


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
جاء فيلم (7 Dogs) ليُثبت أن المال قادر على شراء الضجيج، لكنه عاجز عن شراء فكرةٍ عظيمة.. صار الفن اليوم يُقاس بالميزانية الجبارة، لا بعدد الأسئلة التي يُلقيها في عقل المشاهد.. عُرض الفيلم الأعلى تكلفة في تاريخ السينما العربية أول أيام عيد الأضحى، فارتفع مع عرضه مستوى التطبيل. لكن أي قيمةٍ لزيفٍ يُبهر العين ساعتين ثم يترك الروح خاوية؟
فماذا سيبقى في صدرك حين تنطفئ الأنوار وتعود إلى واقعك؟.. احتفل بالضخامة إن شئت، لكن اعلم أن عقلك سيسألك سؤالاً واحداً لا مهرب منه: هل خرجت بفكرةٍ تُحييك، أم بضوضاءٍ تُنسيك؟
فيلم (7 Dogs) ليس مجرد فيلم.. هو مرآة لاتجاه كامل في صناعة السينما العربية، اتجاه يراهن على أنك ستنسى سريعاً.. يراهن على أنك ستخرج مبهوراً بالتفجير، مذهولاً بالنجوم، فلا يعود في رأسك متسع لسؤال واحد.
لكن المؤكد أن الإسراف لا يبني عقلاً، ولا يحرر وعياً، ولا يوقظ أمة.. التاريخ السينمائي علّمنا أن الأفلام التي بقيت لم تكن الأغلى، بل الأصدق.. العظمة كانت دائماً في الفكرة التي تعيش بعد انتهاء العرض، لا في المبلغ الذي صُرف قبل بدايته.
المشهد الذي يُقدَّم اليوم على أنه إنتاج ضخم، اعتاد المصري أن يراه من قبل في الملاهي الليلية: مال يُلقى بلا حساب على الراقصات للفت الانتباه ونيل الإعجاب.. واليوم يتكرر المشهد بنفس المنطق، لكن على مسرح أوسع وبأسماء أغلى.
الفرق الوحيد أن الكاميرا صارت أحدث، والإضاءة أقوى، والمُعلّقون أكثر صخباً.. نفس المعادلة القديمة: اصرف ببذخ، اصنع ضجة، وامنع الجمهور من السؤال.. كأن الهدف لم يعد صناعة فيلم، بل صناعة ترند يموت بعد أيام.

البقاء للأثر، لا للبهرجة
ما يُبهر الخليجي لا يُبهر المصري، لأن المقياس مختلف.. فالمصري الذي بنى الهرم، وأنشأ السد العالي، وحفر القناة وعبرها، وحطّم خط بارليف، ونال جائزة نوبل في الأدب والعلم والسياسة، وترك بصمته في السينما العالمية مع عمر الشريف، لا يرى في هذا الإنفاق رؤية.
هو يراه انشغالاً بالمظهر عن الجوهر، وغفلةً عن أن التاريخ لا يُكتب بالأجرة، وأن المجد لا يُستأجر بعقودٍ مرتفعة.. هذا المقياس لم يأتِ من فراغ.. هو حصيلة قرون من تجربة شعب تعلم أن البقاء للأثر، لا للبهرجة.. المصري سأل عن (طه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب محفوظ)، قبل أن يسأل عن ميزانية الفيلم.
اسأل التاريخ: ما الذي بقي؟
بقي فيلم صُنع في غرفة واحدة، اسمه (12 Angry Men) بقي لأنه لم يبعك وهماً، بل باعك سؤالاً عن العدالة في داخلك أنت.. غرفة، اثنا عشر رجلاً، وحوار.. لا انفجارات، لا نجوم بأجور خيالية، ومع ذلك الفيلم حيٌّ حتى اليوم لأنه يمسّ روحك وعقلك وضميرك.
وبقيت أفلامنا المصرية: (الحرام، الأرض، شباب امرأة، البوسطجي، حياة أو موت، جعلوني مجرماً، درب المهابيل، قنديل أم هاشم، غزل البنات، الكيت كات، سواق الأتوبيس، موعد على العشاء، الطوق والأسورة، العار، اضحك الصورة تطلع حلوة)، وغيرها.
لا لأنها كانت فخمة، بل لأنها كانت صادقة.. كانت تقول لك: هذا أنت، وهذا وجعك، وهذه معركتك.. فاحتضنتها الذاكرة لأنها لمستها من الداخل. هذه الأفلام لم تُنتج لتُنسى، بل لتُعاد مشاهدتها في كل مرة تشعر فيها أنك بحاجة لتذكيرٍ بمن أنت.
أما سينما الإبهار، فهي مثل حلوى سريعة الذوبان.. تحلي لسانك دقيقتين، ثم تتركك فارغاً وأكثر عطشاً.. والأسوأ أنها لا تريدك أن تشبع.. تريدك مستهلكاً هادئاً: تضحك، تنبهر، تصفق، ثم تعود إلى بيتك بلا سؤال.. لأن السؤال خطر.. الإنسان الذي يسأل يبدأ بالمطالبة، والأنظمة الوراثية ترى الشعوب تركة.
لا تريد مواطنين يطالبون، تريد جمهوراً يصفق ولا يفكر. تريد عيناً تتسع للمؤثرات، وعقلاً ينغلق أمام المعنى. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن تتحول السينما من أداة وعي إلى أداة تخدير.

