رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

ثمة شيء عفن في “كوكبنا”!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!
الخروج بـ “الخديعة” خير من الخروج بـ “الخيبة”
ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!
د. كرمة سامي

بقلم الكاتبة: كرمة سامي

على قدر تأزم الدراما يأتي التطهير..

رحم الله أرسطو ومفهوم التطهير – catharsis – الذي ابتدعه فصرنا نترقبه في كل موقف درامي على خشبة المسرح أو في الشارع والآن في ملاعب الكرة! ثمة شيء عفن في “الدانمارك”! قالها الأمير هاملت عن الدانمارك، لأنه أميرها ووريث عرشها المرتقب، وتصورنا أنه ينتقد موطنه، لكنه حين قالها كان يقصد، بدقة، رائحة “عفن” مصدرها شيء مختبئ في مكان ما في الدانمارك.

لم يكن يقصد حتى قصر المُلْك وانما قطعة الجبن الـ “عفن” التي يريد التهامها عمه الجرذ مغتصب العرش، ولأنه مثقف وكان منشغلا وقت مصرع والده الملك بطلب العلم في جامعة ويتنبرج فقد تمهل هاملت في البحث عن مصدر الـ “عفن”، إلى أن يتأكد.

وفي نهاية المسرحية اصطاد جرذه وتخلص منه، وأعاد إلى موطنه سلامه واستقراره ونقاء هوائه، غير أن الـ “عفن” ينتشر أرضا وجوا إلى أن سيطر على الملاعب الخضراء.

تربيت على يديّ أب أديب زملكاوي يؤمن أن كرة القدم “لعب وفن وهندسة” وبالتالي كان هذا هو التعريف الرسمي الذي أحفظه عن اللعبة الأكثر شعبية في تاريخ البشرية. شعار بريء مثله مثل السينما فن، والثقافة روح الأمة المجسدة في قيمها المعنوية وممارساتها الحياتية.

لم يكن والدي، رحمه الله، يتوقع أن تفوح رائحة “عفن” من معشوقته ذات “اللعب والفن والهندسة” التي ستتحول إلى مصالح ومفاسد، فلما بلغنا من العمر أرذله، بل وأسخفه، كُشف عنا غطاؤنا ورأينا ما لم نره.

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!
هل حددنا الهدف/ الأهداف (صغرى/ كبرى)؟

من كل بستان زهرة

قطعان من الجرذان تفشت في كوكبنا تبحث عن قطع الجبن الـ “عفن” وتنشر فضلاتها ذات الرائحة الكريهة.. فقدنا الثقة في معايير أهل الخبرة في كوكب الأرض ومؤسساتها. رأينا بأعيننا السينما تجارة، والثقافة ميدان للقتال، واستعمار في باطنه استخراب، من كل بستان زهرة وعنصرية فجة، وتنحية الغالب للمغلوب، ووأد له!

لم أعد أتشوق لحفل جوائز الأوسكار لأطابقها بمشاهداتي التي بنيت عليها توقعاتي، ولا يهمني معرفة اسم الأديب المتوج بإكليل المبدع الأفضل بجائزة نوبل، وأقارنه بقراءاتي لأقرانه من أنحاء العالم، ولم أعد أتابع رحلة استحقاق أي فريق قومي للتربع على عرش المونديال إلى أن تأهل فريقنا للمشاركة هذا العام 2026!

لكن الكرة شأنها شأن أي نشاط بشري سياسة، واقتصاد، ومصالح، وتجارة، ومراهنات، وحسابات، وغسيل على كل نوع من الملابس الرياضية إلى الأقوال والأفعال. هذه هى الممارسات البينية الجديدة التي كنا نطبقها في البحث العلمي ببراءة، وليتها كانت من كل بستان زهرة، وإنما من كل “مَزْبَلَة” (اللفظ عربى فصيح) نُفاية، صلبة، أو سائلة، أو غازية، أو عادية، أو مشعة، أو سامة.

لا يهم!

المهم أنها قابلة للتدوير والطرح في شكلها الجديد لبيعها للزبون العالمي، وتحديدا المنتسب إلى العالم الأول المزعوم! انهارت الكيانات المؤسسية الحقيقية والتجمعات الإنسانية البريئة. أزاحوا أنقاضها قبل أن نلاحظ واستبدلوا بها صورا مصطنعة simulacra.

وتجددت نبوءة عالم الاجتماع الفيلسوف چان بودريار Jean Baudrillard لتظهر في شكل “ألعاب الجوع” Hunger Games، و”لعبة الحبار” Squid Game. صراعات للترفيه ثلاثية التكوين تتركز بين سيد (اللعبة)، أي لعبة، والمسودين (اللاعبين)، وبينهما الجرذ المتواطئ (مِخْلَب الشيطان)، سيناريو هزيل نتائجه مخططة مسبقا والعقاب لمن يكتشف ركاكة السيناريو ويحاول أن يغيره!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"! ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!
صور، وأعلام، وأغان، ومواقف، وشعارات وطنية سياسية، أو ضد العنصرية

بشائر سياقات التواصل من زيكو إلى زُهران:

بم يقاس النجاح؟

بتحقيق الأهداف. 

