رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

وائل شفيق يكتب: (وحيد حامد) وأيامه (السوداء) !

وائل شفيق يكتب: (وحيد حامد) وأيامه (السوداء) !
كان فيلم (البريء) هو اللحظة الفارقة التي كشفت عن جوهر المشروع
وائل شفيق يكتب: (وحيد حامد) وأيامه (السوداء) !
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

(وحيد حامد) ليس مجرد اسم على تترات الأفلام، بل هو سؤال معلق في ذاكرة السينما المصرية لم يُحسم بعد.. كانت أعماله تتجاوز شاشة العرض إلى وعي الناس، ترسم لهم حدوداً جديدة للوطن والسلطة والبطولة.. ولأن الفن مسؤولية بقدر ما هو إبداع، فإن إعادة النظر في إرثه تصبح واجباً لا مجاملة فيه.

كان فيلم (البريء) هو اللحظة الفارقة التي كشفت عن جوهر المشروع.. فيه صوِّر العسكري المصري كائناً بلا وعي، يُساق إلى القمع ثم يُدفع إلى التمرد الدموي. أي دراما هذه التي تجعل من إطلاق النار على رفاق السلاح خاتمة؟

إنها ليست حبكة، بل سقطة وطنية روّجت، تحت غطاء الفن، لأفكار الجماعات التي تريد هدم المؤسسة من داخلها.. والشجاعة الحقيقية يومها لم تكن للكاتب (وحيد حامد) الذي خط النهاية الأصلية، بل للنظام الذي رفضها وطالب بتعديلها؛ فالسماح بالعرض بعد الحذف كان تساهلاً لا يُحسب للكاتب.

لأن النص الأول كان يستوجب المساءلة، لا التصفيق. فالتحريض على العنف ليس وجهة نظر، بل جريمة لا يحميها ستار الإبداع.

من هنا يتكشف الوجه الآخر للكاتب (وحيد حامد) الذي قدم نفسه مفكراً جريئاً ومحللاً سياسياً. الواقع أن وحيد حامد كان يرسم لنفسه بعناية صورة المؤلف الذي لا يهاب، بينما كانت عينه على شباك التذاكر لا على ضمير الأمة.. أفلامه التي ملأت حساباته البنكية ملايين الجنيهات لم تملأ رصيد الفن بمثلها.. الشجاعة لا تُقاس بعدد التذاكر المبيعة، ولا تُمنح لمن يجيد تسويق الغضب.

ويبقى التناقض الأكبر شاهداً عليه: رجل يعلن عداءه للإرهاب، ثم يضع في كل عمل له لبنة في جدار الكراهية للمؤسسة.. كيف تحارب التطرف وأنت لا تكف عن تصوير رجال الشرطة كجلادين، والدولة كمعتقل كبير، والسلطة كغول لا يشبع؟ النتيجة لا تحتمل التأويل: زرع الريبة في النفوس، وتقديم المبرر الجاهز لكل حاقد.

والمؤسف أن جوقة النقاد ظلت تعزف له لحن المديح، لا لعبقرية النص، بل لتشابك المصالح والعلاقات الأسرية التي نسجها في قلب الإعلام والفن.. وكان آخر تقاسيم هذا اللحن فيلم (وحيد وأيامه)، الذي خرج من رحم الشركة المتحدة ليُكرم أعمالاً كارثية شوهت المفاهيم قبل أن تشوه الشاشة.

وائل شفيق يكتب: (وحيد حامد) وأيامه (السوداء) !
الدولة المصرية لا تزال تدفع ثمن تلك الادعاءات التي تسللت إلى الوجدان عبر شاشة مضاءة

حكاياته عن بطولاته المزعومة

أما حكاياته عن بطولاته المزعومة، فهي أوهن من أن تثبت أمام أول سؤال.. يروي (وحيد حامد) في لقاء تلفزيوني أنه شارك في مظاهرة، وأثناءها ضربه على ظهره عسكري أمن مركزي من قريته.

حين التفت إليه سائلاً: (لماذا تضربني؟)، أجابه العسكري: (لأنك من أعداء الوطن).. هكذا ببساطة، جعل من نفسه ضحية، ومن بلدياته جلاداً، ومن الحادثة شرارة لفيلم (البريء).

لكن الرواية تسقط في فخ الغموض المتعمد: متى كانت هذه المظاهرة؟ ضد من خرجت؟ من يشهد عليها غيره؟ لا تاريخ، لا سياق، لا دليل.. قصة تُحكى لاستدرار التعاطف وصناعة هالة الثائر، لا لإثبات واقعة.

فكيف يدعي الثورية من عاش عمره مواليًا للنظام، وتُوّجت مسيرته بالتعيين في مجلس الشورى عام 2007؟ البطولة الملفقة لا تخلق مفكرًا، بل تصنع وهمًا يقتات على ذاكرة مغشوشة.

وفوق ذلك كله، فإن بذرة (البريء) لم تكن بكراً.. سبقها (الصول عبد المعطي) في (احنا بتوع الأتوبيس) بنفس الملامح: الريفي الساذج الذي يتحول إلى سوط في يد القمع. التكرار ليس إبداعاً، والتقاط النمط الجاهز وتسميمه ليس عبقرية.. الفيلمان سيئان، والثاني أسوأ، لكنهما من معين واحد.

الخلاصة: أن الدولة المصرية لا تزال تدفع ثمن تلك الادعاءات التي تسللت إلى الوجدان عبر شاشة مضاءة.. آن لها أن تكف عن مجاملة اسم وأسرة لهما من النفوذ ما يكفي لفرض سردية واحدة.. التكريم حق لمن بنى، لا لمن هدم.. والفن الذي يزرع الكراهية لا يستحق أن يُرفع إلى مرتبة التقدير.. فالمحاسبة لا تسقط بالتقادم، والوطن أبقى من كل ادعاء فني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.