رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
الأعمال التاريخية تستلهم ليس بالإنحياز لصحة السردية التاريخية
فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
عمرو زويتة

بقلم الكاتب والناقد: عمرو زويتة

صحيح أن السينما هى تضافر حزمة من العناصر الفنية المختلفة معا كى تنتج هذا المحتوى المرأى، لكن يبقى أهم عنصر فيها وهو الفكره التى تطرحها من خلال السيناريو والحوار، وهذا لم يتحقق في فيلم (أسد).

فالصورة واللوكيشن والكادرات والملابس والموسيقى وآداء الممثلين وزوايا التصوير إن لم تكن فى خدمة الفكرة الأساسية للعمل تصبح بلا معنى مهما كانت جودتها، وفكرة العمل لو كانت تتعرض لسياق تاريخى، فالتاريخ إن لم يكن يشكل رؤية لفهم الراهن فلا معنى من إستدعاء التاريخ أصلا.

الأعمال التاريخية تستلهم ليس بالإنحياز لصحة السردية التاريخية، بل بإستخلاص رؤية فنية للتاريخ تعكس تشابك الواقع وفهم أوسع لتعقيده، والعمل الذى ينتصر ويستسلم لصحة المرويات هو عمل ساقط بالضرورة، لأنه سيصبح منحازا وسيقع فى فخ الدعاية التاريخية.

فيلم (عمر المختار) لمصطفى العقاد، أو فيلم (القلب الشجاع) لميل جيبسون، أو فيلم (المصير) ليوسف شاهين أو فيلم (سبارتكوس) لستانلى كوبريك.. كل هذه الأعمال تخطت الحدث التاريخى وتجاوزت الشخوص التى تتناولها الى معنى عام يجسد روح المقاومة وحق الوجود.

وأنا هنا أمام عمل لاينبغى مناقشته حول صحة أحداثه التاريخية، ولادوافعه مهما كانت، بل يناقش من خلال رؤيته الفنية، وبهذا المنطق أرى فيلم (الرسالة) لمصطفى العقاد و(آلام المسيح) لميل جيبسون أفلام ضعيفة وفقيرة فنيا رغم الإمكانات الجبارة فى تنفيذها.

وأراهم أفلام وعظية منحازة لاتعكس رؤية فنية معتبرة، عكس تماما مافعله (مارتن سكور سيزي) فى رؤيته الفنية العظيمة عالية الجودة فى فيلم (الإغواء الأخير للمسيح) المأخوذ عن رواية نيقوس كانتزاكس.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
كان من الضرورى أن يخلق السيناريو حافز لتغيير إستسلامه ومحاولة الإنعتاق منه

الفكرة فى أعمال ملحمية

فكرة العمل هى التعاطى مع ذل العبودية ومحاولة الانعتاق منها، هذه الفكرة تم تناولها فى أعمال ملحمية عالمية كبرى، والتحدى الكبير لأى عمل يتعرض لفكرة تم طرحها من قبل هو ماهو الجديد الذى يطرحه وكيفية تنفيذها، هنا لاجديد تم طرحه، بل وتنفيذ الفكرة يوضح مقدار كبير فى خلل بناء الفكرة والشخصيات التى تم تجسيدها.

إبتداءا من شخصية (أسد) الذى بدأ وكأنه مستسلم لفكرة العبودية، بل ومجتهد فى الإذعان والاستسلام لها ومتناغم معها إلا من تعاطف مع الأطفال لكونهم يذكروه بمحنته وتعاطفه مع العبيد، لكن لايوجد بداخله مشروع للتمرد ولا يملك أدوات مؤهله لذلك من أى نوع.

فكان من الضرورى أن يخلق السيناريو حافز لتغيير إستسلامه ومحاولة الإنعتاق منه، فلجأ الى قصة حب بين أسد وليلى بنت سيده دون أن يقدم دوافع قوية لهذه العلاقة، ما الذى يجعل بنت سيد صاحب نفوذ وثرى وأحد أكبر تجار النخاسة إلى أن تحبه وترتبط بيه كل هذا الارتباط.

هنا تناص واستدعاء لطفولة (وليام والاس) ومشاعر الطفولة بينه وبين البنت التى أحبها وأحبته، وهذا تناص غير جائز لأن والد البنت ووالد (وليام والاس) كانوا رفاق مناضلين من أجل تحرير اسكتلندة.

هنا تكافؤ وقابلية منطقية لخلق هذه العاطفة بين طفلين، لكن (أسد) هنا عبد عندها ليس لديه ميزة واحدة ولامؤهلات لهذا الإنجذاب، حتى عواطف (الأميرة إنجي) فى (رد قلبى) مع على ابن (الباش جناينى) الريس عبد الواحد.. لما قطتها طلعت فوق الشجرة وطلعت عشان تجيبها فسقطت فى النهر وكادت أن تموت غرقا لولا إنقاذ على لها.

هنا يتخلق دافع منطقى لفتح مسار عاطفى مبرر دراميا، فلولا (على) كانت (إنجي) فى عداد الموتى.

في فيلم (أسد): شخصية ولى العهد الذى رجع من أوروبا برفقة حبيبته ووالده الوالى يريد أن يبقى فى مصر ولا يعاود السفر الى أوروبا مرة أخرى، فقال له ولى العهد إزاى أجلس فى بلد غير متحضر به عبيد وأسواق نخاسه، فأضطر الوالى الى إصدار مرسوم بإلغاء العبودية كى يغرى ابنه بالبقاء.

وبعد أن تبين لولى العهد أن قرار والده الوالى هو حبر على ورق دون أى وسائل حقيقية للتنفيذ، حاول بنفسه أن يساعد العبيد بإعطائهم السلاح والمال كى يتمكنوا من الخلاص ويصبحوا أحرارا من نير العبودية.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود

خلل فى تماسك الشخصيات إلى حد الارتباك والتشوه

الخلل فى بناء الحدث الدرامي

هنا فيلم (أسد) يؤكد على تبنى ولى العهد بصدق وإصرار على تحرير العبيد ثم يلجأ الى التعاون مع المجرمين وتجار النخاسة على خطف ابن (أسد) بحجة ضمان استمراره، فهل هذا منطق أن يفعل ذلك مع من يقود عملية التحرير، والذى عقد معه صفقه وأمده بالسلاح والمال لتحقيق ذلك، فكيف يتآمر مع المجرمين وتجار العبيد على ذلك بحجة استمرار النضال من أجل التحرير (كده بجد بقت ملعبة عيال فعلا).

ماهذا الخلل فى بناء الحدث الدرامي، وأيضا خلل فى تماسك الشخصيات حد الارتباك والتشوه؟!

 شخصية (عوض) العبد المطيع الخانع كان يرفض أن (ليلى) بنت سيده تقول له أنت زى أخويا بحجة أن هناك من يعايره بأنه ابن حرام، وهل هناك معيرة أكثر من كونه عبدا، فى حين أن ممارسة الجنس مع العبدة وسيدها أمر ليس فيه عيب ولانقيصه بل حق طبيعى ومشروع مثله مثل الزواج.

وحين اعترفت أمه له أمام أبيه وأخته وجمع من الناس بأن سيده هذا هو أبوه، ثار ورفض ذلك بحجة كيف أن أبوه تركه كل هذا مع العبيد يأكل من حبوب ترفض أكلها المواشى، فهل هذه نفسية عبد عاش طول حياته بلا كرامه ومستسلم تماما ومتعايش مع بؤس واقعه.

(حبشى) الخادم المطيع للوالى الذى لم يعصى أمرا له مهما كان، أثناء اختطاف الأمير ولى العهد من قبل (أسد) وحركة تمرد العبيد بغرض أن يأخذ أسد ابنه وأثناء إصطفاف الجيش وراء الوالى أخذ حبشى الطفل ليعطيه لأبوه أسد ويعود بالأمير ولى العهد.

هنا أعطى الوالى الإشارة إلى (حبشي) كى يعطى الأمر لطليعة الجيش للاستعداد وتوجيه البنادق نحو (أسد) والعبيد للتصفيه، وأمر حبشى بالإشارة بالضرب وبدأت العبيد تتساقط، فأشار له الوالى مرة أخرى للضرب فنفذ وأعطى الإشارة للضرب، وأمره الوالى للمرة الثالثة بالضرب فتردد ولم يستطع تنفيذ الأمر للجنود بالضرب وهو يعلم أن عدم إعطاء الأمر بالضرب فيه نهايته لامحالة.

ومع ذلك لم يستطع فما كان من الوالى إلا أن صوب المسدس إليه وقتله، (حبشي) الذى ظل أداة للقتل ورهن إشارة الوالى فى تنفيذ أى شيئ يستيقظ ضميره فجأة بعد كل هذا، ماهو المنطق فى أن يدفع (حبشي) عمره مقابل حركة لاتعنى له شيئا وتآمر عليها من قبل، ماهو الدافع الذى يجعله يفعل مافعله،

والغريب أثناء إطلاق النار على (أسد) يقفز (عوض) أمام (أسد) ليتلقى الرصاص مكان (أسد) والرصاص لايخطئ صدر (عوض)، لكن يبقى عوض صاغ سليم دون خدش.. (هو فيه كده والنبى).

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
لايوجد مبرر درامى يبين لماذا يكن يكون بهذا الشكل

لايوجد مبرر درامى

(يكن) المفرط فى عدوانيته وكأنه تجسيد شيطانى من لحم ودم، يقتل العبيد بلا تردد، بالرغم من أن السادة التى تملك عبيد لايقتلوهم بهذه المجانية ليس لأنهم أخلاقيون بل لأن العبيد بالنسبة لهم ملكية ورأس مال بيحافظوا عليه، ورجل الأعمال الذى يشترى بضاعة بيحسن تخزينها وحمايتها من التلف بهدف بيعها مع هامش الربح الذى يضعه، وموت العبد خساره مالية لسيده.

ولو أراد السيد التخلص من عبد لديه يقوم ببيعه وليس قتله، ومايفعله يكن غير مبرر دراميا فى هذا الخصوص، فضلا عن بناء شخصيته أحادية الجانب فى اكتمال الشر فيها، وهذا غير موجود إنسانيا ولايوجد مبرر درامى يبين لماذا هو بهذا الشكل.

وإن كان الأمر كذلك لماذا تخلص من مجموعة من العبيد وإلقاء جثثهم فى الماء منهم (شعبان) وآخرون ولم يتخلص من أسد الأولى بالقتل منهم جميعا فهو المحرض والمحرك للتمرد، والأهم تزوج (ليلى) الذى كان يحلم بالزواج منها وحيدة أبوها ليعظم ثروته وتجارته، وقتل (أسد) أمر يسير لايستحق كل هذا الصراع الذى انتهى بقتله هو.

الإفراط فى وحشية رمى الأطفال فى الماء ليس له دافع سوى جرعة عنف للاطمئنان من السيطرة الكاملة على المشاهد دون أى فعالية حقيقية تخدم الفكرة.

(محروس) مثلا بناء شخصيته كان أكثر واقعية من (يكن)، فحين أراد يكن أخذ (وردة) للضغط على (أسد)، رفض (محروس) بشهامه ودفع حياته مقابل موقفه لأن (وردة) تمثل له الكثير فى مشوار حياته.

هناك بعض المشاهد التى يبدو أن (محمد دياب) تأثر بها من بينها مشهد داخل المعسكر بين (أسد وليلى)، وهى تحمل شوال وهو يحمل برميل ويبتسموا لبعض عن بعد كان قريب الشبه لوليام والاس وزوجته فى فيلم (القلب الشجاع)، أيضا بعض الكادرات التى أخذت لمحمد رمضان أمام العبيد وهو على حصانه أيضا فى تأثر بالخطبة الحماسية لوليام والاس وهو يستحث جنوده للهجوم.

حتى اندفاع العبيد نحو خصومهم وعلى رأسهم (أسد) كانت تشبه التحام جيش (وليام والاس) بالجيش الإنجليزى مع الفارق الكبير.

