رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أسرار جديدة في حياة (يحيى حقي).. بين حكاية قنديل أم هاشم وكواليس كوكب الشرق

أسرار جديدة في حياة (يحيى حقي).. بين حكاية قنديل أم هاشم وكواليس كوكب الشرق
لقاء خاص مع (نهى يحيى حقي)، التي تحمل في ذاكرتها مجموعة من الحكايات الإنسانية والفنية عن والدها

كتب: مروان محمد

في ليلة مختلفة من ليالي الفن والأدب، يفتح برنامج (معكم منى الشاذلي) أبوابه أمام حكايات تحمل رائحة الزمن الجميل، حين يجتمع الغناء مع الأدب، وتلتقي أصوات الماضي بذكريات واحد من أهم أعلام الثقافة المصرية والعربية.. الأديب الكبير (يحيى حقي).

وتشهد حلقة الليلة حضور الفنان والمطرب الشاب سعد العود وفرقته الموسيقية، في فقرة تعيد الجمهور إلى أجواء الأغنية التي لا تموت، قبل أن تنتقل الحلقة إلى عالم الأدب من خلال لقاء خاص مع (نهى يحيى حقي)، ابنة الأديب الراحل، التي تحمل في ذاكرتها مجموعة من الحكايات الإنسانية والفنية عن والدها وعن جيل كامل من عمالقة الأدب والفكر.

ويقدم (سعد العود) خلال الحلقة مجموعة من الأغنيات التي ارتبطت بوجدان الجمهور، مستعيدًا أعمالًا لعدد من كبار المطربين، من بينهم وردة، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، راغب علامة، وأحمد عدوية، في أجواء يشارك فيها جمهور الاستوديو بالغناء والتفاعل.

لكن الجزء الأكثر خصوصية في الحلقة يأتي مع (نهى يحيى حقي)، التي تفتح دفاتر الذاكرة، وتستعيد تفاصيل من حياة والدها، إلى جانب حكايات نادرة عن علاقاته بعدد من كبار الأدباء والفنانين، في مقدمتهم طه حسين، نجيب محفوظ، وعباس محمود العقاد.

حين يُذكر اسم (يحيى حقي)، فإننا لا نتحدث فقط عن أديب كتب رواية أو مجموعة قصصية، وإنما عن واحد من المثقفين الذين عاشوا تحولات مصر الحديثة، واقتربوا من الإنسان المصري في تفاصيل حياته اليومية، ونجحوا في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أدب كبير.

ولد (يحيى حقي) في القاهرة عام 1905، ونشأ في بيئة مصرية عريقة، وانتمى إلى أسرة ذات جذور تركية، وهو ما منحه منذ طفولته تماسًا مع طبقات مختلفة من المجتمع المصري، وفتح أمامه أبوابًا واسعة للتأمل في الإنسان والمكان والهوية.

أسرار جديدة في حياة (يحيى حقي).. بين حكاية قنديل أم هاشم وكواليس كوكب الشرق
لم يكن (يحيى حقي) موظفًا دبلوماسيًا فحسب، بل كان أديبًا يحمل مشروعًا خاصًا

وجد نفسه في الأدب

درس الحقوق، وتخرج في مدرسة الحقوق عام 1925، لكنه لم يتعامل مع الشهادة باعتبارها نهاية الطريق، فقد كان الأدب هو المساحة التي وجد فيها نفسه الحقيقية.

عمل في السلك الدبلوماسي، وتنقل بين عدد من الدول، وكان لهذه التجربة أثر واضح في تكوينه الثقافي والإنساني، إذ أتاح له السفر والاحتكاك بثقافات مختلفة أن يرى مصر من مسافة، وأن يكتشف في الوقت نفسه تفاصيلها بصورة أكثر عمقًا.

ومن بين المحطات المهمة في حياته عمله في السلك الدبلوماسي المصري، حيث خدم في عدد من البلدان، وهو ما جعله يكتسب خبرات إنسانية وثقافية انعكست لاحقًا على كتاباته.

