
* تعدديّة الهياكل الإعلامية في مصر: مخاض (لجنة الخمسين) وأزمة الإدارة الحالية
* كيف قادت ديمقراطية المدرجات الإعلام المصري إلى شتات الصلاحيات؟
بقلم الدكتور: إبراهيم ابوذكري
ما زلت أتذكر ذلك اليوم بدقة؛ عقب ثورة 25 يناير، وفي خضم الحراك المصيري لتشكيل (لجنة الخمسين) المعنية بكتابة الدستور المصري، تم استحداث عدد من اللجان الفرعية وجلسات الاستماع، وتلقيت دعوة لحضور إحداها.
دلفت إلى المدرج، وإذا بي أمام مشهد حاشد يناقش بنود الإعلام ومستقبله، وكان يترأس الجلسة أحد رموز المحاماة اللامعين في مصر.
كان المفترض أن تكون تلك الجلسة منصة علمية للاستماع والمناقشة الفقهية والقانونية، لكن الحقيقة المرة أنها تحولت إلى ساحة لـ (إرضاء الحاضرين) فحسب.
كان نظام إدارة الحوار في (لجنة الخمسين) يمنح كل عضو حاضراً في المدرج بضع دقائق لا تكفي حتى لإنهاء (مقدمة) فكرته أو ما يريد إيصاله للمجتمع، وما إن يبدأ المتحدث في الدخول إلى جوهر الموضوع، حتى يباغته رئيس الجلسة بأن “المدة المتاحة قد انتهت!
فيخرج المتحدث أمام الجمهور وكأنه تكلم بلا فكرة، وضاع الوقت في خطب إنشائية بدلاً من الصياغة المنضبطة.
هكذا كانت تُدار نقاشات (لجنة الخمسين) واللجان المنبثقة عنها: مجرد رغبة في احتواء غضب الشارع وإرضاء (ميدان التحرير) على حساب المنطق العلمي والقانوني.
وكعادتي دائماً، عندما لا أجد نفسي أو فكري ينتمي إلى مكانٍ ما، أختار الانسحاب بكرامة وهدوء؛ فلم يكن هدفي من الحضور مجرد انتزاع كلمة أو اعتلاء منصة، بل كنت مستمعاً يحدوه الأمل في سماع صوت العقل والحكمة، لعل وعسى أن يخرج من هذا الصخب ما ينفع الوطن.
واليوم، وأنا أراقب المشهد الإعلامي المصري من برج الملاحظة الفاحصة، راصداً ما وصل إليه من تراجع وانحدار، أسترجع شريط ذلك اليوم البعيد بكثير من الأسى عن (لجنة الخمسين)، لأدرك تماماً أن ما نعيشه الآن من عشوائية عارمة وتشتت مؤسسي.
ليس سوى النتيجة الحتمية والشرعية لتلك البنود الدستورية التي (سُلقت) على عجل داخل تلك المدرجات الصاخبة.
لتؤسس لآليات مشوهة كبلت فروع ومؤسسات الإعلام المصري، وأفقدتها بريقها ورصانتها المعهودة.

التضخم الهيكلي: معضلة الحكومة الحالية
لقد تحولت تلك النصوص، التي صيغت على عجل لإرضاء فئات غير دارسة للقانون، إلى (حقائق دستورية ثابتة) كبّلت الدولة بمرور الوقت.
واليوم، تجد الحكومة المصرية نفسها أمام مصيبة إدارية وتشريعية؛ إذ فرضت هذه النصوص واقعاً معقداً تتقاسمه أربعة مجالس وهيئات موازية لوزارة الإعلام، ونقباء المهن الإعلامية والفنية.
وصولاً إلى المكاتب الإعلامية السيادية والوزارية (الأمنية، والصحية، والعدلية، والرئاسية) التي باتت تدار عبر مساعدين للوزراء، ليتحول الإعلام إلى تخصصات مفتتة وموزعة بين (إعلام صحي)، و(إعلام أمني)، و(إعلام تجاري).. إلخ.
وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على هيكل المنظومة الإعلامية في مصر، لتتحول إدارة هذا الملف إلى شبكة بالغة التعقيد والتشابك.. ويمكن رصد ملامح هذا التضخم الإداري في النقاط التالية:
* تعدد الرؤوس القيادية: أصبح المشهد الإعلامي يدار عملياً بوجود ما يوازي أربعة وزراء للإعلام (متمثلين في الهيئات والمجالس التي نص عليها الدستور لإدارة الصحافة والإعلام وقنوات الدولة) ، يضاف إليهم نقباء المهن المغذية لصناعة الإعلام والدراما.
* مأسسة الخطاب الإعلامي: لم يعد الإعلام حكراً على المؤسسات المدنية ، بل امتد ليشمل قطاعات وأقسام إعلامية متخصصة ومستقلة داخل أجهزة سيادية وحيوية، مثل: القوات المسلحة، الشرطة، ورئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى الوزرات الخدمية. * المكاتب الإعلامية الوزارية: تحولت كل وزارة في الحكومة المصرية إلى مؤسسة إعلامية مصغرة، حيث استحدثت مكاتب إعلامية متكاملة يديرها مساعدون للوزراء لضمان التغطية والرد المباشر.
* تفتيت وتخصص الخطاب: تفرعت المنظومة بأكملها إلى تخصصات دقيقة وفضفاضة في آن واحد، فظهر ما يُعرف اليوم بـ (الإعلام الأمني)، و(الإعلام الصحي)، و(الإعلام التجاري)، وغيرها من التصنيفات.
إن هذا التشتت وتعدد جهات الولاية والقرار في ملف الإعلام، يفرض تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الحكومة على توحيد الخطاب الرسمي، وإدارة منظومة إعلامية مرنة وفعالة قادرة على مواجهة التحديات، في ظل إرث دستوري كبّل الإدارة التنفيذية بهياكل يصعب دمجها أو إلغاؤها.

تعدديّة الهياكل الإعلامية في مصر
* غياب الإبداع وموت التنافسية: عندما تغيب البيئة الحرة والمفتوحة لصالح جزر احتكارية مغلقة، يموت التنافس الصحفي والمهني والفني. لقد تحول العمل الإعلامي من مساحة للإبداع وصناعة الفارق إلى مجرد وظيفة إدارية وروتينية لتغطية أنشطة الجهات التابعة لها.
* التراجع المهني والوجداني: تراجع الإعلام المصري في مجمله عدة خطوات إلى الوراء على الصعيد المهني، وفقد قدرته التاريخية على التأثير في الوجدان الشعبي وصياغة الرأي العام، بعد أن كان منارة إقليمية تقود المنطقة بإنتاجها وصحافتها.
* ضعف الظهير الإعلامي للقرار السياسي: لعل النتيجة الأكثر خطورة هي عجز هذه المنظومة المشتتة عن تقديم الخدمة الإعلامية اللازمة التي تتبع وتحيط بالقرار السياسي. فالإعلام الحالي بات عاجزاً عن التمهيد للقرارات المصيرية للدولة، أو تفسيرها للمواطن، أو الدفاع عنها بكفاءة، مما ترك القرار السياسي مكشوفاً بلا ظهير إعلامي قوي يملك الحجة والقدرة على الإقناع.

فوضى الصلاحيات والتخبط الإداري
ولم تتوقف حتمية هذا التشتت عند حدود تراجع الأداء المهني، بل امتدت لتنتج بيئة خصبة للفوضى القانونية والتخبط الإداري؛ حيث أصبح المشهد محكوماً بقرارات تصدر عن مسؤولين يجلسون على مقاعد قيادية، ويمارسون سلطات تطبق مباشرة على المواطن أو على العاملين في الحقل الإعلامي، دون أن تكون لديهم الصلاحية القانونية الفعلية لإصدارها.
هذا الواقع خلق حالة حادة من (تنازع الاختصاص) والتعارض بين صلاحيات المؤسسات الحكومية من جهة، والمؤسسات شبه الحكومية (مثل النقابات المهنية) من جهة أخرى.
والغريب في الأمر، أن هذه الجهات أصبحت تصدر قرارات مصيرية لا تستند إلى أصل في القانون أو الدستور، بل تعتمد فقط على (تفسيرات مطاطة وموجهة) لبعض بنود لوائحها التنفيذية الداخلية، مما رسخ العشوائية الإدارية وعمق من أزمة الإعلام.
إن هذا التشتت وتعدد جهات القرار لا يمثل فحسب أزمة تنظيمية للحكومة، بل يمثل تهديداً حقيقياً لقوة مصر الناعمة؛ حيث تحول الإعلام من أداة لبناء الوعي والمساندة السياسية، إلى جزر احتكارية متنازعة أضعفت المضمون، وأفقدت الرسالة بريقها، وتركت الفضاء الإداري مرتعاً لقرارات غير مدروسة تفتقر للغطاء القانوني السليم.
