

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
في وقت مختلف وظروف مختلفة عن الآن، كان يمكن استقبال فيلم (أسد) بكثير من الاحتفاء باعتباره عملا ضخم الانتاج، لمخرج سبق له تقديم مسلسل (مون لايت) من إنتاج ديزني، استخدم خبراته الاحترافية لتقديم عمل يصدر من مصر يقترب كثيرا في شكله النهائي من أضخم إنتاجات هوليوود من ناحية الإخراج والديكور وكثير من التفاصيل الفنية.
ربما مشكلة فيلم (أسد) والجدل الذي أحاط به منذ طرحه في دور السينما، يتلخص في أن بطله هو (محمد رمضان)، الذي لم يعد يحظى بالكثير من القبول الشعبي خارج فئات البلطجية والطبقات الدنيا في مصر، وأن أحد مصادر تمويله صندوق (بيج تايم) الذي مول قبل وقت قصير فيلم (الست) بكل ما تضمنه من إساءة وتركيز على كل ما هو سلبي في تاريخ كوكب الشرق أم كلثوم.
لمن لم يسمع به من قبل يتناول فيلم (أسد) قصة اختطاف طفل من العبيد كان يعيش مع والديه، ليتم بيعه في سوق النخاسة إلى (محروس باشا) والذي يطلق عليه اسم (أسد)، يكبر الطفل وتكبر معه روح التمرد على حياة العبودية التي يحياها دون وجه حق.
تنشأ قصة حب بينه وبين ابنة الباشا (ليلى) التي تجسد دورها رزان جمال، ويتزوجان سراً، لكن يفتضح أمرهما بعد حملها يؤدي لكشف هذا الزواج، وغضب الباشا عليهما، يبدأ سلوك (أسد) في التغير ويدخل في صدامات مع السلطة التي تحيط به، سواء داخل بيت الباشا أو في المجتمع الأوسع الذي يحمي منظومة العبودية.
وبمرور الوقت لا تتحول قضيته من النجاة الفردية الى تحدي النظام بشكل مباشر، ويصبح وجوده خطرا يسعى مجتمع الباشاوات لاجتثاثه، لأنه لم يعد مجرد عبد بل أصبح فكرة مقاومة.


(المصارع) للنجم راسل كرو
فنيا وانتاجيا واضح أن فيلم (أسد) بذل فيه مجهودا ضخما من المخرج الموهوب (محمد دياب) وباقي عائلة دياب ممن شاركوا في كتابة السيناريو والحوار، وهما (خالد وشيرين)، ويناقش قضية عالمية كان اختيارها ذكيا من (دياب) باعتبار أنها تفتح أبواب العالمية أمام الفيلم.
وبحسب ما ظهر في بعض المشاهد أن (دياب) تأثر في إخراجه للعمل بالافلام الملحمية التي قدمتها هوليوود في السابق لقصص العبيد مثل (المصارع) للنجم راسل كرو، والمخرج ريدلي سكوت، و (12 عاما من العبودية) للنجم براد بيت والمخرج ستيف ماكوين.
فمثلا يركز (أسد) على شخصية البطل (المسروق من مكانته)، الذي تسلب حريته وكرامته داخل نظام قمعي، حتى يتحول إلى رمز للمقاومة، مما يجعل الصراع داخل الأحداث يتجاوز فكرة البقاء الى استعادة معنى الذات عبر مواجهة السلطة، وهو نفس العمود الفقري الذي بنى عليه فيلم (المصارع) في رحلة البطل راسل كرو من جنرال إلى عبد ثم إلى مقاتل يهدد بنية الإمبراطورية.
كما يظهر تأثر دياب بفيلم (12 عاما من العبودية) في طريقة تقديمها كمنظومة كاملة وليست مجرد خلفية سردية، حيث لا يكتفي بتصوير معاناة فرد، بل يحاول تفكيك البنية الاجتماعية التي تجعل هذا القمع ممكنًا ومقبولًا، مع فارق أن الفيلم الأمريكي قدم واقعا تاريخيا بكل قسوته بينما لجأ دياب الى تكثيف الأحداث.
على مستوى البناء الرمزي، تتقاطع الأفلام الثلاثة في فكرة تحول الإنسان المقهور إلى رمز، ويبقى الاختلاف الجوهري أن السينما الهوليوودية تعتمد إما على ملحمة بصرية محكمة أو واقعية مؤلمة شديدة الالتزام بالتفاصيل، بينما مزج (دياب) بين الاثنين بدرجات متفاوتة من التبسيط والرمزية الدرامية.
لكن وآه من لكن، وكما قلت في بداية المقال أنه في زمن وظروف مختلفة كان الفيلم يستحق الاحتفاء به، أما حاليا فلا يمكن غض الطرف عما يحمله من إساءة لعلاقة مصر بالأفارقة، في وقت بالغ الحساسية تواجه فيه الدبلوماسية المصرية مصاعب جمة في جسر الهوة بينها وبين دول القارة السمراء التي تكلست طوال عقود.

مضمون الفيلم وتوقيت عرضه
كان يمكن لمحمد دياب ببساطة أن يتحرر من أي ضغوط إعلامية أو جماهيرية بأن يجعل الأحداث تدور في مكان وزمان غير محددين، خصوصا أن السيناريو يعرض رؤية فنية لقضية العبيد غير مرتبطة بوقائع محددة في مصر، فضلا عن أن بعض المؤرخين أكدوا بأن بعض الأحداث مستوحاة من ثورة الزنج التي وقعت في العراق في عصر الدولة العباسية.
ومع أنني من المتحفظين على مضمون الفيلم وتوقيت عرضه، إلا أن ذلك لا يمنع من رفض الحملات الداعية لمنع عرضه وسحبه من دور السينما، لأن المنع وكتم الأصوات لم يكن ولن يكون حلا لأي مشكلة.
لكنني بشكل شخصي أتمنى أن يكون السماح بعرضه تعبيرا عن تغير نظرة القائمين على الأمور في مصر في التعامل مع الأعمال الفنية، حتى تلك التي تعارض أو تنتقد اسلوب الحكم في الماضي أو الحاضر، لا أن يكون السماح خجلا من الممول الذي ينتمي لدولة شقيقة.