رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

وائل شفيق يكتب: مرتزقة (الإعلام) والفن!

وائل شفيق يكتب: مرتزقة (الإعلام) والفن!
تُدار المعارك وتنتهي لمصالح مرتزقة (الإعلام) والفن
وائل شفيق يكتب: مرتزقة (الإعلام) والفن!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

صار (الإعلام) المعاصر مصنعاً للترندات، يبيع للجمهور خصومة كاذبة بتشنج مفتعل، ثم يبيع له مصالحة مغلفة بتسامح زائف.. والمُشاهد في كلا الحالتين هو الذي يدفع من وقته وتركيزه وأعصابه ليزيد رصيد غيره من المشاهدات والإعلانات.. تُدار المعارك وتنتهي لمصالح مرتزقة (الإعلام) والفن، والمُشاهد خارج الإطار.. دوره أن يتابع ويتفاعل ويرفع الريتش ثم ينام لأن وراءه عملاً في الصباح.

ما جرى بين الإعلامي عمرو أديب والفنان محمد رمضان صورةٌ مكثفة لهذه الحال.. خمس سنوات من النزاع لم تبدأ بفكرة، بل بمقطعٍ مصوّر، في 2021 نشر رمضان مقطعاً وهو يلقي الأموال في مسبح، عقب صدور حكمٍ بإلزامه دفع ستة ملايين جنيه تعويضاً لأسرة الطيار الراحل أشرف أبو اليسر.

علق أديب على المشهد في برنامجه (الحكاية) قائلاً: (اللي حسبناه موسى طلع فرعون)، فردّ رمضان بمقطعٍ ساخرٍ مقتضب: (بس يا بابا)، فتحول الخلاف إلى قضايا في المحاكم، وكان الجمهور يتابع كأنّه أمام مسلسلٍ طويل، يشتعل غضبه وينطفئ بأمر الشاشة.

غير أنّ هذا التصعيد لم يكن عفوياً.. فقد ارتبط بخلاف تعاقدي بين الفنان وقناة  mbc، فحين تعثّرت المفاوضات، تحوّلت المنصة الإعلامية إلى ساحة ضغط تفاوضي، يُستخدم فيها الهجوم العلني وسيلةً للضغط على محمد رمضان.

ثم انطفأت الأضواء فجأةً على الخصومة، وظهر برومو برنامج (الحكاية) على قناة mbc مصر، معلناً عن لقاء مرتقب يجمع عمرو أديب بمحمد رمضان.. الذي أبرم عقداً مع القناة ذاتها على مسلسل رمضاني جديد، ويُعرض له الآن فيلم في السينمات؛ فصارت المصالحة ترويجاً للفيلم، والمقابلة تمهيداً للمسلسل.

وائل شفيق يكتب: مرتزقة (الإعلام) والفن!
الصراع يحرك التفاعل أكثر من أي مادة تحليلية أو معرفية.. فيُغذّى الجمهور بالخصومة، ثم يُختتم المشهد بالمصالحة

الثمن استنزافك النفسي

وليست هذه مصادفة عابرة، بل ممارسة واعية بآليات التفاعل الجماهيري.. فالصراع يحرك التفاعل أكثر من أي مادة تحليلية أو معرفية.. فيُغذّى الجمهور بالخصومة، ثم يُختتم المشهد بالمصالحة، فيظل المتلقي أسير الشاشة، متأرجحاً بين الغضب والرضا، دون أن يظفر بمضمون ذي قيمة.

وهنا تكمن المعضلة: إنك لست المشاهد، بل المادة الخام، فوقتك، وتفاعلك، وغضبك، ومشاركتك، عملة تُصرف في هذا السوق.. وكلما ارتفع تفاعلك، تضاعف ربحهم، ولو كان الثمن استنزافك النفسي وتشتيت وعيك.

فإن كنت ما تزال تغضب وتثور لكل مشهدٍ صاخب في (الإعلام) أو الفن، فقف لحظةً واسأل: أين موضعي من هذا كله؟، الجواب أنّك لست طرفاً في النزاع، ولكنك المستنزف فيه.. وما يُعرض عليك ليس صراع مبادئ، بل مساومة مصالح.

ومن الأمثال الجارية على ألسنة المصريين إذا أحسّوا برائحة الادعاء في الخطاب أن يقطعوا الجدل بقولهم: (أبويا قاللي كُل كل حاجة إلا الأونطة)، قول موجز يختزل الفهم الشعبي لآليات اللعبة.

فارفق بنفسك، ولا تستهلكها في معركةٍ لست فيها إلا متفرجاً ممولاً، فالليلة ليست ليلتك.. وإنما المشاهد الواعي هو من يطفئ الشاشة حين يدرك قواعد اللعبة الحادثة في (الإعلام) الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.