لكن (يحيى حقي) لم يكن موظفًا دبلوماسيًا فحسب، بل كان أديبًا يحمل مشروعًا خاصًا، يرى أن الأدب ليس مجرد حكايات، وإنما وسيلة لفهم الإنسان والمجتمع.

وإذا كان هناك عمل واحد ارتبط باسم (يحيى حقي) في الذاكرة العربية، فهو بلا شك رواية (قنديل أم هاشم) التي تعد واحدة من أشهر الأعمال الأدبية في تاريخ الرواية المصرية الحديثة.

في هذه الرواية، يضع (يحيى حقي) بطله أمام صراع عميق بين العلم والخرافة، وبين ما يحمله الإنسان من أفكار حديثة وما ترسخ في وجدانه من موروثات اجتماعية وشعبية.

ومن خلال شخصية إسماعيل، الشاب الذي يعود إلى مصر بعد دراسة الطب في أوروبا، يطرح (يحيى حقي) سؤالًا يتجاوز حدود الحكاية: كيف يمكن للإنسان أن يجمع بين العلم والإيمان؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يستفيد من الحداثة دون أن يفقد جذوره؟

ولم تكن أهمية الرواية في موضوعها فقط، وإنما في قدرتها على تقديم هذا الصراع بلغة أدبية عميقة، تجعل من المكان نفسه شخصية حاضرة في الحكاية.

ومن المفارقات الإنسانية التي تستعيدها ابنته (نهى يحيى حقي) في لقاءاتها، الحديث عن اللحظات الأخيرة من حياة والدها، الذي رحل متأثرًا بالمرض نفسه الذي تناوله في روايته الشهيرة، في مفارقة مؤثرة جعلت (قنديل أم هاشم) تبدو وكأنها لم تكن مجرد رواية كتبها الأديب، وإنما عالمًا ظل يرافقه حتى النهاية.

أسرار جديدة في حياة (يحيى حقي).. بين حكاية قنديل أم هاشم وكواليس كوكب الشرق
كان قادرًا على النظر إلى الشارع والحارة والبيت والمقهى، وتحويلها إلى فضاءات تكشف طبيعة المجتمع وتحولاته

الأديب الذي أحب التفاصيل الصغيرة

تميز أسلوب يحيى حقي بالاقتراب من الإنسان العادي، والاحتفاء بالتفاصيل التي قد تبدو بسيطة لكنها تحمل في داخلها معاني إنسانية واجتماعية كبيرة.. كان قادرًا على النظر إلى الشارع والحارة والبيت والمقهى، وتحويلها إلى فضاءات أدبية تكشف طبيعة المجتمع وتحولاته، كما جاء في رواية (البوسطجي).

ولهذا ارتبط اسمه بفن القصة القصيرة، وكان واحدًا من أبرز الذين أسهموا في تطويرها داخل الأدب العربي الحديث، وفي كتاباته، لم يكن الإنسان مجرد شخصية تتحرك داخل الأحداث، بل كان هو جوهر الحكاية؛ بمخاوفه وأحلامه وانكساراته وتناقضاته.

وهنا تكمن خصوصية مشروعه الأدبي، فقد امتلك لغة تجمع بين البساطة والعمق، وبين الحس الشعبي والرؤية الفكرية، دون أن يفقد نصه جماله الفني.

لم يكن يحيى حقي بعيدًا عن الحياة الثقافية المصرية، بل كان جزءًا من جيل شهد صعود أسماء صنعت تاريخ الأدب العربي.

وفي الحلقة، تستعيد ابنته (نهى يحيى حقي) عددًا من الحكايات والذكريات المرتبطة بأسماء كبيرة مثل طه حسين، نجيب محفوظ، والعقاد، لتكشف جانبًا من العلاقات الإنسانية التي كانت تجمع رموز الثقافة المصرية في زمن كان فيه الأدب والفكر جزءًا أساسيًا من الحياة العامة.

وكان (يحيى حقي) واحدًا من المثقفين الذين آمنوا بأن الثقافة ليست برجًا عاجيًا، بل مسؤولية تجاه المجتمع والإنسان، وقد انعكس ذلك في كتاباته ومقالاته وأعماله النقدية، كما ظهر في اهتمامه باللغة العربية وبالتراث وبالمشهد الثقافي المصري.

