
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
عندما قرأت على تتر الحلقة الأولى من مسلسل (الفرنساوي) مقولة السيناريست الكبير الراحل وحيد حامد على لسان بطل فيلم (طيور الظلام)، والذي جسده الزعيم عادل إمام: (القانون زي ما بيخدم الحق بيخدم الباطل) توهمت أن المسلسل سيحمل في جوهره إدانة لكل من يعبث بالقانون ويحوله إلى أداة لخدمة الباطل.
وخصوصاً أن الكثيرين ممن يستغلونه لتبرئة مجرمين لديهم يقين أن القانون لا يفقد هيبته عندما يخسر محامٍ قضية، بل يفقدها عندما يربح الباطل قضية باسم
القانون، ولكن خاب ظني ووجدت أن مسلسل (الفرنساوي) في جوهره يتخذ من القانون قناعاً للباطل، ويؤكد أن من يعرف خباياه ويحفظ مواده هو الأكثر قدرة على التلاعب به بدلاً من أن يكون حارساً له ومتخذاً منه أداة لتحقيق العدالة.
من أخطر ما يمكن أن تفعله الدراما أنها تربك البوصلة الأخلاقية للمشاهد، ليس لأنها تقدم شخصيات شريرة أو أبطالاً رماديين، فهذا من صميم الفن، وإنما لأنها تجعل الحق والباطل مجرد وجهتي نظر، والعدالة مجرد لعبة ذكاء يفوز فيها من يكون أكثر براعة.
السؤال الكبير الذي يتركه مسلسل (الفرنساوي) للمؤلف المخرج آدم عبدالغفار معلقاً حتى الحلقة الأخيرة هو: هل القانون طريق إلى العدالة، أم مجرد مجموعة من النصوص يمكن تطويعها ليخرج المجرم من باب المحكمة مرفوع الرأس؟
المؤلف يترك الإجابة معلقة بين الخير والشر، وبين العدالة والحيلة، وبين إنسانية الأبطال وجرائمهم؛ فالعمل لا يقدم مجرد دراما عن المحاماة، بل يضع المشاهد أمام معضلة أخلاقية معقدة: هل يكفي أن يمتلك الإنسان بعض الصفات النبيلة حتى نغفر له دفاعه المستميت عن المجرمين؟ وهل تتحول براعة المحامي إلى فضيلة مهما كانت القضية التي يترافع عنها؟


إفلات المذنبين من العقاب
منذ الحلقة الأولى يرسخ العمل فكرة أن القانون ليس دائماً طريقاً لإحقاق الحق، بل يمكن أن يصبح سلاحاً بارعاً في يد من يجيد الالتفاف على النصوص لإفلات المذنبين من العقاب، وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالمشكلة ليست في القانون ذاته، وإنما فيمن يستخدمه، لكن المسلسل بدا وكأنه يحتفي أحياناً بهذه المهارة أكثر مما يدينها.
شخصية (الفرنساوي) التي جسدها عمرو يوسف صيغت بذكاء يجعل المشاهد عاجزاً عن إصدار حكم نهائي عليها.. هو محامٍ شديد الكفاءة، يعرف كيف يفكك الأدلة بل ويصنعها أحياناً ليهزم خصومه بأي ثمن، لكنه في الوقت نفسه يحمل وجهاً إنسانياً لا يمكن تجاهله؛ يصر على كشف قاتل مريم (عائشة بن أحمد).
ويرفض أن تضيع دماؤها وسط الحسابات، كما يتولى رعاية الطفل خالد بعد أن سجن والده في قضية مخدرات، في مشاهد تستدر تعاطف الجمهور وتعيد رسم صورته كلما اقترب المشاهد من إدانته.
هذه الازدواجية كان يمكن أن تصبح نقطة قوة لو حافظ النص على اتساقه، لكنها تحولت إلى مصدر ارتباك، فالعمل لم يحسم موقفه: هل يريد أن يدين محامياً يوظف القانون لحماية الباطل؟ أم يريد تمجيد إنسان يحمل قيماً نبيلة حتى لو كانت مهنته تفضي أحياناً إلى ضياع العدالة؟ ظل المسلسل يتنقل بين الموقفين دون أن يمنح المتلقي بوصلة أخلاقية واضحة.
يتكرر هذا الارتباك بصورة أكثر حدة في شخصية (الديب) والذي جسده جمال سليمان؛ فهو رجل ارتكب جرائم دموية، من بينها قتل زوجته والدة خالد وهو طفل، ولم يتورع عن سفك الدماء كلما اقتضت مصلحته.
لكنه في المقابل يظهر باستمرار وهو يذهب إلى إمام المسجد ليتبرع بدية من قتله لصالح الفقراء والمحتاجين، وكأن النص يريد أن يبعث برسالة مفادها أن العمل الخيري يمكن أن يقف جنباً إلى جنب مع الإجرام.
ليست المشكلة في تقديم شخصية مركبة؛ فالدراما العظيمة قامت دائماً على الشخصيات الرمادية، لكن المشكلة حين يبدو الفعل الخيّر وكأنه يخفف تلقائياً من وطأة الجرائم أو يمنح مرتكبها نوعاً من البراءة المعنوية.. الصدقة لا تمحو جريمة قتل، والتبرع لا يلغي مسؤولية جنائية، والرحمة في جانب لا تبرر القسوة في جانب آخر.
الأخطر أن المشاهد قد يخرج بانطباع مفاده أن بعض الأعمال الإنسانية كافية لترميم صورة المجرم، وهذه رسالة شديدة الحساسية، خصوصاً في مجتمع يبحث عن ترسيخ قيم العدالة وسيادة القانون.



الانفعال المجاني بأداء هادئ
قدم (عمرو يوسف) واحداً من أكثر أدواره نضجاً، رغم ما يحظى به من عدم قبول عند البعض، وفي هذا العمل تخلى عن الانفعال المجاني لصالح أداء هادئ يقوم على لغة العين وتعبيرات الوجه ونبرات الصوت المحسوبة؛ غير أن هذا الهدوء تحول في بعض المشاهد إلى برود.
أما (جمال سليمان)، فيبدو أن عجزه عن إتقان اللهجة المصرية سيظل حاجزاً بينه وبين الجمهور المصري، و(عائشة بن أحمد) قدمت ما يفرضه دورها القصير وخصوصاً أنها ضيفة شرف.
وتؤكد (سوسن بدر) مجدداً، أنها لا تؤدي الأدوار بقدر ما تعيشها، فمنحت شخصية الغجرية سندس ثقلاً إنسانياً وصدقاً بعيداً عن المبالغة، كما قدمت (جنا الأشقر) أداءً اتسم بالحيوية والصدق، وأجاد (سامي الشيخ) تجسيد شخصية مركبة تتحرك بين الغموض والحسابات الدقيقة.
وأكد (أحمد فؤاد سليم) أن قيمة الممثل الكبير لا تُقاس بعدد المشاهد بل بقدرته على ترك أثر فيها، ويُحسب لآدم عبد الغفار، مؤلفاً ومخرجاً، أنه أحسن اختيار ممثليه وأدارهم بكفاءة، وإن كان أعاد إلى الأذهان زمن البطولة المطلقة التي تمنح بطله مساحة تجعل باقي الممثلين يدورون في فلكه.
لا تكمن قيمة (الفرنساوي) في أنه قدم محامياً بارعاً أو مجرماً متديناً أو شخصيات رمادية، وإنما في أنه أعاد فتح النقاش القديم: هل القانون أداة لتحقيق العدالة، أم مجرد آلة محايدة يستطيع البارعون توظيفها لخدمة الحق والباطل معاً؟
وربما كانت الإجابة التي يتركها المسلسل معلقة هي أخطر ما فيه؛ لأن العدالة لا تهزم حين يغيب القانون، بل قد تُهزم أيضاً عندما يتحول القانون نفسه إلى درع يحتمي به الباطل، وعندما تختلط إنسانية الأشخاص بخطاياهم إلى الدرجة التي يصبح فيها المشاهد عاجزاً عن التمييز بين من يستحق التعاطف ومن يستحق الإدانة.