المخدر وظيفته أن يغيبك
سيقول لك أصحاب الدعوات للعرض الخاص والبرامج والندوات لفيلم (7 Dogs): إنه نقلة سينمائية.. إنتاج عالمي، إخراج مبهر، تفجيرات دخلت موسوعة جينيس.. وكل هذا صحيح، لكنني أسألك: ومتى كانت الضخامة دليلاً على العظمة؟.. هل صار الحجم معياراً للقيمة؟.. لو كان كذلك لكان أكبر مبنى في العالم أعظم من مسرحية لشكسبير لكننا نعرف أن بيتاً من قصيدة صادقة قد يهزّك أكثر من برجٍ لا يسكنه أحد.
العظمة أن تخرج من الفيلم إنساناً أرقى.. أن تشعر أن كلمة قيلت هزّت شيئاً فيك لم يكن يتحرك منذ سنوات.. أما أن تخرج وأنت تقول (واو) ثم تنسى، فهذه ليست سينما.. هذه مخدر.. والمخدر وظيفته أن يغيبك، لا أن يوقظك.
والأخطر أننا نبيع مع الفيلم شيئاً أثمن من المال: لغتنا، وصوتنا، وحضورنا.. حين تسمي فيلمك العربي (7 Dogs)، فأنت تقول للعالم ولنفسك: لغتي لا تصلح.. رسالة واضحة أن السوق الأجنبي أهم من الجمهور العربي، وأن الهوية قابلة للرهن مقابل تذكرة مرور على السجادة الحمراء.. (نجيب محفوظ) لم يكتب بالإنجليزية لينال نوبل.. كتب بالعربية، بلهجة القاهرة، بوجع الحارة المصرية، فجاء العالم إليه.
العالمية الحقيقية أن تأتي بصوتك أنت، بوجعك أنت، فتفرضه على العالم.. أما من يتبرأ من لغته في البداية، فهو مستعد أن يتبرأ من كل شيء بعدها.. اللغة ليست ديكوراً، هي وعاء الفكر.. ومن يفرّغ وعاءه يفرّغ عقله.
انظر إلى السينما الكورية، الهندية، الإيرانية.. لم تذهب إلى العالمية لأنها قلّدت هوليوود، بل لأنها تمسّكت بخصوصيتها.. قدمت قصصها المحلية بصدق، فوجدت صدىً عالمياً.. الجمهور في لندن وباريس لا يريد نسخة رديئة من فيلم أمريكي، هو يريد أن يرى عالمك بعينيك أنت. حين تتنازل عن ذلك، تخسر جمهورك وتخسر العالم معاً.
يا صديقي، كل تذكرة تشتريها هى صوت.. كل مشاهدة هي تصويت على نوعية الفن الذي تريد أن يعيش.. فإن اخترت الفيلم الذي يسألك، فأنت تختار أن تبقى حياً.. وإن اخترت الفيلم الذي يخدرك، فلا تلم إلا نفسك حين تفيق فتجد أن شيئاً فيك قد مات.
الذائقة لا تُفرض من فوق، هى تُصنع باختياراتنا اليومية.. كل مرة تدفع فيها ثمن تذكرة، أنت تقول للمنتج: أكمل على هذا الطريق.. وكل مرة ترفض فيها الفارغ، أنت تفتح مساحة للصادق أن يظهر.

التاريخ لا يذكر الميزانيات
قالها مالك بن نبي قبلنا بزمن: (لا يقاس غنى المجتمع بما يملك من أشياء، بل بما فيه من أفكار).
و(7 Dogs) يحاول أن يقنعك بعكس ذلك.. يحاول أن يقول لك: الغنى في الميزانية، في الضجة، في الاسم الأجنبي.. لكن التاريخ لا يذكر الميزانيات.. التاريخ يذكر الأفكار التي وقفت في وجه الزمن ولم تنكسر.
المشكلة ليست في الإنتاج الضخم بحد ذاته.. الإنتاج الضخم يمكن أن يكون عظيماً إذا كان في خدمة فكرة.. المشكلة أن يصبح الضخم بديلاً عن الفكرة، أن يصبح الهدف هو الصدمة البصرية لا الصدمة الفكرية.. حينها تتحول السينما إلى سيرك، والجمهور إلى متفرجين ينتظرون مشهد الانفجار الكبير.
فاسأل نفسك بعد كل فيلم: هل خرجت بسؤال أم بلا شيء؟ .. فإن كانت الإجابة لا شيء، فاعلم أنك قد خدرت!
والمعركة لا تزال بيدك.. ما دمت تقرأ، ما دمت تسأل، فأنت لم تُهزم بعد.. لأن السؤال هو أول فعل مقاومة.. هو الشرارة التي تبدأ بها المطالبة بفنٍ يحترمك، بفنٍ يراك إنساناً لا محفظة.. اختر جيداً.. فالسينما التي تشاهدها اليوم هى الذاكرة التي ستعيش بها غداً.