رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 عصام السيد يكتب: مع السلامة يا أستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)

 عصام السيد يكتب: مع السلامة يا أستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)

 عصام السيد يكتب: مع السلامة يا أستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)
جلست أراقبه وهو يتدرب من أجل المشاركة في بطولة مسرحية الكاتب الكبير عبد الرحمن شوقي (ملك الغجر)

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

لا أذكر على وجه التحديد متى بدأت محبتى لموهبة الفنان الكبير (عبد الرحمن أبو زهرة)، فلقد كنت منذ طفولتى من مرتادى المسارح والسينمات بفضل تفتّح أسرتى وإيمانها بأن الفن والأدب من مكونات الشخصية السوية.

لذا شاهدت كثيرا من المسرحيات على المسرح أو من خلال شاشة التليفزيون التي كانت تذيع المسرحيات بشكل دورى – على عكس هذه الأيام – فقد كانت هناك عشر فرق مسرحية تابعة للتليفزيون، وتقدم إنتاجا متنوعا ما بين الاجتماعي والمصري والعالمي والكوميدي والحديث والاستعراضي، و يذاع هذا الإنتاج كله بعد فترة عرض قصيرة.

وبرغم مشاهدتى للعديد من الممثلين في مسرحيات مختلفة إلا أن الفنان الكبير (حمدى غيث) استولى على إعجابي الشديد، وصار مثلا أعلى لي لفخامة أدائه وقدرته على تجسيد المعاني والأحاسيس، فقد كنت أقف أمام المرآة أقلده كلما شاهدت له عملا.. وشيئا فشيئا – ومع سنوات النضوج – لفت نظرى ممثلون آخرون يملكون إيقاعا مختلفا وطريقة أكثر بساطة، منهم الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة).

وعندما كنت طالبا في الجامعة أتيحت لي عدة فرص لمعاصرة بعض بروفات المسرحيات على المسرح القومي، بل واشتركت في بعضها عضوا في الجوقة أو أحد أفراد (المجاميع)، حيث كان ذلك شرفا ما بعده شرف، فمن حولك هم طلاب معهد الفنون المسرحية، أو نجوم مسرح الجامعة وأحيانا بعض شباب الممثلين بالمسرح.

ولاحظت في ذلك الوقت أنه جرى العرف على إسناد دور البطولة لـ (عبد الرحمن أبو زهرة)، خاصة إذا كانت المسرحية بالفصحى.. حتى أن زملاؤه أطلقوا عليه (عبد الرحمن بن أبى زهرة ) لتمكنه من اللغة و سلاسة نطقها وكأنها عامية بسيطة وسهلة.

كما لاحظت ارتباطا فنيا بين (عبد الرحمن أبو زهرة) والمخرج الكبير( كرم مطاوع)، حيث قدم معه دورين من أحلى أدواره على المسرح القومى في مسرحيتى (ليلة مصرع جيفارا) ثم  (النسر الأحمر)، وبعدهما بسنوات قدم معه (أنشودة الدم).. ويبدو أن ارتباطهما كان وثيقا حتى أن (الأستاذ كرم) عندما أنتج بعض الاعمال المسرحية لقنوات عربية كان دور البطولة فيها لـ (عبد الرحمن أبو زهرة).

 عصام السيد يكتب: مع السلامة يا أستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)
ما لا يعرفه كثيرون أن موهبة (عبد الرحمن أبو زهرة) لم تتوقف عند التمثيل فحسب، بل هو مخرج مسرحى بارع

مخرج مسرحى بارع

ما لا يعرفه كثيرون أن موهبة (عبد الرحمن أبو زهرة) لم تتوقف عند التمثيل فحسب، بل هو مخرج مسرحى بارع أيضا، فما زلت أذكر له إخراجه الفذ لمسرحية (دائرة الطباشير القوقازية)، لبرتولد بريشت التي أخرجها في أوائل السبعينات لفرقة جامعية ضمن مسابقة الفنون المسرحية للجامعات، وعرضت على المسرح القومى في أحد الأيام ظهرا.

فلقد جلست منبهرا  طوال العرض بالحلول الإخراجية التي قدمها. و لكنه للأسف لم يمارس الإخراج على مستوى الاحتراف.

بعدها بسنوات جلست أراقبه من بعيد وهو يتدرب يوميا من أجل المشاركة في بطولة مسرحية الكاتب الكبير عبد الرحمن شوقي (ملك الغجر) التي قدمتها الفرقة الغنائية الاستعراضية  من إخراج الدكتور حسن ليل، والتي كنت صاحب اقتراح تقديمها في الفرقة.

في ذلك الوقت رأيت فنانا في غاية الالتزام، يأتي إلى المسرح ظهرا ويغادره بعد منتصف الليل، ويقضى تلك الساعات ما بين تدريبات لياقة بدنية، وحفظ ألحان وبروفات تمثيل ومشاركة في الاستعراضات.

وعندما قدمت أولى أعمالى على المسرح القومي مسرحية (عجبي) من بطولة  صديق عمره الفنان الكبير (نبيل الحلفاوي) نقل لى الأستاذ نبيل إعجاب (عبد الرحمن أبو زهرة) بالعمل، وبعد أن قدمت (أهلا يا بكوات) على نفس المسرح آتتنى الجرأة أن أطلب الأستاذ أبو زهرة في عمل من إخراجى و هو عرض (منمنمات تاريخية) للراحل العظيم (سعد الله ونوس).

ولأن العرض كان يشمل عدة خطوط أو حكايا متجاورة، كانت بروفات مشاهد الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) لها موعد محدد في يوم الجمعة من كل أسبوع بسبب ارتباطه بتصوير مسلسل، والحقيقة أننى أكبرت له إصراره على المشاركة في العرض برغم مشغولياته وبرغم صغر حجم الدور.. إلا ان العلاقة بيننا لم تتوثق، لأننا لم نحتك طويلا فى البروفات وانتهت المسرحية والعلاقة بيننا فى حدود العمل فقط .

وعندما شرعت فى إخراج الشريط الصوتى لفيلم (الأسد الملك) لشركة (والت ديزني)، كان هو المرشح الاول لدور (سكار)، لأنها شخصية مركبة، حيث كان الأداء فى الجزء الأول من الفيلم يتسم  بسخرية مبطنة وتواضع مصطنع مغلف بغضب مكتوم  وحقد متوارى .

 عصام السيد يكتب: مع السلامة يا أستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)
كان قادرا على أداء الشخصية بروعة شديدة

صوت آمر ممتلئ بالقوة والجبروت

عكس الجزء الثانى – بداية من اتفاقه مع الضباع على المؤامرة – فينطلق حقده المكتوم إلى شر مطلق وصوت آمر ممتلئ بالقوة والجبروت.. فرأيت في موهبة (عبد الرحمن أبو زهرة) القدرة على التعبير عن كل هذه التناقضات والحالات المتغيرة، خاصة وأن من قام بالدور في النسخة الإنجليزية هو الممثل (جيرمى أيرونز)، الحائز على جائزة الاوسكار وجائزة (إيمي) مرتين.

وهى جائزة تساوى الأوسكار، ولكنها مخصصة للأعمال التليفزيونية، وجائزة الجولدن جلوب التي تمنحها الصحافة للأعمال والشخصيات المميزة فنيا.

ولا أنكر أن الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) كان قادرا على أداء الشخصية بروعة شديدة ولكننى كنت دائما ما أطلب منه الأفضل وأدفعه لمزيد من الإجادة ، حتى أنه انفجر ذات مرة و أعلن أنه لن يكمل العمل، خاصة فى وسط هذا الجو الحار داخل الاستوديو – فقد كنا نغلق التكييف داخل الاستوديو اثناء التسجيل.

وقال الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) غاضبا: ما أسهل على المخرج (يقصدنى أنا) أن يطلب الإعادة مرارا وتكرارا وهو جالس فى التكييف، بينما الممثل (يقصد نفسه ) يعاني و ينصهر فى الحر.. قلت له: طيب اقعد ارتاح شوية وهنشغل التكييف.

استمر الأستاذ فى انفعاله معلنا عن سخطه فى مونولوج طويل، و لم أعرف كيف أرد عليه أو أوقف تدفقه، و فى وسط ثورته وجدتنى أقول له بعفوية شديدة : اهدى بس يا (عبده).

فجأة ضحك الأستاذ وقال فى اندهاش: (عبده)؟ جبتها منين دى؟.. ماحدش بيقولى يا (عبده) إلا مراتى فى البيت.

قلت له: خلاص اعتبر نفسك فى البيت، ارتاح شوية واشرب حاجة ساقعة ولو تعبان مش هنكمل النهاردة.

خرجت حائرا من الاستوديو، لا ادرى كيف أتصرف، وحاولت الاستعانة بالاستاذ عبد الرحمن شوقى – صاحب الصياغة العامية للفيلم – لتهدئة ثائرته، فهما أصدقاء ومن جيل واحد.

ذهبت لمكتب العم (عبد الرحمن) في الاستوديو أبلغه بغضب (عبد الرحمن أبو زهرة)، وأنه يهدد بالانسحاب، فطلب منى أن أعود إلى الاستوديو، وأنه سيلحق بى.. و عندما عدت كانت هناك مفاجأة لم أتوقعها على الإطلاق.

وللحديث بقية..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.