(رشدي أباظة).. الدنجوان الذي كاد أن يصبح مدير فندق بدلًا من أسطورة سينمائية!


كتب: أحمد السماحي
في حياة النجوم حكايات كثيرة لا يعرفها الجمهور، بعضها يظل حبيس الكواليس، وبعضها تكشفه صفحات المجلات القديمة بعد مرور عشرات السنين، لكن هناك حكايات تبدو اليوم أقرب إلى المفاجأة، خاصة عندما يكون بطلها واحدًا من أشهر نجوم السينما المصرية والعربية.. الدنجوان (رشدي أباظة).
نحيي هذه الأيام الذكرى الـ 46 لرحيل أسطورة الأبيض والأسود الدنجوان (رشدي أباظة)، الذي لم يكن مجرد اسم قديم نضعه في خانة (زمن الفن الجميل) ثم نغلق عليها الباب، إنه واحد من أولئك النجوم الذين امتلكوا قدرة نادرة على اختراق الزمن.
نجم مات منذ 46 عاما، لكن صورته لم تمت، وصوته لم يختف، وحضوره لم يتراجع، فمنذ ظهوره الأول، امتلك (رشدي أباظة) ذلك السحر النادر الذي لا يمكن صناعته أو افتعاله، كان صاحب كاريزما استثنائية، وحضور طاغٍ، وابتسامة قادرة على اختصار كثير من الكلمات.
ووسامة، ورجولة، وصوت مميز يملك إيقاعًا خاصًا، خصوصًا عندما يتحدث بسرعة أو يهمس، وكأنه يعرف جيدًا كيف يستخدم صوته وحضوره في صناعة شخصية لا تنسى.
لكن وسامة (رشدي أباظة) لم تكن وحدها سر بقائه، فلو كانت الوسامة كافية لصناعة النجوم، لامتلأت السينما بمئات الدنجوانات الذين اختفوا بمجرد أن تغيرت الموضة وتبدلت ملامح الزمن.


128 فيلمًا من ذاكرة السينما
خلال مسيرته، شارك (رشدي أباظة) في عدد كبير من الأفلام، يقترب من 128 فيلمًا، وهو رقم يعكس حجم حضوره واستمراريته، لكن قيمة التجربة ليست في العدد وحده، وإنما في قدرة هذا الفنان على أن يترك بصمته في عدد كبير من الأعمال، وأن يتحول إلى عنصر جذب جماهيري دائم.
كان الجمهور يذهب إلى الفيلم من أجله، ويترقب ظهوره، ويتابع أخباره، ويتعامل مع حياته الخاصة باعتبارها امتدادًا لصورة النجم على الشاشة، وهنا تداخلت حياة (رشدي أباظة) الشخصية مع صورته الفنية.
فالرجل الذي كان (دنجوانًا) على الشاشة أصبح في نظر الجمهور دنجوانًا في الحياة أيضًا، وتداخلت أخبار زيجاته وعلاقاته مع صورته السينمائية، حتى أصبح من الصعب الفصل بين (رشدي الإنسان)، و(رشدي النجم)، وهذه واحدة من الظواهر التي صنعت أسطورته.
فالجمهور لم يكن يرى ممثلًا يؤدي دور العاشق، بل كان يرى رجلًا يعتقد أنه عاشق بالفعل، ولم يكن يرى البطل القوي فقط، وإنما كان يرى رجلًا يحمل في ملامحه ثقة وقوة جعلته قريبًا من الصورة المثالية التي رسمها الجمهور لفارس الأحلام.
المثير والغريب أن هذا النجم الذي سحرنا بإطلالته وتنوع أدواره، فكر في بداية مشواره الفني أن يترك الفن، ويتجه للعمل في الفنادق، وهذا الخبر نشرته مجلة (الكواكب) في أحد أعدادها عام 1955، تحت عنوان (فن وفنادق).
والحكاية تعود إلى عام 1955، عندما نشرت مجلة (الكواكب) موضوعًا بعنوان لافت هو: (فن وفنادق)، كشفت فيه أن (رشدي أباظة) كان يفكر جديًا في اعتزال الفن، بعدما رأى أن حظه على الشاشة لم يكن بالقدر الذي يستحقه.
وتقول (الكواكب) في روايتها إن رشدي أباظة، الذي وصفته بالشاب (الفارع العود، القوي العضلات)، لم يكن قد حقق في ذلك الوقت المكانة التي وصل إليها فيما بعد، رغم امتلاكه كل المقومات التي تؤهله لأن يصبح نجمًا كبيرًا.
وكان قد حصل على فرصة مهمة عندما اختاره المخرج الإيطالي (آليسدريني) للمشاركة في فيلم (أمينة) الذي قام ببطولته يوسف وهبي، إلا أن رشدي ظل لفترة طويلة في منطقة الأدوار الثانية، وأحيانًا يحصل على البطولة، لكنه ـ وفق ما نشرته المجلة وقتها ـ لم يكن قد تجاوز بعد مرحلة الصف الثاني من النجومية.

الرحيل عن الوسط الفني
وهنا بدأت الأزمة.. فالفنان الذي نعرفه اليوم باعتباره أحد أهم نجوم السينما المصرية، الرحيل عن الوسط الفني كان في منتصف خمسينيات القرن الماضي لا يزال يبحث عن مكانه الحقيقي وسط خريطة النجوم، ولم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ بأن هذا الشاب الذي يفكر في ترك الفن سيصبح بعد سنوات قليلة (دنجوان الشاشة العربية)، لكن الأمر لم يكن مرتبطًا فقط بقلة الفرص أو تأخر البطولة.
فبحسب ما نشرته (الكواكب) كان (رشدي أباظة) نفسه يرى أن هناك أسبابًا أخرى جعلته يفكر في الرحيل عن الوسط الفني، من بينها علاقته بالمال.
المجلة نقلت عنه أنه كان (حييًا وخجولًا) عندما يتعلق الأمر بالأجر، وأنه لم يكن من النوع الذي يدخل في مفاوضات طويلة مع المنتجين حول المقابل المادي، بل إن المفاجأة الأكبر أنه، وفقًا لما نشرته المجلة، كان يوقع عقوده دون أن ينظر حتى إلى بند الأجر!
تصرف قد يبدو اليوم غريبًا جدًا بالنسبة إلى نجم بحجم (رشدي أباظة)، لكنه يكشف جانبًا مختلفًا من شخصية الفنان في بداياته، ويشير إلى أنه لم يكن يتعامل مع الفن باعتباره مجرد مشروع تجاري، أو أن المال هو المحرك الأساسي لاختياراته.
لكن هذه الصفة نفسها ـ بحسب (الكواكب) ـ جعلت بعض المنتجين ينظرون إليه باعتباره (ابن ذوات) لا يهتم كثيرًا بالمال، وبالتالي لم يرتفع أجره عن أجره في أول أفلامه.
وهنا كانت المفارقة.. رشدي أباظة الذي كان يملك الوسامة والحضور واللغة والكاريزما، والذي ينتمي إلى أسرة عريقة، لم يكن قد اكتشف بعد قيمته الحقيقية في سوق النجومية، لكن المفاجأة التي كانت تنتظر رشدي لم تكن في السينما، وإنما في الفنادق!
فقد كشفت (الكواكب) أن فندق (النيل) كان يفاوضه في ذلك الوقت، ويعرض عليه وظيفة كبيرة، وربما وظيفة المدير العام.
والسبب؟ أن العمل في مجال الفنادق كان يحتاج إلى مهارات وخبرات تتوافر في رشدي أباظة، خاصة إجادته لعدد من اللغات، إلى جانب شخصيته الاجتماعية وقدرته على التعامل مع الناس.


الدنجوان أمام طريقين
وهكذا وجد الدنجوان نفسه أمام طريقين.. طريق الفن الذي لم يمنحه بعد ما يستحقه من نجومية أو أجر، وطريق الفنادق الذي كان يفتح أمامه بابًا لوظيفة كبيرة ومستقبل مهني أكثر استقرارًا.
وربما لو كان (رشدي أباظة) قد اتخذ قراره في تلك اللحظة وترك السينما بالفعل، لكانت خريطة الفن المصري قد تغيرت بالكامل.
تخيلوا فقط: رشدي أباظة مديرًا عامًا لأحد الفنادق الكبرى، وليس نجمًا يقف أمام فاتن حمامة وسعاد حسني وشادية وهند رستم وتحية كاريوكا وغيرهن من نجمات السينما!
تخيلوا السينما المصرية من دون (الدنجوان) الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر نجومها حضورًا وتأثيرًا!
لكن يبدو أن القدر كان لديه سيناريو آخر، فالفنان الذي كان يعتقد في عام 1955 أنه لم يحظَ بحظ كبير على الشاشة، أصبح بعد سنوات قليلة واحدًا من أهم نجوم السينما المصرية، وقدم خلال مسيرته ما يقرب من 128 فيلمًا، تنوعت فيها أدواره بين الرومانسي، والشعبي، والشرير، والضابط، وابن البلد، وابن الذوات، والبطل القوي.
ولم يعد (رشدي أباظة) مجرد ممثل يؤدي أدوارًا، وإنما أصبح (حالة) كاملة.
فالجمهور لم يحب وسامته فقط، وإنما أحب طريقته في الكلام، وضحكته، ونظراته، وخفة ظله، وحتى صوته الذي كان يحمل إيقاعًا خاصًا عندما يتحدث بسرعة أو يهمس، لقد تحولت شخصيته على الشاشة إلى صورة مثالية للرجل الذي يجمع بين القوة والرومانسية، وبين الهيبة وخفة الظل.
أجمل مفارقات حياته
وربما كانت أجمل مفارقات حياته أن الرجل الذي فكر ذات يوم في ترك الفن بسبب تأخر نجوميته، أصبح بعد ذلك واحدًا من أكثر النجوم الذين عجز الفن نفسه عن التخلص من صورتهم.
رحل (رشدي أباظة) في 27 يوليو 1980، لكن رحيله لم يكن نهاية حكايته.. مرت 46 عامًا، وما زال الجمهور يشاهد أفلامه، ويتابع مشاهده، ويتداول صوره، ويتحدث عن حياته، وكأن الرجل لم يغادر الشاشة تمامًا.
أما حكاية (فن وفنادق)، فتظل واحدة من القصص التي تكشف أن أساطير الفن لا تولد دائمًا وهي تعرف أنها ستصبح أساطير.
أحيانًا.. يقف النجم في بداية الطريق حائرًا، يبحث عن فرصة، ويفكر في الرحيل، وربما يخطط لمستقبل بعيد تمامًا عن الفن.. لكن رشدي أباظة كان محظوظًا.. فقد اختار في النهاية أن يبقى.. ولو أنه اختار الفندق بدلًا من السينما، لربما عرفناه اليوم مديرًا عامًا ناجحًا.
و(رشدي أباظة) ليس أول فنان تختطفه الفنادق، فقد اختطفت من قبل الفنانة (أمينة نور الدين) التى تدير الآن فندقا تملكه في حي الزمالك.
أحيانًا.. يقف النجم في بداية الطريق حائرًا، يبحث عن فرصة، ويفكر في الرحيل، وربما يخطط لمستقبل بعيد تمامًا عن الفن.. لكن رشدي أباظة كان محظوظًا.. فقد اختار في النهاية أن يبقى.. ولو أنه اختار الفندق بدلًا من السينما، لربما عرفناه اليوم مديرًا عامًا ناجحًا.. لكننا بالتأكيد كنا سنفتقد واحدًا من أهم وأشهر دنجوانات الشاشة العربية.