس إذاعة (صوت العرب) ورمزها الخالد، الرجل قد أُحيل إلى المعاش رسمياً، لكن عقله المتوقد وشغفه الذي لا يهدأ رفضا التقاعد قط؛ فجلس يعكف على الكتابة لسنوات.. جاءني يحمل بين يديه نصاً لمسلسل طويل كتبه بحبر روحه وشغفه، متمحوراً حول شخصية تراثية غريبة ومثيرة للدهشة، شخصية لم أكن قد سمعت عنها من قبل.
ولم أقرأ عنها سطراً واحداً في حياتي.. شخصية هَبَنَّقَة (يزيد بن ثروان القيسي)، ذاك الرجل الذي عاش في العصر الأموي وسارت بذكر غفلته الركبان، حتى صار مضرب الأمثال في الحمق والذهول البالغ عبر العصور وقيل في الأثر: (أحمقُ من هَبَنَّقَة).
من هنا، ومن بين يدي هذا العملاق، ولدت الشرارة الأولى.. بين شغف (أحمد سعيد) وطموح (عبد الله النويس): ولادة فكرة (هبنقة).
لم يكن حماسي للنص نابعاً من معرفتي الشخصية المسبقة بشخصية (هبنقة) التراثية، بل انتقل إليّ بالعدوى الفورية من شغف (أحمد سعيد) الصادق وتأثره البالغ بالعمل وهو يستعرضه أمامي.. لم نضيع وقتاً؛ أخذت النص وانطلقت به مباشرة إلى مكتب الصديق عبد الله النويس بوزارة الإعلام في أبوظبي.
كان (النويس) الرجل المناسب في المكان المناسب، يشاركنا الطموح ذاته، ويحلم ليل نهار بإنتاج عمل درامي تاريخي ضخم يثري الشاشة العربية ويترك بصمة لا تنسى تعكس الطفرة التي تشهدها الإمارات. لم يتردد النويس لحظة واحدة، ووجد في نص أحمد سعيد الضالة التي كان يبحث عنها لتأسيس مرحلة جديدة من الإنتاج الدرامي الرفيع.
تزامنت هذه الحقبة مع ثورة تكنولوجية فارقة في عالم الإعلام؛ إذ بدأت الشاشات تستقبل عصر التلفزيون الملون.
في ذلك التوقيت، لم أكن مجرد منتج ينفذ أعمالاً تنتهي بانتهاء التصوير، بل كنت مهندساً لعلاقات إنسانية وفنية فريدة أثمرت عن تشكيل فريق فني قوي، وربطتني صداقة متينة بثلاثة من كبار المبدعين الذين راهنت عليهم: الفنان القدير إبراهيم سعفان، والفنان المبهج السيد زيان، والمؤلف القدير عبد الرحمن شوقي.

ملحمة الإنتاج المشترك في أبوظبي
كان هذا (الثلاثي) هو الركيزة الأساسية ومحور البطولة لمسلسل (الهاربان)، الذي توليت إنتاج الجزء الثاني والثالث منه.
شهد الجزء الثالث قفزة إخراجية كبرى بتوقيع المخرج السينمائي العبقري حسين كمال وتم إنتاجه وتصويره بالكامل داخل استوديوهات تلفزيون أبوظبي، التي كانت بمثابة (هوليوود الخليج) في ذلك الوقت من حيث التجهيز والتقنيات الملونة الجديدة.
كل هذا الزخم الإنتاجي والنجاح الهائل للثلاثي (سعفان، زيان، وشوقي) تحقق وصُنع بالكامل قبل وصول الإعلامي الكبير أحمد سعيد إلى أبوظبي ليكون هذا العمل شاهداً على ريادتنا في صناعة وبناء الدراما العربية من البداية.

كيف ارتدى (زيان) عباءة الأحمق التراثي؟
عندما جلسنا نتدارس ملخص مسلسل (هبنقة) الذي أعده (أحمد سعيد) بعناية، وطرحنا السؤال الجوهري والمصيري: من يملك القدرة على تجسيد شخصية هبنقة بكل ما فيها من مفارقات كوميدية وعمق إنساني؟
فتشنا في دفاتر الفن، ولم نجد في مصر كلها ممثلاً يستطيع أن يرتدي عباءة هذا الأحمق التراء وبراعة وإمتاع مثل الفنان الراحل سيد زيان!.. وافق الجميع على الفور دون تردد؛ فقد كان زيان حصان رهاننا الرابح دائمًا.
ولأن العمل الضخم يحتاج إلى (مايسترو) خلف الكاميرا، اتفقنا على إسناد الإخراج لواحد من أنجح وأبرز نجوم إخراج السير الذاتية والدينية في تلك الحقبة، وهو المخرج الراحل (أحمد توفيق)، العبقري الذي سبق واشتغل معي ومع (صوت القاهرة) في أجزاء من المسلسل الملحمي (محمد رسول الله)، لتبدأ من هنا رحلة صناعة واحدة من الروائع التي جمعت بين نبل المواقف وعمق الإبداع.

الشراكة وإعمار الشوارع التاريخية
وقعنا العقود رسمياً بعد الاتفاق على كافة التفاصيل والأسماء وآليات التنفيذ؛ حيث تشكلت جبهة إنتاجية قوية ضمتني (إبراهيم أبو ذكري)، ومعي الأستاذ عبد الله النويس ممثلاً لوزارة الإعلام، والأستاذ (أحمد سعيد) ككاتب بصفته منتجاً منفذاً.
وفور توقيع التعاقد، انطلق (أحمد سعيد) إلى القاهرة كخلية نحل؛ لتجهيز طاقم العمل (The Cast)، وحجز الفنادق، وحجز الأستوديوهات، وتصميم وتفصيل الملابس التاريخية (الديكور، والأزياء).. بدأت ملامح التاريخ تتجسد أمامنا، وبُنيت في أستوديوهات أبوظبي أحياء وشوارع كاملة تعود بالعائد إلى العصر الأموي.
من عاداتي الدائمة في مسيرتي الطويلة – والتي أنتجت خلالها ما يزيد عن خمسة آلاف ساعة تلفزيونية والعديد من المسرحيات الكاملة – أنني نادراً ما أتواجد في مواقع التصوير.. كنت وما زلت أؤمن بضرورة ترك المساحة كاملة للمنتج المنفذ ومدير الإنتاج والمخرج، ليتحمل كل منهم مسؤولية مكانه، ولا أتدخل إلا في الظروف الطارئة جداً ولأوقات محددة تستدعيها مصلحة العمل.
لكن (هبنقة) كان حالة خاصة؛ فالفنان الوحيد الذي كنت التقي به شبه يومي من بين فريق العمل هو الصديق سيد زيان بحكم علاقتنا الشخصية الوطيدة. وفي إحدى المرات قال لي عاتباً بلطف: (إن معظم الممثلين يسألون عنك.. نحن جميعاً ضيوفك في أبوظبي، ولابد لك من زيارتنا في البلاتوه (The Studio) لمرة واحدة على الأقل).
نزولاً عند رغبته، اقتطعت وقتاً من جدول مكتبي المزدحم، وتوجهت إلى أستوديوهات تصوير الدراما في تلفزيون أبوظبي.

هيبة المخرج وسلطان (أحمد توفيق)
(لاستوديو التصوير هناك نظام خاص؛ حيث يوجد باب مباشر يؤدي إلى البلاتوه، وبجانبه باب آخر وسلم يصعد إلى غرفة المراقبة والتحكم الزجاجية (The Control Room) دخلت مباشرة من الباب السفلي إلى أرض الأستوديو، وكان الطاقم يجرون بروفة لأحد المشاهد.
فور دخولي، رحب بي الراحل سيد زيان وبقية الممثلين بحفاوة.. وفي غمرة هذا الترحيب، شق الصمت صوت المخرج أحمد توفيق حازماً عبر مكبر الصوت (Talkback) القادم من غرفة التحكم، وهو يقول بلهجة صارمة: (أنا شايف جمال عبد الناصر موجود في البلاتوه!..
ده هيفسد علينا التصوير.. أرجو من ليس له عمل داخل الأستوديو أن يتفضل بالخروج!”. (وكان يقصدني بالتشبيه نظراً للمهابة أو المظهر.
وقعت الكلمات كالمفاجأة، وبدون تردد أو نقاش، احترمت رغبته وخرجت فوراً متوجهاً إلى مكتبي. لم أشعر بالإهانة، بل أخذت الموقف من منظور احترافي بحت: هذا حق المخرج المطلق وسلطته داخل أستوديوه، وعلى الرغم من أنني (المنتج) وصاحب العمل، إلا أن له الحق في فرض الانضباط والتشدد كما يشاء لإنجاح العمل.
في مساء ذلك اليوم، زارني في مكتبي الفنان (سيد زيان) ومعه المخرج (أحمد توفيق)، محملين بالاعتذار الشديد عما حدث في الاستوديو.. وكانت المفاجأة لهما أنني لم أكن غاضباً على الإطلاق.
شكرت المخرج (أحمد توفيق) بحرارة على حرصه على وقت العمل ومصلحة المسلسل، بل وقلت له بكل تواضع: (أنا من يعتذر لك؛ فقد كان من الواجب عليّ أن أدخل الأستوديو من خلال غرفتك (الكنترول روم) وبصحبتك، لا أن أقتحم البلاتوه مباشرة أثناء عملكم).
ظل هذا الموقف محفوراً في ذاكرتي كأحد أسمى مواقف العمل الفني؛ فهو يختصر وصية ذهبية لكواليس الفن: للمخرج سيادته المطلقة في موقعه (اللوكيشن)، وما أريده أنا كمنتج من المخرج يُناقش خلف الأبواب المغلقة في مكتبي، وليس أمام الكاميرات.. ومن لا يعرف هذه الأصول، لا يعرف جوهر صناعة الإعلام.

البصمة التي ابتلعت (البطولة المطلقة)
بمناسبة ذكرى ميلاد أحد أساطير الزمن الجميل (2 يونيو 1930)، نقف أمام مسيرة استثنائية للفنان والمخرج الكبير أحمد توفيق؛ العبقري الذي لم يحظ بـ (البطولة المطلقة) في مسيرته كممثل، لكن شخصياته كانت تبتلع بطل العمل الحقيقي وتُحفر في وجدان الجماهير.
كما في مشهده الأيقوني في فيلم (شيء من الخوف).. تمرد (توفيق) على رغبة والده ليدرس الفنون المسرحية سراً ويصبح الأول على دفعته، ثم اكتشفه المخرج (صلاح أبو سيف).
وخلف الكاميرا، تحول إلى (عراب الدراما الدينية) بمواجهات شجاعة مع الرقابة والأزهر دفاعاً عن حرية الإبداع.. وامتدت عبقرياته لصناعة النجوم، فهو المحارب الأول الذي أصرّ على إسناد دور (فاطمة كشري) للفنانة عبلة كامل في روائع (لن أعيش في جلباب أبي).
رحل (توفيق) تاركاً 32 عملاً كممثل و13 عملاً إخراجياً، وإرثاً إنسانياً نادراً تجسد في وفائه لرفاق مهنته ودعمه لزوجته المخرجة رباب حسين، ليبقى نموذجاً للفنان المتكامل الذي صنع جزءاً أصيلاً من وجداننا الدرامي.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب