رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!

بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!

بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!
صفّقنا طويلًا لاشتعال البدايات في (ورد على فل و ياسمين)، وتغافلنا عن سؤال النهاية
بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

ما الذي يُنهك العلاقات قبل أن تشتدّ؟ أهى قسوة الأيام؟ أم صعوبة الظروف؟.. كلا.. إن الأخطر هو (وهم جميل) تربّينا عليه حتى ظنناه يقينًا: فخ العاطفة الهوجاء، أن يقف اثنان في وجه العالم كلّه، يصارعان الأهل والعُرف والمنطق والجغرافيا، ثم نُسمّي هذا الصراع (عشقًا)، ونُسمّي كسر كل القواعد (حبًّا أصيلًا)، تماما كما جاء في مسلسل (ورد على فل و ياسمين)!

وحين تهبط ستارة النهاية فجأة، ويُكشف لنا أن الأزهار قد ذبلت، لأنها لم تجد جذورًا تُمسكها في تربةٍ واحدة، نُعلّق بغضب: (ما الحبُّ إلا سرابٌ)!.. لكن، يا سادة، من الذي خدعنا؟ الحبّ؟ أم تصوّرنا الناقص له؟

صفّقنا طويلًا لاشتعال البدايات في (ورد على فل و ياسمين)، وتغافلنا عن سؤال النهاية.. ماذا بعد أن يهدأ وهج الحماس؟ ماذا بعد أن تسكت ضجّة الأغاني؟ على أي أرض ثابتة سيقف القلبان حين تهبّ أوّل ريح شديدة؟ وبأي زاد من العقل والحكمة سيقتاتان حين يجوع الجسد، وتتعرّى الأرواح من أوهامها؟

فكان الحصاد سرابًا.. سرابًا سمّيناه زورًا (التضحية من أجل الحب).. فصار الشاب يظنّ أن صدق مشاعره يُقاس بعناده للجميع، وأن ارتباطه (رغم الظروف) هو قمّة الإخلاص.. وصارت الفتاة تتوهم أن إثبات حبّها يكون باختيارٍ قاسٍ بينه وبين أصلها.. وهكذا دخلنا صراعاتٍ عبثيّة لا تنتهي: صراعًا مع الأصل، وصراعًا مع الواقع، وصراعًا مع النفس حتى الإنهاك.

ويغيب عن القلب المتعجّل حقيقةٌ بسيطة: العاطفة بلا عقلٍ رشيد ليست نعمة، بل عبء.. والعشق الذي يسلب صاحبه وعيه ودنياه ليس فضيلة، بل تعلّقٌ مرضيٌّ يحتاج وعيًا لا تصفيقًا.. وأيّ علاقةٍ بُنيت على هوس اللحظة ونشوة البداية، هي كالقشّة: تشتعل سريعًا، وتضيء المشهد برهة، ثم تخبو سريعًا، وتترك خلفها رماد الندم ووحشة الفراغ.

بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!

بلا (ورد على فل و ياسمين).. كان الحصاد سرابًا!
كفانا عيشًا في أدوار كتبت خاتمتها وجعًا قبل أن ننطق بأوّل سطرٍ فيها

سكنٌ ومودةٌ ورحمة

إن الإنسان لم يُخلق للصراع الدائم، بل خُلق للسكينة.. والعلاقة السويّة في جوهرها ليست ساحة معركة، بل مأوى.. سكنٌ ومودةٌ ورحمة.. والبيوت لا تُبنى بالشعارات، بل بأعمدةٍ أربع لا تميل: عمود القيم المشتركة، وعمود الفهم المتقارب للدنيا، وعمود الاتفاق على طريقة مواجهة الأزمات، وعمود احترام الحدود.

فكفانا أوهامًا.. وكفانا عيشًا في أدوار كتبت خاتمتها وجعًا قبل أن ننطق بأوّل سطرٍ فيها.. إن الحكمة كلّ الحكمة أن نسبق القلب بعقلنا خطوة.. أن نبحث أوّلًا عمّن يشبهنا.

عمّن يقرأ صمتنا قبل أن نتكلم. عمّن يكون عتابه معنا عتاب الأحبّة، لا خصومة الأضداد.. عمّن نطيق طبعه ونحتمل نقصه، لا أن نُكسر به كل يوم. عمّن يقاربنا في الفكر والطموح والظرف، كي لا ندفع عمرنا ثمن فارقٍ لم نختاره ولن نقدر على تغييره.

فإذا وجدته، هاهنا فقط، أطلق لقلبك العنان.. أحببه حتى الارتواء، واقترب منه حتى الاكتفاء.. فالعلاقة التي يخطّها العقل ثم يلوّنها القلب، هي وحدها القادرة على البقاء والنموّ والسكينة.. هي وحدها التي تصمد حين يشيب الشعر وتتبدّل الملامح.

وإن جعلنا من (مواجهة المجتمع) شرطًا للحب الحقيقي، ضلّت البوصلة وغرق المعنى كما في مسلسل (ورد على فل و ياسمين)، فإذا بنا نُسمّي حبَّ المناضلِ لخائنتهِ سلاماً، وعشقَ الضحيةِ لجلادها غراماً، وهوى الطيبِ للخبيثةِ هياماً.

وما ذاك إلا حبٌّ أعوج، وفوضى تزيّنت بزينة العاطفة وادّعت لنفسها شرف الوفاء.. والحقيقة أن الحبَّ الصادق لا يُقاس بعنف التعلّق، ولا بضراوةِ من تُعادي، إنما يُقاس بمن تُشبه، فتميل إليه الروح سكنًا، ويطمئن إليه القلب مودةً، بلا حربٍ تُنهك، ولا جرحٍ يُدمي.

إن العلاقة التي يخطفها الهوس الأعمى، ثم نحاول عبثًا أن نضبطها بالعقل بعد فوات الأوان، مصيرها معلوم: إمّا خلاف يومي ينتهي جفاءً، وإمّا فراق يُمزّق، وإمّا موتٌ بطيءٌ أشدّ من الفراق؛ جسدان في مكانٍ واحد، وروحان في عالمين لا يلتقيان أبدًا.

فاختر لنفسك بوعي.. اختر السكن قبل أن تلهث وراء اللهب.. اختر من تستطيع أن تعيش معه.. ثم، وبعد ذلك فقط، أحبّه بكلّ ما أوتيت من قلب.

لأن لكل زهرةٍ تربتها التي تحييها.. فمهما فاح العطر واشتد الشذا، لا تزدهر زهرةٌ في أرضٍ تخالف أصلها. والجمال الحقيقي ليس في جمع المتناقضات، بل في أن تجد من ينبت من ذات تربتك فتزهر معه.. هذه هي النهاية التي يقبلها ناموس الطبيعة والفطرة الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.