
بقلم الدكتور إبراهيم أبوذكري*
في مطلع التسعينيات، وتحديدًا في السنوات التي عملت فيها حكومة الدكتور عاطف صدقي، كانت الساحة الثقافية والإعلامية في مصر تعيش حالة توازن دقيق بين مؤسسات الدولة، وتداخل في الاختصاصات بين وزارتي الثقافة و(الإعلام).. وفي خضمّ هذا المناخ، برزت قصة (اتحاد المنتجين والموزعين العرب) بوصفها نموذجًا دالًا على ذلك التداخل… بل وعلى الصراع الخفي بين رمزين كبيرين في الحكومة: صفوت الشريف وزير الإعلام، وفاروق حسني وزير الثقافة.
بدأت الوقائع بخطاب قصير أرسلته إلى وزارتي (الإعلام) والثقافة، أدعو فيه الوزيرين إلى رعاية الاجتماع التأسيسي لاتحاد المنتجين والموزعين العرب، الذي استضافه فندق سميراميس بالقاهرة.. كان الهدف واضحًا: توحيد الجهود الإنتاجية العربية، وتنظيم العمل المشترك في مجالات الإنتاج والتوزيع والتصوير التلفزيوني، في زمن كانت فيه الدراما العربية تبدأ أولى خطوات انتشارها الإقليمي.
لم يمر وقت طويل بعد إرسال الخطاب، حتى فوجئنا جميعًا بعناوين الصحف اليومية – في القاهرة وخارجها – تنشر تصريحات موسعة لوزير الثقافة فاروق حسني، تتحدث عن الاتحاد وتتبناه وزارة الثقافة رسميًا، وكأنه مشروعها الخالص.
فاروق حسني يتحدث، والاتحاد يصبح (مشروعًا ثقافيًا عربيًا)، نشرت الصحف في ذلك الوقت نصًّا كامل للتصريح:
(فاروق حسني: اتحاد عربي بالقاهرة لمنتجي وموزعي الاعمال التليفزيونية).
أكد فاروق حسنى وزير الثقافة أن وزارة الثقافة تدرس حاليا امكانية اقامة اتحاد عربي لمنتجي وموزعى الاعمال التليفزيونية بناء على طلبهم، وقال أن الاتحاد المقترح يضم المنتجين والموزعين وأصحاب وحدات التصوير والأستوديوهات الخاصة بالأعمال التليفزيونية في العالم من أجل تنظيم اعمالهم العربي ومساعدتهم علي النهوض بالأعمال التليفزيونية التي تخدم القضايا القومية والعربية والاسلامية.

الانتاج العربي المشترك
وأضاف وزير الثقافة لوكالة انباء الشرق الأوسط: أن الاتحاد سيتولى ابرام الاتفاقيات ومواثيق الشرف بين الاتحاد والنقابات والاتحادات الفنية ووزارات (الإعلام) بالدول العربية، بالإضافة إلى وضع المشروعات الانتاج العربي المشترك موضع التنفيذ.
لتحقيق وحدة عربية حقيقية من خلال رؤوس الاموال العربية، وكذلك المساهمة في وضع الدراسات الخاصة بالانتاج والتصوير التليفزيوني من اجل خدمة المواطنين في العالم العربي، وكذلك التنسيق بين الهيئات والمؤسسات العربية في كافة المجالات العلمية والتجارية والرياضية.
وقد عقدت الجمعية العمومية للاتحاد أول اجتماعاتها بالقاهرة، واختارت (إبراهيم أبوذكري) أمينا عاما للاتحاد والمتحدث الرسمي باسمه الأمين العام للجامعة العربية بتونس، ويلتقي أبوذكرى بالشاذلي القليبي لوضع وثائق الاتحاد في الجامعة العربية.
لم تمرّ هذه التصريحات مرور الكرام داخل أروقة وزارة (الإعلام)، فصفوت الشريف لم ير الأمر ثقافيً، فقد اعتبر الوزير صفوت الشريف – بما عُرف عنه من حساسية شديدة تجاه كل ما يتعلق بالتلفزيون والإذاعة – أن ما صدر من وزارة الثقافة يمثل تجاوزًا لحدود الاختصاص، بل ومسًّا مباشرًا بصميم الدور المؤسسي لوزارته.
كان التلفزيون آنذاك جهازًا سياديًا بامتياز، لا يُقترب من مساحته إلا ضمن منظومة (الإعلام) الرسمية، حتى إن امتلاك أجهزة التلفزيون في المنازل كان يخضع لضرائب ورسوم – وهو ما يعكس طبيعة العلاقة آنذاك بين الدولة ووسائل البث.
وحين التقينا، كان عتاب صفوت الشريف حادًّا وواضحًا: الالتجاء إلى وزارة الثقافة – من وجهة نظره – في شأن يخص التلفزيون والإنتاج البصري خطأ مهني جسيم، وأن أي نشاط إنتاجي في هذا المجال يجب أن يمر عبر وزارة (الإعلام) وحدها.

محاولة تفسير.. وصدام في الرؤية
شرحت له يومها أن تبعية النقابات الفنية تقع تقليديًا ضمن مسؤوليات وزارة الثقافة، وأن الإنتاج المسرحي والسينمائي بدوره جزء من منظومتها، وأن المنتجين – بحكم طبيعة أعمالهم – ينطلقون من فضاء ثقافي قبل أن يصل محتواهم إلى منصات العرض والإذاعة، لكن المبررات لم تجد طريقها إلى القبول.
وأصر وزير (الإعلام) على أن يُنشر تكذيب صحفي يعلن أن ما ورد في تصريحات وزير الثقافة لا يعبر عن حقيقة الاتحاد، وأن الأمر برمته قد شابه (لبس) في الفهم.
من هنا بدأت مرحلة جديدة، أصبح فيها الاتحاد – بحكم الأمر الواقع – محل متابعة مباشرة من وزارة الإعلام، بما في ذلك الرحلة التي قمنا بها إلى تونس للقاء الشاذلي القليبي في مقر جامعة الدول العربية، التي كانت آنذاك قد نُقلت إلى تونس في سياق المقاطعة العربية لمصر عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
لفهم ما جرى آنذاك، لا بد من قراءة الأحداث في إطارها:
- كانت مصر قد استعادت تدريجيًا علاقاتها العربية بعد سنوات من تجميد عضويتها في الجامعة العربية.
- كان مطلع التسعينيات زمن إعادة ترتيب الأوراق في النظام الإعلامي العربي، مع ظهور القنوات الفضائية الأولى.
- داخل مصر، لعبت الوزارتان – الثقافة والإعلام – أدوارًا متداخلة لكنها شديدة الحساسية، إذ كانت الثقافة تحمل خطاب الهوية، بينما احتكر الإعلام أدوات البث والظهور.
في هذا المناخ، لم يكن الصراع شخصيًا بقدر ما كان صراع اختصاصات… وصراع رؤية حول من يملك الشرعية في تمثيل «الصوت العربي» على الشاشة.


اتحاد وُلد في منطقة رمادية
وهكذا، وُلد اتحاد المنتجين والموزعين العرب على الأطراف الفاصلة بين وزارتيْن.. تكوَّن في مساحةٍ رمادية بين الثقافة باعتبارها الحاضن الفكري للمحتوى، والإعلام باعتباره بوابة العبور إلى الجمهور.. وقد شكّل ذلك واحدة من أهم تجارب تلك المرحلة، حيث تحوّل مشروع مهني ـ ثقافي إلى ملف سياسي بامتياز، يُدار بدقّة وحساسية، وتُقاس فيه الكلمات بميزان دقيق بين الوزارتين.
لم تكن أزمة التصريحات بين وزارتي (الإعلام) والثقافة مجرد خلاف بروتوكولي حول تبعية كيان مهني جديد، بل تركت أثرًا مباشرًا وعميقًا على مسار (اتحاد المنتجين والموزعين العرب) في سنواته الأولى، سواء على مستوى نشاطه المؤسسي أو مواقفه داخل الفضاء العربي.
أولًا: إبطاء الاعتراف الرسمي بالاتحاد داخل جمهورية مصر العربية إلا بعد أن اعتمد من الجامعة العربية، وأصبح اتحاد منتسب الي الأمانة العامة لجامعه الدول العربية وعضوا مراقبا بمجلس وزراء الاعلام العرب
بعد تدخل وزير (الإعلام) واعتبار الاتحاد شأنًا إعلاميًا خالصًا:
- تأخر اعتماد الاتحاد رسميًا داخل بعض الدوائر الحكومية
- أصبحت كل خطوة – حتى الشكلية منها – تمر عبر مراجعات إدارية طويلة
- انتقل التعامل معه من كيان مهني حر إلى كيان “خاضع للمتابعة”
وهذا أدى إلى تجميد بعض تحركاته الأولى، خصوصًا:
- الاتفاقيات الفنية المشتركة.