بعد دخلة (أسد وليلى) بعد زواجهما وحين جائت لحظة المغادرة لليلى إلى منزل أبيها عكست إحساس السعادة لأسد وليلى أقرب بلقاء (وليام والاس) مع الأميرة الفرنسية زوجة إبن ولى عهد بريطانيا التى أحبته واستمتعوا بليلة من الحب شربوا منه حتى الثمالة، وهى تخرج من الخيمة منتشيه بلحظات المتعة مع (وليام والاس).

فى ظل هذا التخبط فى البناء الدرامى للأحداث والشخصيات، إضافة الى التركيز على إبهار فى الصورة ومشاهد العنف لم تعطى مناخ مواتى للأداء الخلاق.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
موهبة محمد رمضان لم يحسن استثمارها

محمد رمضان

ممثل موهوب موهبة استثنائية، وكل ماقدمه من أفلام تجارية منخفضة القيمة لاتعكس عشرة فى المية من قدراته الفنية، هى فقط تعكس موهبه غير مستغلة ولم يحسن استثمارها واستغلالها للآن.

وهذا راجع للورق والإخراج واختيار (رمضان معا)، هنا أيضا قدم (رمضان) أداء سطحى ليس راجع لتدنى فى قدرته بل راجع للورق والتوظيف الإخراجى لمحمد دياب الذى يتحمل المسئولية، فخرج الأداء أقل من إمكانات رمضان،

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
الآداء لم يكن مزعجا، لكن لايشكل اختبار حقيقى لقدرات ممثلة من الطراز الرفيع

رزان جمال

الآداء لم يكن مزعجا، لكن لايشكل اختبار حقيقى لقدرات ممثلة من الطراز الرفيع، لم أشعر بإنبهار ولم أشعر بإنزعاج، والطفلة التى جسدت دور (ليلى): (مش فاهم ليه كانت بتتكلم بلهجة شامية)

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
هنا طبيعة الورق لم تمنحه تحقيق إضافه له

كامل الباشا

قدم آداءا مذهلا فى (صحاب الأرض)، لكن هنا طبيعة الورق لم تمنحه تحقيق إضافه له.

على قاسم

الأداء ليس به عمق، ولا يعتبر تحدى له لكون الدور ذو بعد واحد وتيمة واحدة وإيقاع واحد.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
بجوار (الكدواني) كان يظهر كطفل وهذا خطأ إخراجى

أحمد داش

اختيار يدين المخرج ليس لأن (أحمد داش) ممثل دون المستوى، بل لأنه أمير وولى عهد لابن والى طويل وضخم البنيان، كان يحتاج الى ممثل يقترب من (ماجد الكدواني) وراثيا وجينيا، فلو كان (داش) ضرورة ملحة لأى سبب، فمن الخطأ تصويره وهو بجوار (الكدواني) لأنه كان يظهر كطفل بجواره، وهذا خطأ إخراجى،

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
لايوجد مكافآت آداء منه

ماجد الكدوانى

فى حدود مساحة الدور  معقول ولايوجد مكافآت آداء منه.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
انفعالاته كانت أكثر من اللازم في شخصية (عوض)

مصطفي شحاتة

انفعالاته كانت أكثر من اللازم في شخصية (عوض)، وهذا يحاسب عليه محمد دياب (لأنه شايف ده كويس وفاهم ماذا يريد).

هنا الآداء ككل لجميع الممثلين ليس سيئا، لكن لايوجد طفرة فى الآداء.

موسيق هشام نزية

كانت جيده وعكست أجواء العمل.

المؤثرات الصوتية

أيضا كانت جيدة وأضافت للعمل.

فيلم (أسد).. بين موضوعية المشاهدة والإسراف فى الوعود
الإخراج لم يكن على مستوى الإنتاج الضخم والآمال الكبيرة عليه

الإخراج

هناك كادرات جميله لا أنكر واللوكيشن كان مناسب لطبيعة الفيلم، لكنه لم يكن على مستوى الإنتاج الضخم والآمال الكبيرة عليه، تتابع المشاهد ليست الأفضل وتحريك المجاميع كان فيه بعض من عدم الانضباط، وكان بمقدوره أن يعظم الأداء أفضل من ذلك.

الخلاصة: هو فيلم تجارى يستحق المشاهدة رغم العيوب التي ذكرتها سابقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.