لم يتوقف حضور (يحيى حقي) عند الرواية والقصة، بل امتد إلى الصحافة والعمل الثقافي، حيث تولى رئاسة تحرير مجلة (المجلة) وأسهم في تقديم مساحة مهمة للأدباء والمثقفين والمبدعين.

وكان حضوره في الحياة الثقافية قائمًا على فكرة أساسية، هي أن الأدب الحقيقي قادر على صناعة الوعي، وأن الكاتب لا يعيش منفصلًا عن عصره، ولهذا ظل (يحيى حقي) حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالهوية واللغة والتراث والحداثة، وهي القضايا التي شكلت جانبًا مهمًا من أسئلة الثقافة المصرية في القرن العشرين.

أسرار جديدة في حياة (يحيى حقي).. بين حكاية قنديل أم هاشم وكواليس كوكب الشرق
تأتي فقرة (سعد العود) لتعيد صياغة العلاقة بين الجمهور والأغنية القديمة

كلمات أغنية لأم كلثوم

وفي واحدة من أكثر الحكايات إثارة خلال الحلقة، تكشف (نهى يحيى حقي) عن احتفاظها بكلمات أغنية كانت مخصصة لكوكب الشرق أم كلثوم، لكنها رحلت قبل أن تغنيها.

وتروي أنها عثرت على هذه الكلمات بالصدفة أثناء وجودها في منزل أم كلثوم برفقة زوج خالتها، الذي كان الطبيب الخاص لكوكب الشرق.

حكاية صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف عن عالم كامل كان يجمع الأدباء بالموسيقيين والمطربين، ويؤكد أن العلاقات بين رموز الثقافة المصرية لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل كانت جسورًا صنعت كثيرًا من الحكايات التي بقي بعضها في الذاكرة، واختفى بعضها الآخر مع رحيل أصحابها.

وفي الجانب الآخر من الحلقة، تأتي فقرة (سعد العود) لتعيد صياغة العلاقة بين الجمهور والأغنية القديمة.

فبينما تستعيد (نهى يحيى حقي) ذاكرة الأدب وأيام العمالقة، يعيد (سعد العود) تقديم مجموعة من الأغنيات التي صنعت وجدان أجيال، من أم كلثوم ووردة وعبد الحليم حافظ إلى عدوية وراغب علامة.

وبذلك تبدو الحلقة وكأنها رحلة واحدة، تبدأ من الأغنية وتنتهي عند الأدب، لكنها في الحقيقة تبحث عن الشيء نفسه: ذاكرة مصر التي صنعتها أصوات وأقلام لا تزال حاضرة رغم رحيل أصحابها.

فأم كلثوم التي غابت عن الدنيا منذ عقود لا تزال أغنياتها تعيش، وعبد الحليم حافظ لا يزال صوته حاضرًا، ووردة لا تزال أغنياتها تتردد، فيما بقي يحيى حقي حيًا في كتبه وشخصياته وأفكاره.

وهكذا، تأتي حلقة (معكم منى الشاذلي) كأنها جلسة طويلة مع زمن لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة؛ زمن كان فيه الأدب أغنية، وكانت الأغنية قصيدة، وكان المثقف جزءًا من المشهد العام.

وفي قلب هذه الحكاية يقف (يحيى حقي)، الأديب الذي اختار أن يكتب عن الإنسان قبل أن يكتب عن البطولة، وأن ينصت إلى نبض الشارع قبل أن يبحث عن المجد.

ومن (قنديل أم هاشم) إلى حكايات أم كلثوم، ومن طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ إلى أغنيات الزمن الجميل، تظل الحكاية واحدة: مصر التي صنعت أدباءها وموسيقييها وفنانيها، تركت وراءها ذاكرة أكبر من الغياب.. ذاكرة لا تزال كلما فتح أحدهم دفترها، خرجت منه حكاية جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.