رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (الشللية).. داء يقتل المواهب ويهدد الفن بالعقم !

محمود حسونة يكتب: (الشللية).. داء يقتل المواهب ويهدد الفن بالعقم !
داء (الشللية) يبدو أكثر وضوحاً في الوسط الفني باعتبار العاملين فيه الأكثر ملاحقة من الأضواء

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

(الشللية) داء لم يصب الوسط الفني فقط ولكنه أصاب مختلف الأوساط، والشلة ليست سوى مجموعة من البشر بينهم تشابهات في الطباع والمصالح والأهداف، يسرحون ويمرحون ويحلمون سوياً ويساعدون بعضهم البعض، و(الشللية) قديمة، ولعل الفرق بين الشللية زمان واليوم أن مجموعة الشلل في مهنة معينة تستوعب جميع أبناء المهنة بحيث لا يسقط أي منهم ويجد نفسه وحيداً وقد أغلقت في وجهه الأبواب.

أما شلل اليوم فقد اقتصرت على مجموعات وأسقطت مجموعات، والمجموعات الساقطة أصبح مغضوب عليهم، لا يجدون العمل ويعانون التهميش ويعانون في الحصول على فرصة وكذلك على لقمة عيش ويبدون أمام ذويهم عاجزين عن تحمل مسؤولياتهم، وهو ما ينعكس عليهم أمراضاً نفسية وبدنية واجتماعية وسلوكية.

داء (الشللية) يبدو أكثر وضوحاً في الوسط الفني باعتبار العاملين فيه الأكثر ملاحقة من الأضواء، ولذا فليس أخطر على الفن من أن يفقد عدالته. وليس أكثر قسوة على الموهبة من أن تكتشف، بعد سنوات من الاجتهاد والخبرة، أن الطريق إلى الشاشة أو المسرح أو الاستوديو لم يعد يمر عبر الكفاءة، بل عبر أبواب ضيقة تحرسها العلاقات الشخصية، والمصالح المتبادلة، بتأثير من داء (الشللية).

 الواقع الذي تحدث عنه عشرات الفنانين والمؤلفين والمخرجين وارتفاع أصواتهم بالشكوى خلال الآونة الأخيرة يؤكد إن (الشللية) خلقت أزمة عميقة همشت مواهب وأقصت مبدعين كبار، وأصبحت الصناعة الفنية حكراً على مجموعة دون أخرى، ومن يتصدرون المشهد خلال الأعوام الماضية لا يتغيرون ولا يضيفون جديداً، الوجوه ذاتها، والكتّاب أنفسهم، والمخرجون أنفسهم، موسمًا بعد آخر.

والنتيجة أن الأفكار تتكرر، وهو ما يكاد أن يفرز حالة من العقم الفني الذي سيؤدي حتماً إلى انصراف الجمهور وخسارة مصر لواحدة من أهم قواها الناعمة بعد أن تم الدفع بأسماء موهوبة إلى المقاعد الخلفية، أو إلى النسيان الكامل!

محمود حسونة يكتب: (الشللية).. داء يقتل المواهب ويهدد الفن بالعقم !
أحمد شاكر عبد اللطيف

أحمد شاكر عبد اللطيف

في الفن، من الطبيعي أن يفضّل المخرج ممثلين يفهمون طريقته، وأن يكرر المنتج التعاون مع فريق يثق فيه. هذا يحدث في كل أنحاء العالم، ولا خلاف عليه؛ لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاون المهني إلى ما يشبه (النادي المغلق)، حيث تصبح الفرصة متاحة فقط لمن ينتمي إلى الشلة نفسها، بينما يُعامل الآخرون وكأنهم غير موجودين، مهما امتلكوا من موهبة أو تاريخ.

السؤال هنا ليس عاطفياً ولا انتقامياً، بل مهني بامتياز: هل الوسط الفني المصري اليوم يدار بمنطق المنافسة المفتوحة، أم بمنطق (أصحابي أولى)، وهل أصبحت العلاقات أقوى من الموهبة، والولاء أهم من الإبداع؟

اللافت أن أصوات الاحتجاج لم تعد تأتي من أسماء هامشية أو مغمورة، بل من قامات فنية معروفة.. الموهوب جداً (أحمد شاكر عبد اللطيف)، الذي تألق في بطولة المسلسل الهادف (مشرفة رجل لهذا الزمان) عن حياة العالم (علي مصطفى مشرفة).

كما تألق في بطولة مسلسل (أسمهان) من خلال أدائه لشخصية شقيقها (فريد الأطرش) وتألق في العديد من الأعمال لا نرى له أعمالاً منذ فترة وكأنهم حكموا على موهبته بالإعدام وعليه بالنفس والإقصاء.

الكبير والقدير الراحل (عبد الرحمن أبو زهرة) عبّر بوضوح قبل وفاته عن استيائه من عدم الاستعانة بجيل الفنانين الكبار، وقال إنه شعر بالعزلة الفنية وأن الأدوار المعروضة لم تعد تليق بتاريخه الفني والأمر ذاته اشتكى من القدير (رشوان توفيق).

الفنان (توفيق عبد الحميد) تحدث أكثر من مرة عن معاناته من قلة العمل والابتعاد عن الساحة، رغم كونه أحد الممثلين الذين صنعوا حضوراً فنياً محترماً عبر عقود.

(سهام جلال) ماتت وهى مقهورة من استبعادها لأسباب غير معلومة وقبل وفاتها تداولت تصريحات لها عن ابتعادها عن الساحة وقلة العروض، وجرى ربط ذلك بحالة التهميش التي يعانيها بعض الفنانين خارج دوائر الإنتاج الكبرى.

الموهوبة (مروة عبد المنعم) أثارت جدلًا واسعاً بعد منشورات تحدثت فيها عن الضائقة المهنية وقلة العمل، بصورة فهمها كثيرون كاستغاثة من واقع الوسط الفني. (حنان شوقي) تحدثت علنًا عن تجاهل بعض الفنانين واستبعادهم، وناشدت الجهات الرسمية التدخل لحماية الفنانين الذين (يجلسون في بيوتهم) بلا عمل، بحسب تصريحاتها.

محمود حسونة يكتب: (الشللية).. داء يقتل المواهب ويهدد الفن بالعقم !
محمد جلال عبد القوي

محمد جلال عبد القوي

(مشيرة إسماعيل) تحدثت عن الغياب الطويل عن الساحة وشعورها بأن الزمن تغيّر فنيًا، مع قلة الفرص المعروضة عليها.. أحمد عزمي تم استبعاده بعد خروجه من السجن ولم يعد سوى بعد الذهاب لمسؤول كبير في المتحدة للخدمات الإعلامية راجياً.

المؤلف الكبير الذي عشنا مع أعماله أيام وليالي المجد الفني (محمد جلال عبد القوي) انتقد استبعاد أعمال له، معتبراً أن الصناعة لم تعد تمنح فرصاً متنوعة كما في السابق، وكذلك الكبير (محمد صفاء عامر) الذي تحدث مراراً عن أزمة الدراما وتقليص عدد الأعمال وسيطرة شركات كبرى على السوق، بما انعكس على فرص كتاب وممثلين كثيرين.

هؤلاء مجرد نماذج لمبدعين ومواهب حقيقية مستبعدة فنياً لأسباب غير مفهومة، يشكون التهميش وتجاهل شركات الإنتاج، وكأن تاريخهم الفني أصبح بلا قيمة في سوق لا يعترف إلا بمن هم داخل الشلة أو الدائرة المغلقة.

الأخطر من الظلم الذي يقع على هؤلاء المستبعدين أن (الشللية) تقتل التنوع.. الفن لا يعيش بالتكرار، ولا يزدهر عندما تدور الصناعة داخل الحلقة نفسها.. حين تُغلق الأبواب أمام وجوه مبدعة، وأفكار مختلفة، وأساليب كتابة وإخراج متنوعة، يصبح المشهد كله فقيراً، حتى لو بدا من الخارج لامعاً ومزدحماً بالإنتاج.

ولهذا ليس غريباً أن يشعر قطاع من الجمهور بالملل.. كثيرون صاروا يشتكون من التشابه بين الأعمال، ومن الوجوه التي تظهر في كل موسم، ومن الإحساس بأن الصناعة تدور في دائرة مغلقة لا تسمح بدخول هواء جديد. المشكلة ليست أن بعض النجوم ينجحون ويستحقون النجاح، بل أن الفرصة نفسها تبدو غير متكافئة منذ البداية.

البعض يبرر ذلك بمنطق السوق: المنتج حر، والدراما صناعة مكلفة، ومن حقه أن يراهن على أسماء مضمونة؛ لكن هذا التبرير يصبح هشاً عندما تتحول (الأسماء المضمونة) إلى احتكار غير معلن، وعندما يُقصى أصحاب الخبرة والموهبة فقط لأنهم خارج الشبكة المناسبة من العلاقات.

ربما تكون المأساة الأكبر أن بعض الفنانين لا يموتون فنياً بسبب ضعفهم، بل بسبب الإهمال.. هناك أسماء اختفت لا لأن الجمهور رفضها، بل لأن أحداً لم يمنحها فرصة، وكم من موهبة تآكلت بصمت بعيداً عن الأضواء، لا لشيء سوى أنها لم تكن جزءاً من الشلة المناسبة.

الدفاع عن العدالة في الوسط الفني ليس دفاعاً عن أشخاص بعينهم، بل عن فكرة الفن نفسها، فالصناعة التي تكافئ القرب أكثر من الكفاءة، وتحصر الفرص في دائرة مغلقة، تحكم على نفسها بالتكرار والتراجع مهما بدا بريقها لامعاً.

يبقى السؤال المؤلم: كم موهبة خسرناها لأن باب الفرصة كان موصداً؟.. وكم فناناً انسحب بصمت، لا لأنه فقد القدرة، بل لأنه أدرك أن الموهبة وحدها لم تعد كافية؟.. وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فقد نجد أنفسنا أمام فن كثير الضجيج، قليل الروح، تحكمه العلاقات الشخصية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.