- الملفات التي كانت موجهة لوزارات الإعلام العربية.
- المشروعات التي كان مقرّرًا وضعها تحت مظلة الجامعة العربية.
كان واضحًا أن الاتحاد لم يعد يتحرك بوصفه مبادرة مهنية.. بل كملف حساس يتقاطع مع السيادة الإعلامية.
ثانيًا: تغيّر صورة الاتحاد داخل العالم العربي.
كان انتشار خبر تبنيه من وزارة الثقافة قد خلق انطباعًا عربيًا بأنه: (اتحاد ثقافي – فني ذو طابع مهني مستقل).
لكن بعد الأزمة تغيّرت الصورة لدى كثير من الشركاء العرب:
- البعض تعامل معه ككيان (مرتبط بالسلطة الإعلامية المصرية).
- آخرون فضّلوا الانتظار قبل الدخول في شراكات رسمية.
- تحوّل التعامل معه إلى حذر مؤسساتي بدل الحماس المهني الأول.
هذا أثّر خصوصًا على مفاوضات:
- الإنتاج العربي المشترك.
- توحيد أسس التوزيع التلفزيوني.
- مشروعات المواسم الدرامية المشتركة.
ثالثًا: نقل الاتحاد من فضاء (الثقافة) إلى فضاء (السياسة).
جوهر التحول كان على مستوى الهوية:
- قبل الأزمة بعد الأزمة.
- اتحاد مهني يقوده المنتجون.
- كيان منظم داخل المنظومة الإعلامية الرسمية.
- يتحرك بمنطق الصناعة والثقافة.
- يتحرك بمنطق التوازنات والعلاقات الرسمية
- حوار مباشر مع النقابات والهيئات الفنية.
- حوار عبر بوابات وزارية ومؤسسات حكومية
وهذا انعكس على آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد نفسه:
- أصبحت الخطوات تتطلب حسابات دبلوماسية.
- وتقدير انعكاس كل نشاط على علاقات الدول العربية.
رابعًا: صلابة التجربة رغم القيود، ورغم كل ذلك – لم تنكسر التجربة.. بل يمكن القول إن الواقعة:
- منحت الاتحاد وزنًا رسميًا أكبر.
- جعلته طرفًا معتبرًا في الملفات الإنتاجية العربية.
- وفتحت له أبواب الحوار مع الجامعة العربية ومؤسساتها.
لكن بثمن واضح: الانتقال من حرية المبادرة المهنية إلى العمل داخل مساحات محسوبة سياسيًا وإداريًا.
خامسًا: مكسب تاريخي.. وخسارة مبكرة
يمكن تلخيص تأثير الواقعة في عبارتين:
- المكسب: شرعية عربية أوسع ومكانة مؤسسية رسمية.
- الخسارة: تباطؤ في الانطلاق وقيود على الحركة المستقلة.
لقد انتقل الاتحاد – منذ لحظاته الأولى من مشروع صناع الدراما والإنتاج، إلى كيان يُدار بمنطق الدولة العربية ومؤسساتها… وهذا ما جعل تجربته دائمًا مزيجًا بين:

وكلمة أخيرة:
تُعدّ وزارتي (الإعلام) والثقافة ركيزتين أساسيتين في بناء الوعي العام وتشكيل الهوية الوطنية، غير أنّ لكلٍّ منهما مجاله واختصاصه. فوزارة الثقافة تُعنى بتنمية الإبداع والفنون والآداب، وحفظ التراث الوطني المادي والمعنوي، ودعم الفاعلين الثقافيين والمؤسسات الفنية، كما تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وتعزيز الانفتاح الفكري.
أما وزارة الإعلام فتركّز على تنظيم الخطاب الإعلامي وإدارة وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وضمان تدفّق المعلومات إلى الجمهور بشكل مسؤول ومتوازن، إضافةً إلى توجيه الرسائل الوطنية وتمثيل صورة الدولة في الفضاء الإعلامي. وتكمن الحدود الفاصلة بين الوزارتين في أن الثقافة تهتم بالمحتوى الإبداعي والمعرفي في جوهره، بينما يهتم الإعلام بآليات نشر هذا المحتوى وتقديمه للجمهور عبر القنوات الاتصالية. ومع ذلك، فإن العلاقة بينهما تكاملية؛ فالثقافة ترفد (الإعلام) بالمضامين، و(الإعلام) يوسّع انتشار الثقافة ويقرّبها من المجتمع.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب