تعرف على ثلاث ألحان لـ (حلمي أمين)، توقع لها الفشل، وأصابته بالاكتئاب، والإزعاج


كتب: أحمد السماحي
من نجوم التلحين الكبار الذي وقع على موهبته ظلم كبير الملحن صاحب النغمة الشعبية الشيك الراقية (حلمي أمين)، الذي مرت منذ أيام قليلة ذكرى رحيله السادسة عشر في صمت يشبه صمت القبور.
وهذا التجاهل والنسيان سمة أساسية لذكرى كل نجومنا الكبار أمثال (حلمي أمين)، فوسائل الإعلام المصرية بكل أطيافها لا تهتم إلا بذكرى عدد قليل جدا من النجوم يعدون على أصابع اليد الواحدة، وبالكثير على أصابع اليدين، وباقي النجوم كل نجم ونصيبه من التذكر من قبل عشاق فنه ومريديه.
ومن حسن حظي أنني في بداية مشواري الصحفي أقتربت من الملحن الكبير (حلمي أمين) عندما تولي منصب نقيب الموسقيين لأكثر من دورة، كنت اتصل به بصفة منتظمة لمعرفة أخبار نجوم الغناء والتلحين، من أعضاء النقابة.
وطوال سنوات معرفتي به، وجدته على درجة كبيرة من الطيبة، والحنان، والدفء، ويأسرك عندما يتحدث إليك بذكائه وخفة روحه، ويجالسك من دون استعجال، ويصغي إليك من دون أن يقاطعك.
ويترك لك مساحة أن تكون كما أنت، من دون أن يفرض عليك إيقاعه، وكان يعلو على كل المواقف الصغيرة أو الرخيصة التى تعرض لها من البعض!.
وكان يسحرنا عندما يتحدث عن ذكرياته مع نجوم جيله الذين لحن لهم ألحان لعبت بأوتار القلوب، وخلجات النفس، مثل (ليلى مراد، شادية، فايزة أحمد، وردة، محمد قنديل، ماهر العطار، سعاد محمد، كارم محمود، شريفة فاضل، محمد رشدي، عادل مأمون، نجاح سلام، ياسمين الخيام، شكوكو، وعبداللطيف التلباني، وإكرام، وأسامة رؤوف، والنقشبندي) وغيرهم.

الأغنية التى كانت ستقطع رزقه
هذا الأسبوع نتذكر (حلمي أمين) في باب (حواديت الأغاني) من خلال ثلاث أغنيات قصها علي، مليئة بالطرافة، وخفة الدم، والصدق، الأغنية الأولى هي (عاشت الأسامي) التى قدمها في بداية الستينات، ويقول مطلعها:
عاشت الاسامي، عاشت الاسامي
يا إللي اسمك انت، انت علي لساني
احلي الاسامي، واهتف به أنسي اشجاني
عاشت الاسامي عاشت الاسامي
هذه الأغنية قام بغنائها المطرب وهابي الصوت (عادل مأمون)، وكلمات الشاعر الرومانسي (يوسف بدروس) صاحب الروائع الغنائية التى أبدعها لـ (فريد الأطرش) و(أسمهان) و(نازك) وغيرهم من النجوم.
عندما عرض الرائد الإذاعي (محمد حسن الشجاعي) الأب الروحي لحلمي أمين، الأغنية عليه لكي يلحنها، لاحظ (حلمي) أن كلام الأغنية يخلو من (البحر، والتفعيلة) ـ على حد قوله لي.
وذكر هذا لـ (لشجاعي) الذي أحضره للقاهرة من الأسكندرية، بعد أن أستمع إلى ألحانه لكل مطربي الأسكندرية، ويومها قال له الشجاعي: (أنت بتفهم أحسن من لجنة النصوص؟! بشرفي إذا لم تلحن هذه الأغنية سأوقفك عن العمل ستة أشهر!).
وخوفا أن يقطع باب رزقه، لحن (حلمي أمين) الأغنية فإذا الشارع المصري كله، يحب الأغنية ويرددها، خاصة مع تبني الإذاعة لها، وإذاعتها في فترات الصباح بصفة منتظمة.
ورغم حب الناس للأغنية وشهرتها، لكنها كانت تصيب (حلمي أمين) بالأكتئاب كلما إستمع إليها.

عنابي الأغنية التى تزعجه
يعتبر لحن (عنابي) الذي غناه المطرب الكبير (كارم محمود) واحد من أشهر ألحان (حلمي أمين)، والذي يقول مطلعه :
عنابى .. يا عنابى يا خدود الحليوه
احبابى .. يا احبابى يا رموش الحليوه
يرضيكو الحليوه يسيبنى للنار اللى بتدوبنى
ايه قصده الحليوه .. ايه قصده الحليوه
ورغم شهرة هذا اللحن حتى الآن، إلا أنه كان يصيب (حلمي أمين) بالأزعاج الشديد، حيث إرتبط بإسمه بشكل كبير جدا، وكان الجمهور البسيط عندما يصادفه أو يقابله في الشارع، ويتعرف عليه، كان يقول له : (مش حضرتك حلمي أمين بتاع عنابي).
وهذا كان يسبب لـ (حلمي أمين) إزعاجا شديدا، وكأنه لم يلحن إلا هذا اللحن، رغم أنه ـ وعلى حد قوله لي ـ لحن أكثر من ألف لحن، لكبار شعراء الأغنية في مصر، وكان أول من لحن للشاعر (عبدالرحمن الأبنودي) أغنية (إنجد قطنك م الدود) للمطربة فاطمة علي، فضلا عن تلحينه لكبار نجوم الأغنية المصرية.

لحن توقع فشله للشياطين الثلاثة
قام (حلمي أمين) بوضع الموسيقى التصويرية، والألحان لعدد كبير جدا من الأفلام، والمسلسلات، والمسرحيات، والبرامج الغنائية، فضلا عن الفوازير.
ومن الأفلام التى قام بوضع الموسيقى التصويرية لها فيلم (الشياطين الثلاثة) سيناريو وحوار بهجت قمر، ومحمد كامل عبدالسلام، وإخراج حسام الدين مصطفى، وبطولة (رشدي أباظة، وأحمد رمزي، وحسن يوسف، ونوال اأبوالفتوح، وبرلتي عبدالحميد) وغيرهم.
وعرض (الشياطين الثلاثة) عام 1964، وفي هذا الفيلم (طقت) في ذهن المخرج (حسام الدين مصطفى) فكرة مجنونة، حيث طلب من (حلمي أمين) تلحين إستعراض غنائي لأبطال الفيلم الثلاثة (رشدي أباظة، وأحمد رمزي، وحسن يوسف).
وحاول (حلمي أمين) ـ كما ذكر لي ـ أن يثني (حسام الدين مصطفى) عن هذه الفكرة المجنونة، أو يستعين بثلاثي النغم المكونة من ثلاثة مطربين شباب، ويضع أصواتهم على أصوات نجوم الفيلم.
لكن (حسام الدين مصطفى) رفض فكرة الأستعانة بأصوات بديلة، لأن أبطاله أصواتهم معروفة للجمهور، وأصر على أن يغني (رشدي أباظة، وأحمد رمزي، وحسن يوسف) بأصواتهم.
ووافق (حلمي أمين) على مضض، وقام بتدريب الأصوات الثلاثة، وتعذب معهم جدا، خاصة أن أصواتهم بعيده جدا عن الغناء حتى أنه أطلق عليهم (ثلاثي الحناجر الخشبية).
وتوقع الفشل التام للأغنية التى كانت بعنوان (أضحك لها) كلمات الشاعر حسيب غباشي، لكن بمجرد عرض الفيلم كانت المفاجأة التى لم تخطر على بال (حلمي أمين) أن الأغنية حققت نجاحا ساحقا من جمهور السينما.
ويومها أكتشف أنه أحيانا كثيرة لا يرضى الفنان عن عمل له، إلا أن هذا العمل يجد صدى وقبولا عند الناس.
رحم الله ملحنا المبدع الكبير (حلمي أمين) الذي مات ودفن في السعودية في مقابر (الحجون) بمكه المكرمة، بجوار قبر السيدة خديجة رضي الله عنها ـ كما ذكرت لي ابنته الإعلامية أمنية حلمي أمين ــ وتم غسل جثمانه مرتين، بماء الورد، وماء زمزم، والمسك، والورد الطبيعي.