ولم تتوقف حتمية هذا التشتت عند حدود تراجع الأداء المهني، بل امتدت لتنتج بيئة خصبة للفوضى القانونية والتخبط الإداري؛ حيث أصبح المشهد محكوماً بقرارات تصدر عن مسؤولين يجلسون على مقاعد قيادية، ويمارسون سلطات تطبق مباشرة على المواطن أو على العاملين في الحقل الإعلامي، دون أن تكون لديهم الصلاحية القانونية الفعلية لإصدارها.
هذا الواقع خلق حالة حادة من (تنازع الاختصاص) والتعارض بين صلاحيات المؤسسات الحكومية من جهة، والمؤسسات شبه الحكومية (مثل النقابات المهنية) من جهة أخرى. والغريب في الأمر، أن هذه الجهات أصبحت تصدر قرارات مصيرية لا تستند إلى أصل في القانون أو الدستور.
بل تعتمد فقط على “تفسيرات مطاطة وموجهة” لبعض بنود لوائحها التنفيذية الداخلية، مما رسخ العشوائية الإدارية وعمق من أزمة الإعلام.

خارطة الطريق: فك الاشتباك والعودة إلى اللوائح
إن المطلوب حالياً من أصحاب القرار وزراء كانوا أو نقباء ليس إعادة اختراع العجلة أو البحث عن صلاحيات جديدة، بل إن الحل يكمن في فك هذا الاشتباك فوراً؛ بأن يجلس كل مسؤول على كرسي وزارته أو نقابته، ملتزماً بحدود اختصاصه، دون أن ينظر إلى كرسي غيره أو يتعدى عليه.
فكل مؤسسة محكومة بقوانين محددة ولوائح داخلية اعتمدتها الدولة، تنشد في جوهرها عدم التعرض لصلاحيات المؤسسات المقابلة.
ولتحقيق هذا الاستقرار المؤسسي، يجب العودة إلى التوصيف القانوني الواضح والمقنن للمهام كالتالي:
* النقابات المهنية: يجب أن يقتصر دورها على رعاية شؤون أعضائها المقيدين بجداولها فقط وتنظيم سلوكهم المهني. ومن غير المقبول قانوناً أن تتدخل النقابات في سلوك أو عمل غير أعضائها، إذ ليس لها أي ولاية أو سلطة خارج حدود جمعيتها العمومية.
* المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: هو الجهة السيادية والوحيدة المنوط بها متابعة أداء كافة المؤسسات الإعلامية في جمهورية مصر العربية. وهو صاحب الحق الأصيل والدستوري في إصدار التراخيص للمواقع الإلكترونية، والمحطات التلفزيونية، والإذاعات، ومراقبة محتواها.
* الهيئة الوطنية للصحافة: هى المسؤولة حصرياً عن المؤسسات الصحفية القومية (من جرائد ومجلات).. ورغم وجود مساحة (تماس وتداخل) طبيعية بين الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة – حيث إن التحقيق التلفزيوني هو في أصله عمل صحفي، والتحقيق المكتوب كذلك – إلا أن الفصل التنظيمي يوجب تبعية منصات الصحافة القومية (بشتى وسائطها) لهذه الهيئة.
* الهيئة الوطنية للإعلام: هى الجهة الوحيدة التي لن تتداخل قراراتها مع أي جهة ولا تحتاج إلى حسم وتوضيح فلديها علم تام لمهامها بلائحة محددة تمنع اللبس؛ باعتبارها المالك الوحيد الاقتصادي، والسياسي لكل منشئات الكيان الإعلامي ، والفني لكافة مباني ومؤسسات (الإعلام الوطني الرسمي) – (الماسبيرو) مسموعاً كان أو مرئياً.
يا سادة، إن إنقاذ الإعلام المصري وإعادته إلى مسار الإبداع والتأثير يتطلب (ميثاقاً لفض الاشتباك) بين النقابات الفنية والإعلامية من جهة، والوزارات والهيئات المعنية من جهة أخرى.. الحل يبدأ حين تحترم كل جهة حدود لائحتها وقانونها، ليتوقف التنازع، وتسترد الدولة قوتها الناعمة عبر تنظيم عادل، حاسم، ومحترم للاختصاصات.