في تجربة المونديال نطرح السؤال:

 هل حددنا الهدف/الأهداف (صغرى/كبرى)؟

وضعنا خطة زمنية للتنفيذ؟

تابعنا المؤشرات؟

وثَّقنا؟ 

راجعنا؟

وأخيرا

هل تطابقت النتيجة مع الغاية؟

 الخروج بـ “الخديعة” خير من الخروج بـ “الخيبة”، إذا تأملنا ما حققه أداء فريقنا القومي في المونديال سنرى أن النتيجة تجاوزت الغاية، بل وفاقتها. نتيقن أن فريقنا فاز وحقق أهداف المشاركة وتجاوزها بما فاق أحلام أجيال وهذا سر “فخرنا” بعد مبارة أستراليا و”قهرنا” بعد مباراة “حامل اللقب”. 

إذا نفضنا غبار “المعركة” وقمنا بدراسة تحليلية متعددة الوسائط لمادة التجربة ومعطياتها من زوايا معرفية مختلفة اجتماعية وسياسية ونفسية واقتصادية وغيرها من مجالات لوجدنا ضالتنا لفك شفرة طبقات الخطاب المحلي والعربي والعالمي السائد لقراءة دلالات صوت الصورة مثل إيماءة مصطفى زيكو للجماهير في الاستاد بعد احراز هدفه إلى إشارة زهران ممداني في خطابه إلى سرقة المبارة.

كنز نفيس مخبأ ينتظرنا في شكل ميمز، وترندات، وهتافات، وفيديوهات قصيرة وصور، وفيديوهات متخيلة بواسطة الذكاء الاصطناعي وصور، وملصقات على سيارات أجرة، وأعلام، وأغان، ومواقف، وشعارات وطنية سياسية، أو ضد العنصرية، ومشاهد فرحة من عواصم عربية وعالمية، وإشارات، ومقالات صحفية، ومحاكمات، وتعليقات محللين ومراقبين، وتغريدات، وومضات إنسانية.

صيحات بهجة، وصرخات ألم… كلها مصادر مادة ثرية للدراسة والتحليل صادرة عن فريقنا وإدارييه، والجمهور المصري المغترب، والجمهور العربي، ومشاهدين للمباريات على مستوى العالم، وكل مواطني الجمهورية العالمية للتواصل الاجتماعي.

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!

ثمة شيء عفن في "كوكبنا"!
الارتقاء بالذائقة الثقافية الجمعية وإنعاش ذاكرة تراثنا الغنائي ونشدو بـ “يا مصر بتعلميها ازاي؟”

“هموا وضموا الصفوف”:

أتمنى، يا بلدي الحبيب، أن تسفر تجربتنا الثرية في المونديال عن نتائج محكمة لتحليل تلك الوفرة المعلوماتية وتؤدي إلى إلمامنا بالمقومات الثقافية المضافة إلى أمتنا، واغتنامنا الفرصة لاستثمارها، والاسترشاد بها نحو وطن يليق بأبنائه.

بل والارتقاء بالذائقة الثقافية الجمعية وإنعاش ذاكرة تراثنا الغنائي ونشدو بـ “يا مصر بتعلميها ازاي؟” مع “مصر التي في خاطري”، و”يا أغلى اسم في الوجود”، و”أصله معداش على مصر”.

فرق كبير بين الحقارة والحضارة، مشاعر مختلطة ووقفات شهدناها منذ بداية المونديال كانت ذروتها يوم 7/7 يوم التكتل ضد العملاق الذي انطلق فجأة في غفلة منهم وكأنه لم ينم ولم يغب. سنرى في لقطة واحدة أن مصر عادت إلى مكانتها المستحقة: أم الدنيا… (وأبوها).

لا أقلل من شأن حضارات عريقة ومجتمعات راقية تبادلنا الاحترام والتعامل الحضاري السوي. لكني أنظر إلى خريطة العالم فأرى مصر في القلب، قدر تاريخي وجغرافي يجب أن يوضع في الاعتبار عند وضع مناهج التعليم بمراحله المختلفة منذ رياض الأطفال حتى السنة النهائية في الجامعة، وعند التخطيط لحاضر الأمة ومستقبلها.

عودة سالمة لأبطالنا إلى نسيم نيلنا، وحمدا لله على سلامة المحروسة الولادة، بهية التي رأيتها حقيقة، خارج الصورة، تمسك بيد طرف طرحتها، وتريح يدا على رأس حارسها أبي الهول إلى جانبها، وقد تنفست هواء مصريا يرد الروح، عادت دفقات الحياة إلى جسدها الفارع الرخامي الوردي، فوقفت فوق قاعدة التمثال سمراء مليحة من لحم ودم بجلباب واسع مزركش ومطرز ترى فرحة أبنائها.

على قدر تأزم الدراما يأتي التطهير.. وهذا سر ما تكوَّن داخلي وتصاعد أثناء ماتش أستراليا بشوطيه الأساسيين ثم الإضافيين وركلات الجزاء واحدة تلو الأخرى، وتأكد مع فوز أبطالنا حين انبلج في كياني شعر عبد الرحمن الأبنودي:

ومصر عارفة وشايفة وبتصبر.. 

لكنها في خطفة زمن تعبر.. 

وتسترد الاسم والعناوين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.