
بقلم المستشار: محمود عطية *
في كل مرة يرحل فيها فنان كبير من جيل الفن الحقيقي، يتجدد السؤال القديم المؤلم عن معنى الوفاء في الوسط الفني وعن القيمة الإنسانية التي بقيت داخل مجتمع صار محكوما بالمصالح والعلاقات العابرة واللقطات المصنوعة أمام الكاميرات لا أمام الضمير، وقد عاد هذا السؤال بقوة بعد الحديث عن ضعف الحضور في جنازة الفنان القدير (عبد الرحمن أبو زهرة).
ذلك الرجل الذي يمثل في ذاكرة المصريين والعرب نموذجا للفنان الملتزم صاحب الموهبة النادرة، والحضور الراقي والسيرة النظيفة والرجل الذي عاش عمره محافظا على وقار الفن واحترام الجمهو،ر دون أن يتورط في صخب الفضائح أو تجارة العلاقات أو حفلات التملق الرخيصة.
ومع ذلك وجدنا من يشتكي من غياب عدد كبير من أهل المهنة عن وداعه الأخير وكأن الوسط الذي أكل من موهبته واحترم تاريخه في العلن لم يجد وقتا لرد الجميل في لحظة الوداع الأخيرة.
الحقيقة أن ما حدث في جنازة (عبد الرحمن أبو زهرة) ليس استثناء بل هو القاعدة التي تكشف طبيعة هذا الوسط منذ سنوات طويلة فمجتمع المشخصاتية كما كان يسمى قديما تحول عند كثيرين إلى سوق ضخم للمصالح لا مكان فيه إلا لمن يملك النفوذ أو المال أو القدرة على فتح أبواب الأدوار والبرامج والإعلانات,
أما الفنان الحقيقي الذي يعيش محترما لموهبته ولتاريخه فقد أصبح في نظر كثيرين شخصا خارج اللعبة لأنه لا يشاركهم سهراتهم ولا يجلس على موائد النفاق ولا يعرف كيف يبيع نفسه في المزادات الاجتماعية التي تحكم العلاقات داخل الوسط.
ولقد كتب كثيرون من قبل عن هذه الظاهرة المؤلمة لكن أحدا لا يريد الاعتراف بالحقيقة الصريحة، وهى أن قطاعا واسعا من الوسط الفني لم يعد تحكمه القيم ولا حتى الزمالة الإنسانية،، بل تحكمه حسابات المنفعة الباردة فمن يملك شركة إنتاج أو نفوذا إعلاميا أو علاقات مالية يجد حوله الحشود والابتسامات والمجاملات.
أما الفنان الكبير الذي يمرض أو يرحل بصمت فلا يجد إلا قلة من الأوفياء الذين يعرفون معنى الأصل والاحترام ولذلك لم يكن غريبا أن تتكرر المآسي نفسها مع أسماء كبيرة رحلت في عزلة أو تجاهل وكأن تاريخها الفني العظيم لا يساوي شيئا أمام سطوة المال والعلاقات.

عزاء (عمر الشريف)
ولنتذكر ما قيل وقت عزاء (عمر الشريف)، ذلك الاسم الذي عرفته السينما العالمية قبل أن يعرف كثير من نجوم اليوم طريق الشهرة، ومع ذلك تحدثت الصحف وقتها عن غياب عدد كبير من الفنانين الذين فضل بعضهم الذهاب إلى عزاء قريب لأحد المنتجين، أملا في التقرب أو الحصول على فرصة أو دور.
بينما تُرك عزاء الفنان العالمي بحضور محدود يليق أكثر بغريب لا برمز فني كبير وهنا تظهر الحقيقة القاسية التي لا يريد البعض سماعها وهي أن كثيرا من العلاقات داخل الوسط الفني ليست علاقات احترام أو تقدير بل علاقات مصلحة مؤقتة تنتهي بانتهاء المنفعة
إن الفنان الملتزم صاحب التاريخ المحترم لا يجد عادة مكانا مريحا داخل عالم تحكمه الشللية والاستعراض والبحث المحموم عن الأضواء ،لأن هذا النوع من الفنانين يذكر الآخرين بما فقدوه من قيمة وانضباط وأخلاق، ولذلك يصبح وجوده محرجا لمن اعتادوا حياة العبث واللهاث وراء المكاسب السريعة.
لقد كان (عبد الرحمن أبو زهرة) واحدا من آخر ممثلي الزمن الجميل الذين تعاملوا مع الفن باعتباره رسالة ومسؤولية وليس مجرد وسيلة للثروة والشهرة، وكان حضوره على الشاشة يحمل هيبة الفنان الحقيقي الذي يحترم أدواته ويحترم جمهوره ولذلك بقي في ذاكرة الناس حتى عندما غاب عن الأعمال الفنية بينما يسقط عشرات النجوم المصنوعين بمجرد أن تتوقف عنهم الأضواء.
المؤلم في الأمر أن كثيرا ممن يتصدرون المشهد اليوم يتحدثون طوال الوقت عن الإنسانية والمحبة والوفاء، ثم يثبت أول اختبار أن هذه الكلمات مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي، فالفنان الذي يملأ الدنيا بكلمات الرثاء على مواقع التواصل قد لا يكلف نفسه حضور جنازة زميل عاش عمره يخدم الفن.
وقد نجد عشرات الصور والمنشورات الباكية بينما يغيب أصحابها عن أداء أبسط واجب إنساني، لأن القضية بالنسبة لكثيرين ليست وفاء حقيقيا بل كيفية الظهور أمام الجمهور بصورة مناسبة.
لقد صار كل شيء داخل هذا الوسط محسوبا بمنطق اللقطة من سيصور ومن سينشر ومن سيستفيد ومن ستزيد أسهمه في السوق، ولذلك لم يعد غريبا أن نرى حضورا كثيفا في حفلات الترف والبذخ والسهرات الصاخبة بينما تغيب الوجوه نفسها عن المستشفيات والجنازات وبيوت العزاء، لأن تلك الأماكن لا تمنحهم البريق الذي يبحثون عنه ولا تحقق لهم المكاسب التي يريدونها

النجاح يقاس بحجم الثروة
إن أزمة هذا الوسط ليست في الفن نفسه بل في التحول الأخلاقي الذي أصابه حين صار النجاح يقاس بحجم الثروة وعدد المتابعين لا بقيمة الموهبة ولا بتاريخ الفنان ولا باحترامه لنفسه ولجمهوره، فكم من فنان عظيم عاش فقيرا أو مريضا أو مهملا بينما يعيش أصحاب الضجيج حياة الملوك فقط لأنهم أتقنوا لعبة العلاقات والظهور الإعلامي.
وهذا يفسر لماذا يشعر كثير من الفنانين الكبار بالغربة داخل الوسط الذي قضوا عمرهم في خدمته، لأنهم يكتشفون متأخرين أن الاحترام الحقيقي يأتي من الناس البسطاء لا من زملاء المهنة
الجمهور نفسه أصبح يرى هذه التناقضات بوضوح، ولذلك لم تعد الصورة اللامعة التي يحاول البعض تصديرها تقنع أحدا، فالناس تعرف جيدا من الفنان الحقيقي ومن الانتهازي ومن صاحب المبدأ، ومن بائع المواقف والجمهور الذي أحب (عبد الرحمن أبو زهرة) لم يحبه لأنه كان نجم حفلات أو بطلا للترند، بل لأنه كان فنانا صادقا محترما يشبه زمن كانت فيه للكلمة قيمة وللمهنة وقار
ومن المؤسف أن بعض أهل الوسط يهاجمون أي نقد يوجه إليهم باعتباره تعميما أو قسوة بينما الوقائع تتكرر بشكل يفضح حجم الأزمة، فكم مرة سمعنا عن فنان مات وحيدا أو احتاج إلى العلاج.
ولم يجد من يسأل عنه وكم مرة رأينا سباقا على حضور حفلات الأغنياء والمشاهير في مقابل تجاهل كامل لفنانين أفنوا أعمارهم في خدمة الفن الحقيقي، إن المشكلة لم تعد مجرد حالات فردية بل صارت ثقافة قائمة على النفعية الباردة وعلى فكرة أن الإنسان يقاس بما يملكه لا بما قدمه
وربما كان أخطر ما في الأمر أن هذه الثقافة تنتقل إلى الأجيال الجديدة التي ترى النجاح في المظاهر لا في القيمة، وترى الشهرة أسرع من الاحترام وترى أن الطريق إلى النجومية يمر عبر العلاقات الصاخبة لا عبر الموهبة والعمل الجاد، وهكذا يصبح الفن نفسه ضحية لأن المناخ الذي يحتقر الوقار والالتزام لا يمكن أن ينتج فنا عظيما أو باقيا.

الفن المصري في زمنه الجميل
لقد كان الفن المصري في زمنه الجميل يحمل رسالة اجتماعية وثقافية، وكان نجومه يعيشون ببساطة واحترام ويعرفون معنى الزمالة الحقيقية، ولذلك بقيت أعمالهم حتى اليوم، أما الآن فقد صار المشهد في كثير من الأحيان أقرب إلى استعراض دائم تحكمه المصالح والتحالفات المؤقتة.
ولهذا لم يعد غريبا أن يشعر الجمهور بالحنين إلى زمن الرواد، لأن الرواد كانوا أكبر من حسابات السوق وأكبر من لعبة المصالح وليس المقصود من هذا الكلام الهجوم على الجميع، فداخل الوسط بالتأكيد نماذج محترمة ووفية تعرف معنى الأصل وتقدر قيمة الكبار.
لكن المشكلة أن هذه النماذج لم تعد هي الصوت الأعلى بينما يسيطر أصحاب الضجيج والاستعراض على الصورة العامة ولذلك تبدو المهنة أحيانا وكأنها فقدت روحها القديمة.
إن الوفاء لا يقاس بعدد المنشورات ولا بالكلمات المنمقة بل بالمواقف الحقيقية والوقوف بجوار الناس في لحظات المرض والضعف والرحيل، وحين يغيب هذا المعنى عن أي مجتمع فإنه يتحول إلى غابة من المصالح مهما بدا لامعا من الخارج.
وربما كانت قصة ضعف الحضور في وداع (عبد الرحمن أبو زهرة) مجرد جرس إنذار جديد يكشف كم تغيرت النفوس، وكم أصبحت القيم الحقيقية نادرة وسط عالم يقدس المال والعلاقات أكثر مما يقدس الموهبة والإنسانية
وسيظل الفرق كبيرا بين فنان عاش محترما في ذاكرة الناس وبين آخر يملك كل الأضواء لكنه لا يترك وراءه سوى الضجيج، فالتاريخ لا يرحم والجمهور قد ينخدع لبعض الوقت، لكنه في النهاية يعرف من يستحق البقاء ومن كان مجرد عابر في زمن صاخب.
ولذلك سيبقى اسم عبد الرحمن أبو زهرة حاضرا بما قدمه من فن وقيمة واحترام بينما ستختفي أسماء كثيرة بمجرد أن تنطفئ عنها الكاميرات ،لأن الفن الحقيقي يعيش بالأثر لا بالاستعراض، ولأن الأصل الطيب يبقى حتى لو قل أهله أما النذالة وقلة الأصل فربما تمنح أصحابها مكاسب مؤقتة لكنها لا تصنع تاريخا ولا تترك احتراما في القلوب.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع