رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حلم مؤجل على الشاشة.. (الطريق إلى الله) يعيد اكتشاف آخر مشروعات (شادي عبد السلام)

حلم مؤجل على الشاشة.. (الطريق إلى الله) يعيد اكتشاف آخر مشروعات (شادي عبد السلام)
تأتي إعادة عرض فيلم (الطريق إلى الله) للمرة الثانية استجابة لرغبة عدد كبير من محبي السينما

كتب: مروان محمد

هناك أفلام تنتهي رحلتها بمجرد عرضها على الشاشة، وأخرى تظل حاضرة رغم مرور السنوات، تحمل معها أحلام أصحابها وأسئلتهم ورؤاهم الفنية التي تتجاوز حدود الزمن. ومن بين هذه الأعمال يقف فيلم (الطريق إلى الله) باعتباره واحداً من أكثر المشاريع السينمائية خصوصية في تاريخ السينما المصرية.

ليس فقط لأنه يحمل توقيع المخرج الكبير الراحل شادي عبد السلام، وإنما لأنه يمثل جزءاً من حلم فني لم يكتمل، وظل لسنوات طويلة ينتظر من يعيده إلى الحياة.

وفي محاولة جديدة لإتاحة الفرصة أمام جمهور السينما لمشاهدة فيلم (الطريق إلى الله)، هذا العمل النادر، ينظم مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور أحمد صالح، أمسية سينمائية خاصة بالتعاون مع إدارة التنشيط الثقافي والفكري بدار الأوبرا المصرية، وذلك مساء الأربعاء الموافق 24 يونيو، تحت رعاية وزيرة الثقافة الأستاذة الدكتورة جيهان زكي.

وتأتي إعادة عرض فيلم (الطريق إلى الله) للمرة الثانية استجابة لرغبة عدد كبير من محبي السينما والمهتمين بأعمال شادي عبد السلام، بعدما شهد عرضه السابق إقبالاً جماهيرياً لافتاً أدى إلى اكتمال سعة المسرح وعدم تمكن الكثيرين من حضور الأمسية، وهو ما دفع القائمين على الفعالية إلى إعادة تقديم العمل مرة أخرى أمام الجمهور.

حلم مؤجل على الشاشة.. (الطريق إلى الله) يعيد اكتشاف آخر مشروعات (شادي عبد السلام)
مشروع فيلم (أخناتون)، الذي ارتبط اسمه بالبحث في التاريخ المصري القديم وتقديمه برؤية بصرية مغايرة

رؤية بصرية مغايرة

لكن قصة (الطريق إلى الله) لا تبدأ عند شاشة العرض، بل تعود إلى سنوات طويلة مضت، حين كان (شادي عبد السلام) منشغلاً بأحد أكبر أحلامه السينمائية، وهو مشروع فيلم (أخناتون)، فالمخرج الذي ارتبط اسمه بالبحث في التاريخ المصري القديم وتقديمه برؤية بصرية مغايرة، أمضى سنوات طويلة في التحضير لهذا المشروع الطموح الذي كان يراه امتداداً لمشروعه الفني والفكري.

وبالفعل بدأ (شادي عبد السلام) في معاينة مواقع التصوير، وصوّر عدداً من المشاهد الأولية، ووضع تصورات تفصيلية للفيلم، إلا أن القدر لم يمهله لاستكمال المشروع، إذ رحل قبل أن يرى حلمه يتحقق على الشاشة.

وبعد وفاته، بقيت وراءه كنوز فنية مهمة، تمثلت في نحو 75 دقيقة من المواد المصورة، إضافة إلى كراسة ضخمة بخط يده تضم 129 صفحة، احتوت على أفكاره وملاحظاته ومسودات المشاهد والتصورات الأولية الخاصة بالمشروع، لتتحول هذه الأوراق لاحقاً إلى مفتاح لفهم عالمه الفني ورؤيته السينمائية الفريدة.

ومع مرور السنوات، برزت الحاجة إلى إنقاذ هذا الإرث الفني من الضياع، وهنا جاء دور المركز القومي للسينما، الذي قدم دعماً مالياً وفنياً لاستكمال المواد المتبقية وإعادة صياغتها في عمل يمكن أن يصل إلى الجمهور ويحافظ على روح صاحبه.

وتولى الدكتور مجدي عبد الرحمن، أحد أقرب تلاميذ (شادي عبد السلام) وأصدقائه، مسؤولية استكمال المراحل النهائية للعمل. ولم تكن المهمة سهلة، فالرجل لم يكن يتعامل مع فيلم عادي، بل مع مشروع تركه صاحبه ناقصاً ومحملاً بالأفكار والأسئلة. لذلك سعى إلى الحفاظ على رؤية أستاذه قدر الإمكان، مستعيناً بالمخرجة الراحلة نبيهة لطفي، التي كانت واحدة من مساعدي شادي عبد السلام المقربين.

وخرجت النتيجة في صورة ثلاثية سينمائية حملت عنوان (الطريق إلى الله)، لتصبح بمثابة نافذة جديدة يطل منها الجمهور على عالم المخرج الراحل وأفكاره التي لم تتح له الحياة استكمالها بنفسه.

وتتكون الثلاثية من ثلاثة أفلام تسجيلية قصيرة. يحمل الجزء الأول عنوان (الحصن)، بينما جاء الجزء الثاني بعنوان (الدنداراوية)، وفي هذين العملين يتتبع شادي عبد السلام رحلة الإنسان المصري في بحثه الدائم عن المعنى والسكينة والاتصال بالخالق، من خلال طقوس الذكر والعمل والارتباط بالأرض والتمسك بالقيم الروحية التي شكلت جزءاً أصيلاً من الشخصية المصرية عبر التاريخ.

أما الجزء الثالث فيكتسب أهمية خاصة، لأنه يمثل الاقتراب الأقرب من مشروع (أخناتون) الذي ظل حلم عمر بالنسبة للمخرج الراحل، ويحمل هذا الجزء ملامح من مشروعه غير المكتمل (مأساة البيت الكبير – أخناتون)، الذي ظل يعمل عليه لأكثر من اثني عشر عاماً، باحثاً عن طريقة مختلفة لتقديم واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ المصري القديم.

حلم مؤجل على الشاشة.. (الطريق إلى الله) يعيد اكتشاف آخر مشروعات (شادي عبد السلام)
يظل فيلمه الأشهر (المومياء) علامة فارقة في تاريخ السينما

(المومياء) علامة فارقة في السينما

ويُعد (شادي عبد السلام) أحد أبرز رموز السينما المصرية والعربية، وصاحب تجربة فنية متفردة جعلته يحتل مكانة استثنائية بين كبار المخرجين. ويظل فيلمه الأشهر (المومياء) علامة فارقة في تاريخ السينما، ليس فقط في مصر، بل على مستوى السينما العالمية، لما قدمه من لغة بصرية شديدة الخصوصية ورؤية فنية جمعت بين التاريخ والفلسفة والجمال.

وقد شهد فيلم (الطريق إلى الله) عرضه العالمي الأول عام 2012 ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، حيث حظي باهتمام واسع من النقاد والمهتمين بتاريخ السينما المصرية، باعتباره عملاً يعيد إحياء جزء مهم من تراث أحد أبرز مخرجيها.

وعقب العرض المرتقب بدار الأوبرا المصرية، تُقام ندوة خاصة لمناقشة الفيلم وإضاءاته الفنية والفكرية، يديرها الناقد السينمائي الكبير أحمد سعد الدين، بمشاركة الدكتور مجدي عبد الرحمن، والأستاذة الدكتورة رحمة منتصر، ومهندس الديكور أنسي أبو سيف، حيث يتناول المشاركون كواليس استكمال المشروع، وأهمية الحفاظ على تراث شادي عبد السلام، والدلالات الفنية التي تحملها هذه الأعمال النادرة.

ويأتي تنظيم هذه الأمسية في إطار جهود مركز الثقافة السينمائية للحفاظ على الذاكرة البصرية المصرية، وإعادة تقديم الأعمال التسجيلية والتراثية المهمة للأجيال الجديدة، إيماناً بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل وثيقة ثقافية وتاريخية تحفظ ملامح المجتمع وأحلام مبدعيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.