(جرش) في عامه الأربعين.. حين يلتقي عبق التاريخ بسحر الموسيقى ونجوم العرب

كتب: حسام عطية
فتحت مدينة (جرش) الأثرية أبوابها مساء أمس الأربعاء، لا ليكون المشهد مجرد انطلاق دورة جديدة من مهرجان جرش للثقافة والفنون، بل كانت المدينة على موعد مع حكاية عمرها أربعون عامًا، حكاية مهرجان تحول على مدار عقود إلى واحد من أهم المواعيد الفنية والثقافية على خريطة العالم العربي، وارتبط اسمه بذاكرة الجمهور، وبأسماء نجوم كبار حلموا بالوقوف على مسارحه.
من بين أعمدة التاريخ وحجارة المدينة الأثرية، بدأت الدورة الأربعون للمهرجان تحت الرعاية الملكية السامية، حاملة شعار (إرثٌ يمتد.. أجيالٌ تلتقي) في احتفالية تسعى إلى استعادة ذاكرة أربعة عقود من الإبداع، وفي الوقت نفسه فتح نوافذ جديدة أمام الفن الأردني والعربي.
وأقيم حفل الافتتاح على المسرح الشمالي في مدينة (جرش) الأثرية، بحضور رسمي وفني وجماهيري، حيث ألقي وزير الثقافة ورئيس اللجنة العليا للمهرجان مصطفى الرواشدة الكلمة الرسمية، فيما ألقي رئيس لجنة بلدية جرش الكبرى محمد بني ياسين كلمة المجتمع المحلي.
لكن الكلمات الرسمية لن تكون وحدها بطلة المشهد، فـ (جرش) التي اعتادت أن تتحدث بلغة الفن، أعدت عرضًا افتتاحيًا خاصًا للاحتفاء ببلوغ المهرجان عامه الأربعين، في رحلة موسيقية وبصرية تستعيد تطور الموسيقى الأردنية.
بداية من الموروث الشعبي والفلكلوري، مرورًا بالموسيقى المستقلة والبديلة، وصولًا إلى التجارب المعاصرة التي استطاعت أن تحمل الصوت الأردني إلى المسارح العربية والعالمية.

عمر العبد اللات نجم الافتتاح
وفي قلب الاحتفالية الأربعينية، حضر عمر العبد اللات، الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بمهرجان (جرش)، ليقدم حفل الافتتاح الرسمي، ويحمل حضور العبداللات هذه المرة دلالة خاصة، إذ يسجل مشاركته السادسة عشرة على مسارح المهرجان، ليواصل بذلك حضوره الاستثنائي في تاريخ جرش، باعتباره من أكثر الفنانين الأردنيين والعرب مشاركة في فعالياته.
وبالنسبة للعبداللات، لا يمثل الوقوف على مسرح جرش مجرد حفل غنائي جديد، وإنما هو لقاء متجدد مع جمهور ارتبط به على مدار سنوات طويلة، ومسرح يحمل مكانة خاصة في الوجدان الأردني والعربي.
وشاركه عدد من أبرز الفنانين الأردنيين الذين يمثلون أجيالًا ومحطات مختلفة في مسيرة الأغنية الأردنية، منهم (حسين السلمان، عزيز مرقة، نداء شرارة، وعصام النجار، وغيرهم من الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح المشهد الغنائي الأردني.
وتحمل هذه المشاركة دلالة خاصة، فالمهرجان لا يحتفل فقط بأربعين عامًا من تاريخه، بل يحتفي أيضًا بتاريخ الأغنية الأردنية نفسها، وبالأصوات التي حملتها من فضائها المحلي إلى آفاق عربية أوسع.
وفي لحظة تختصر معنى الوفاء للذاكرة، شهد حفل الافتتاح تكريم رمزين من رموز التراث الموسيقي الأردني والعربي، الفنانة سميرة توفيق، والفنان الراحل عبده موسى، في احتفاء يجمع بين جيلين وذاكرتين، ويؤكد أن المهرجان الذي ينظر إلى المستقبل لا ينسى الذين صنعوا جذور الحكاية.
جدير بالذكر أنه على مدار أربعين عامًا، ظل مهرجان (جرش) مختلفًا عن كثير من المهرجانات، ليس فقط بسبب أسماء النجوم الذين مروا على مسارحه، وإنما لأن فعالياته تقام في مدينة أثرية تحمل في حجارتها ذاكرة الحضارات.
ولهذا تبدو تجربة (جرش) أشبه بلقاء نادر بين الفن والتاريخ؛ فالجمهور لا يذهب فقط للاستماع إلى مطربه المفضل أو مشاهدة عرض فني، لكنه يعيش تجربة كاملة داخل مدينة أثرية تتحول خلال أيام المهرجان إلى مساحة نابضة بالحياة.
ومن هنا، سعت إدارة الدورة الحالية إلى تطوير تجربة الزائر، من خلال عروض ضوئية ثلاثية الأبعاد عند بوابة هادريان، وإعادة تصميم الساحة البيضاوية، وإضافة مساحات جديدة للجلوس والاستراحة، إلى جانب تحسين الخدمات داخل مواقع الفعاليات.
كما شهدت الدورة الحالية استحداث مسرح (الهيبودروم) الذي يتسع لنحو ثلاثة آلاف شخص، ليصبح إحدى الوجهات الجديدة أمام جمهور المهرجان، إضافة إلى تطوير المسرحين الشمالي والجنوبي.

نجوم العرب على مسارح جرش
ويقول المدير التنفيذي لمهرجان (جرش) للثقافة والفنون يزن الخضير إن الدورة الحالية تحمل مجموعة من الإضافات التي تستهدف تحسين تجربة الجمهور وتعزيز حضور المنتج المحلي، مؤكدًا انفتاح إدارة المهرجان على وسائل الإعلام والنقد البناء، والعمل على تقديم دورة تتمتع بدرجة عالية من التنظيم والشفافية.
وكما اعتاد الجمهور، تحمل الدورة الأربعون حضورًا عربيًا لافتًا، مع مشاركة مجموعة من كبار نجوم الغناء والفن، من بينهم تامر حسني، إليسا، جورج وسوف، مروان خوري، ماجدة الرومي، وعبادي الجوهر، إلى جانب أسماء أخرى.
ويحتضن المسرح الجنوبي حفلات عدد من كبار المطربين، بينما يحتفظ المسرح الشمالي بمساحته الخاصة للفن الأردني، ليبقى صوت الأردن حاضرًا بقوة في دورة تحمل عنوانًا احتفاليًا بامتياز.
ولا يقتصر البرنامج على الموسيقى والغناء، إذ يشهد المهرجان عروضًا مسرحية وفنية متنوعة، من بينها عروض لفرقة كراكلا الشهيرة، ومسرحية (أم كلثوم) إلى جانب عروض للفرقة الشركسية، وغيرها من الفعاليات التي تمنح المهرجان طابعًا متعدد الفنون، وتتجاوز فعاليات الدورة الأربعين 22 فعالية فنية وثقافية، تمتد من الموسيقى والمسرح إلى الفنون الشعبية والتشكيلية والأنشطة الثقافية.
ولا يغيب البعد السياحي عن الدورة الجديدة لمهرجان (جرش)، إذ ينظر القائمون على المهرجان إلى جرش باعتباره أحد أهم النوافذ التي تقدم الأردن للعالم، خاصة أن اجتماع الفن مع المدينة الأثرية يمنح الزائر تجربة تتجاوز حدود الحفل.
وأكد أمين عام وزارة الاتصال الحكومي الدكتور زيد النوايسة أن المهرجان يعكس صورة مشرقة عن الأردن، ويسهم في الترويج للمملكة سياحيًا وثقافيًا، باعتباره حدثًا يجمع بين الإبداع والمكان.
وفي ملف النقل، عملت إدارة المهرجان على توفير وسائل نقل من العاصمة عمان وعدد من المحافظات إلى جرش، إلى جانب حافلات مكوكية داخل المدينة، وخدمات نقل عبر التطبيقات الذكية، بهدف تسهيل وصول الجمهور إلى مواقع الفعاليات وعودته منها.
كما رفعت الإدارة عدد المرافق الصحية داخل الموقع من ستة إلى ستة عشر مرفقًا، استنادًا إلى ملاحظات الجمهور والمجتمع المحلي، في إطار خطة لتحسين مستوى الخدمات.


شريك في رحلة الأربعين عامًا
وتواصل الملكية الأردنية شراكتها مع مهرجان جرش، بعدما تم اعتمادها ناقلًا رسميًا للضيوف والوفود العربية والعالمية المشاركة في الدورة الأربعين.
وتأتي هذه الشراكة باعتبار أن المهرجان والناقل الوطني يمثلان معًا صورة الأردن الثقافية والسياحية، حيث تتولى الملكية الأردنية نقل الفنانين والفرق الموسيقية والوفود المشاركة من مختلف الدول إلى المملكة.
وتؤكد هذه الشراكة أن مهرجان (جرش) لم يعد مجرد حدث فني، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا تتقاطع فيه الثقافة مع السياحة والاقتصاد والترويج للأردن.
أربعون عامًا.. والحكاية مستمرة
وبعدما تنطفأت أضواء الافتتاح، وتبدأ الموسيقى في الانطلاق بين أعمدة جرش القديمة، سيكون المشهد أكبر من مجرد دورة جديدة.
أربعون عامًا مرت على مهرجان استطاع أن يحول مدينة أثرية إلى واحدة من أشهر منصات الفن العربي، وأن يجعل من الوقوف على مسارحه حلمًا لكبار الفنانين، وموعدًا ينتظره الجمهور عامًا بعد آخر.
وفي دورته الأربعين، يبدو أن (جرش) اختار أن يحتفل بالماضي دون أن يعيش فيه، وأن يكرم رموزه دون أن يغلق الباب أمام الأجيال الجديدة.
من سميرة توفيق وعبده موسى إلى عمر العبداللات ونجوم الأغنية الجديدة، ومن التراث الشعبي إلى الموسيقى المعاصرة، ومن المسرح إلى الفنون التشكيلية، ومن المنتج المحلي إلى الضيوف القادمين من خارج الأردن، تمتد الحكاية في مساحة واحدة.
هنا (جرش).. حيث لا يغادر التاريخ المسرح، وحيث تواصل الموسيقى كتابة فصل جديد من حكاية عمرها أربعون عامًا.