



بقلم الكاتب: محمد أبو النصر
من الذى يصنع النجم؟
قد يقول البعض إنها الموهبة ويقول آخرون إنه الاجتهاد وقد يضيف فريق ثالث الحظ أو الفرصة، وكل هذه الإجابات صحيحة لكنها لا تكتمل دون عنصر لا يقل أهمية عنها جميعًا، وهو الجمهور الذى يمنح الشهرة قيمتها الحقيقية ويحول الموهبة إلى نجاح والنجاح إلى نجومية و(النجومية الحقيقية) إلى ثروة وتأثير.
ولذلك، عندما يصل النجم إلى هذه المكانة يصبح من الطبيعى أن يُطرح سؤالٌ: كيف يرد النجم الجميل إلى الجمهور الذى كان شريكًا فى صناعة نجاحه؟
وحقيقة لا توجد إجابة واحدة فهناك من يكتفى بأعمال خيرية فردية وهناك من يفضل أن يبقى عطاؤه بعيدًا عن الأضواء، وهناك من يقرر أن يحول جزءًا من نجاحه إلى مؤسسة خيرية حتى يظل أثره مستمرًا بعد انتهاء مسيرته وربما بعد رحيله أيضًا.
وهنا يكمن الفارق، فالعمل الخيرى الفردى عمل نبيل يستحق كل الاحترام، لكنه غالبًا يرتبط بموقف أو حالة إنسانية، بينما المؤسسة الخيرية عمل مستدام له رؤية ورسالة وإدارة تقدم الخدمة المجتمعية لسنوات طويلة.
ولهذا السبب اختار عدد من كبار نجوم العالم أن تتحول شهرتهم أو (النجومية الحقيقية) إلى أثرٍ باقٍ ومن بين هذه النماذج، على سبيل المثال لا الحصر فى مجال الرياضة أسس نجم التنس العالمى (روجر فيدرير) مؤسسة تحمل اسمه لدعم تعليم الأطفال خاصة فى أفريقيا وسويسرا، واستفاد من برامجها ملايين الأطفال من خلال إنشاء المدارس وتدريب المعلمين وتحسين جودة التعليم.
أما نجم التنس العالمى الآخر (نوفاك ديوكوفيتش)، فاختار أن يبدأ من الطفولة المبكرة فأسس مؤسسة خيرية باسمه تهتم بإنشاء وتطوير رياض الأطفال وتحسين فرص التعليم فى صربيا، انطلاقًا من إيمانه بأن الاستثمار فى الطفل هو الاستثمار فى المستقبل.
بينما أسس نجم كرة القدم العالمى (ديدييه دروجبا) مؤسسة خيرية ساهمت فى بناء المدارس ودعم الرعاية الصحية وتمويل مشروعات تنموية فى كوت ديفوار، ليؤكد أن النجم يمكن أن يصنع أهدافًا خارج الملعب أيضًا.



ليوناردو دى كابريو
وفى عالم الفن أسس النجم الهوليودى (ليوناردو دى كابريو) مؤسسة كَرست جهودها لحماية البيئة والحفاظ على الحياة البرية والبحرية، ودعم مشروعات مواجهة تغير المناخ حول العالم.
أما النجمة العالمية فى الغناء الاستعراضى (شاكيرا) فاختارت أن تجعل التعليم رسالتها فأسست مؤسسة ساهمت فى إنشاء المدارس وتوفير فرص التعليم للأطفال فى المناطق الفقيرة، إيمانًا منها بأن التعليم هو الطريق الحقيقى لمواجهة الفقر.
وفى الإعلام قدمت نجمة الاعلام الأمريكى (أوبرا وينفري) نموذجًا مختلفًا عندما أنشأت مؤسسات تعليمية، وقدمت منحًا دراسية وأسست أكاديمية للفتيات فى جنوب أفريقيا لتمنح آلاف الطالبات فرصة حقيقية لبداية جديدة.
واللافت للنظر أن معظم هذه المؤسسات لم تؤسس بعد الاعتزال وإنما فى ذروة النجاح والشهرة وكأن أصحابها أدركوا أن (النجومية الحقيقية) ليست امتيازاً فقط بل مسؤولية تجاه المجتمع أيضًا.
أما فى مصر فعندما نتحدث عن تأسيس المؤسسات الخيرية نجد أن رجال الأعمال وبعض الشخصيات العامة هم الأكثر حضورًا، وعلى سبيل المثال تعد (مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية) أحد أبرز النماذج حيث تنفذ برامج فى التعليم والتنمية الاقتصادية والثقافة.
كما أطلقت (جائزة ساويرس الثقافية) التى أصبحت واحدة من أهم الجوائز الأدبية فى مصر وأسهمت فى اكتشاف ودعم عشرات الكُتّاب والمبدعين الشباب، كما أصبحت مؤسسة مجدى يعقوب للقلب نموذجًا عالمياً للعمل الطبى الخيري، حيث تجرى آلاف جراحات القلب سنويًا مجانًا لغير القادرين فضلًا عن دورها فى البحث العلمى وتدريب الأطباء.
لكننا نادرًا ما نرى نجوماً اتجهوا إلى هذا النوع من العمل المجتمعى المؤسسى خلال مسيرتهم المهنية ففى الفن نجد الفنان (محمد صبحي)، والذى يعد نموذجاً للنجم الذى قرر تبنى العمل المجتمعى بصورة مؤسسية، من خلال مؤسسة (معًا لتطوير العشوائيات) التى تعمل فى مجالات التنمية المجتمعية والارتقاء بالمناطق الأولى بالرعاية وتنفيذ برامج تعليمية وثقافية وتوعوية.


محمد صبحي و(محمد صلاح)
انطلاقًا من إيمانه بأن دور الفنان لا يقتصر على ما يقدمه فوق المسرح أو أمام الكاميرا وإنما يمتد إلى المشاركة فى تنمية المجتمع، كما يأتى فى مجال الرياضة نجم كرة القدم العالمى محمد صلاح، الذى ارتبط اسمه بالعمل الخيرى فى قريته نجريج من خلال جمعية نجريج الخيرية، إلى جانب مساهماته فى دعم عدد من المشروعات الصحية والاجتماعية ومساعدة الأسر الأولى بالرعاية.
ولا تزال هذه النماذج محدودة مقارنة بالنماذج التى نشهدها فى عدد من الدول الأخرى حيث تنتشر فكرة الدور المجتمعى المؤسسى بصورة أكبر بما يساهم فى تنمية مجتمعاتهم بل وتمتد احياناً لمجتمعات أخرى.
ولا يعنى ذلك أن النجم الذى لا يسير على هذا النهج قد أخطأ فذلك شأن شخصى كما أن كثيرًا من النجوم يقدمون أعمالًا خيرية تستحق الاحترام، سواء أعلنوا عنها أو فضلوا أن تبقى بعيدًا عن وسائل الإعلام، والمقال لا يدعو إلى إلزام أحد بشىء وإنما يطرح نموذجًا يرى أنه كلما اتسعت دائرة الاقتداء به ازداد أثره الايجابى على المجتمع.
والغريب أنه في الآونة الأخيرة، ظهرت ظاهرة أخرى فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت بعض الأعمال الخيرية إلى محتوى جماهيري فأصبحنا أحيانًا أمام مشهد يبدأ بالسؤال: أين المصور؟ قبل أن يبدأ بالسؤال: من المحتاج؟
بل إن بعض المواقف تُقدم للجمهور على أنها حدثت بالمصادفة بينما يبدو من تسلسل الأحداث وطريقة عرضها أن الموقف قد رُتب مسبقًا من أجل تحقيق أكبر قدر من المشاهدات والتفاعل، وفى تقديرى أن من سلكوا هذا المسلك خسروا الكثير فالجمهور لديه من الوعى والذكاء ما يكفى لتمييز العفوية من التصنع.
وبالطبع لا يجوز تعميم ذلك فهناك من يقدم الخير بإخلاص بعيدًا عن الأضواء، لكن يبقى الفارق واضحًا بين من يجعل الكاميرا شاهدًا على العمل الخيري ومن يجعل العمل الخيرى وسيلة للوصول إلى الكاميرا.
وفى النهاية: كلما أضاف النجم إلى مجتمعه كان لنجاحه أثرٌ يتذكره الناس من أجله بعد اعتزاله وابتعاد الأضواء عنه.. وهنا تكون (النجومية الحقيقية).