(علي الحجار).. صوتٌ لا يعرف الرقص على إيقاع الترند!

كتبت: صبا أحمد
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أحيانًا أسرع من الموهبة، والضجيج أعلى من الغناء، والـ (تريند) قادرًا على أن يصنع نجومية عابرة في ساعات، يبقى هناك نوع آخر من النجوم.. نجوم لم تصنعهم مواقع التواصل، ولم تمنحهم الخوارزميات ألقابهم، وإنما صنعتهم سنوات طويلة من التعب، والموهبة، والاختيار الصعب مثل الفنان الكبير (علي الحجار).
في الإسكندرية، حيث للبحر ذاكرة لا تنسى، وللأغاني قدرة غريبة على استدعاء الحنين، كان الموعد هذه المرة مع صوت لا يحتاج إلى مقدمات كي يعرفه الجمهور.. صوت بمجرد أن يبدأ الغناء، تتساقط من الذاكرة عشرات الحكايات.
إنه (علي الحجار)، الذي اختار أن يلتقي بجمهوره في مكتبة الإسكندرية، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان الصيف الدولي، في ليلة تحولت إلى احتفال حقيقي بواحد من الأصوات المصرية التي استطاعت أن تعبر الزمن دون أن تفقد ملامحها.
الحفل شهد إقبالًا جماهيريًا كبيرًا وتفاعلًا واضحًا مع (علي الحجار)، الذي قدم باقة من أشهر أغنياته التي ارتبط بها الجمهور عبر سنوات طويلة، من بينها: (المال والبنون، وفي قلب الليل، أهو ده اللي صار، بنت وولد، زي الهوى، العروسة، الليل وآخره، عارفة، وإسكندراني)، إلى جانب مجموعة أخرى من أعماله.
ولم تكن الأغنيات مجرد فقرات متتالية في برنامج حفلي، وإنما بدت كأنها صفحات من دفتر عمر طويل؛ كل أغنية تفتح بابًا لذكرى، وكل لحن يعيد المستمع إلى زمن ارتبط فيه الغناء بالكلمة واللحن والأداء، لا بمجرد سرعة الانتشار.
وهنا تكمن خصوصية (علي الحجار).. فهو من المطربين الذين لا يغنون الأغنية فقط، وإنما يمنحونها عمرًا جديدًا في كل مرة.
عندما نتحدث عن (علي الحجار)، فإننا لا نتحدث عن مطرب صاحب عدد كبير من الأغنيات فحسب، وإنما عن تجربة فنية تشكلت عبر عقود من التعاون مع أسماء كبيرة في الشعر والتلحين.
نقطة التحول الكبرى في مشواره
بدأ (علي الحجار) رحلته الاحترافية في سبعينيات القرن الماضي، وكانت نقطة التحول الكبرى في مشواره عندما التقى الموسيقار بليغ حمدي، الذي اكتشف موهبته واحتضن صوته، لتبدأ رحلة مطرب سيصبح لاحقًا أحد أهم الأصوات المصرية في الأغنية الحديثة.

مطربً صاحب صوت قوي
وفي عام 1977، قدم (علي الحجار) أغنية (على قد ما حبينا) من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي، ليخطو أولى خطواته الكبيرة نحو الجمهور.
لكن الحجار لم يكتفِ بأن يكون مطربًا صاحب صوت قوي، وإنما اختار طريقًا أكثر صعوبة؛ طريق الأغنية التي تبحث عن شاعر، واللحن الذي يبحث عن صوت، والصوت الذي يبحث عن معنى.. ولهذا تعاون عبر مسيرته مع أسماء مثل صلاح جاهين، وسيد حجاب، وعبد الرحمن الأبنودي، وعمار الشريعي، ومحمد الموجي، وكمال الطويل وغيرهم.
وكانت (رباعيات صلاح جاهين) واحدة من العلامات الفارقة في تجربته، لأنها كشفت قدرة صوته على التعامل مع الشعر باعتباره حالة إنسانية وفلسفية، وليس مجرد كلمات موزونة.. ولعل أحد أهم الأبواب التي دخل منها علي الحجار إلى وجدان الجمهور المصري كان باب الدراما.
صوته ارتبط بمجموعة من أشهر تترات المسلسلات، وأصبح في بعض الأعمال جزءًا من هوية المسلسل نفسه.. ومن أبرز هذه المحطات (بوابة الحلواني) التي ارتبطت في وجدان الجمهور بصوته وكلمات سيد حجاب وألحان بليغ حمدي.
وهنا يمكن فهم سر بقاء (علي الحجار) حتى الآن.. فالمطرب الذي يستطيع أن يغني الحب، والوطن، والإنسان، والحنين، والتاريخ، والوجع المصري، يصبح من الصعب وضعه في خانة زمنية محددة.
وبينما كان جمهور مكتبة الإسكندرية يستعيد مع (علي الحجار) أغنياته القديمة، كان المطرب الكبير يحمل معه إلى الحفل شيئًا من الحاضر أيضًا.. إنها أغنيته الجديدة (أول معاد) التي تأتي من كلمات الشاعر مايكل عادل، وألحان وتوزيع شادي مؤنس، بينما تولى المخرج تامر الخشاب إخراج الكليب المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمونتاج.

لسنا أمام تجربة عابرة
واللافت أن (أول معاد) تأتي في سياق تعاون فني سبق أن جمع الحجار بمايكل عادل وشادي مؤنس.. فمايكل عادل سبق أن تعاون مع (علي الحجار) في (قبل ما تواعد)، بينما ارتبط شادي مؤنس بتجربة موسيقية مع الحجار في أكثر من عمل، من بينها (قبل ما تواعد، يا رب، ليه الطريق).
أي أننا لسنا أمام تجربة عابرة، وإنما أمام امتداد لخط فني يحاول أن يقدم للحجار أغنية جديدة تحافظ على شخصيته، دون أن تعيده إلى الماضي بصورة حرفية.
(أول معاد) حب لا يشيخ.. فكرة الأغنية بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الحميمية؛ علاقة تبدأ من لقاء أول، ثم تتكاثر اللقاءات، وتكبر الحكاية، ثم تأتي المسافات والخلافات والغياب، لكن المفارقة أن كل لقاء جديد يعيد الإحساس نفسه الذي كان موجودًا في البداية.. إنها فكرة الحنين إلى البدايات.
وكأن الإنسان مهما طال به الزمن داخل العلاقة، يظل يبحث عن ذلك الشعور الأول؛ اللحظة التي لم يكن يعرف فيها ماذا سيحدث، لكنه كان يعرف أنه أمام شيء مختلف.. وهنا يأتي صوت الحجار ليمنح الفكرة وزنًا عاطفيًا خاصًا.. فهو لا يقدم الحب باعتباره حالة مراهقة عابرة، وإنما باعتباره ذاكرة كاملة.
والتعاون مع شادي مؤنس تحديدًا يحمل أهمية خاصة، لأن العلاقة الفنية بينهما ليست جديدة.. مؤنس تحدث سابقًا عن تعاونه مع (علي الحجار)، موضحًا أن البداية كانت من خلال أصدقاء مشتركين، ثم التقيا، ووجد كل منهما مساحة مشتركة في طريقة التفكير وانتقاء الألحان، وبدأ التعاون بينهما بأغنية (قبل ما تواعد)، ثم توالت الأعمال.
وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا يبدو صوت (علي الحجار) في الأعمال الجديدة وكأنه يتحرك داخل منطقة يعرفها جيدًا، لكنه يحاول في الوقت نفسه أن يكتشف فيها مساحات جديدة.
وهنا تكمن مفارقة تجربة علي الحجار.. هذا المطرب بدأ في زمن كانت فيه الأغنية تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل إلى الجمهور، وعاش عصر الإذاعة والكاسيت والتليفزيون، ثم انتقل إلى الفضائيات، والإنترنت، والمنصات الرقمية، واليوم يجد نفسه أمام كليبات تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كل شيء تغير تقريبًا إلا الصوت.. وهذا ربما هو الاختبار الحقيقي لأي فنان.. أن يتغير العالم من حوله، دون أن يضطر هو إلى تغيير هويته.
فالحجار لم يحاول أن يصبح مطربًا (تريند)، ولم يختصر تاريخه في مقطع قصير، ولم يتخلَّ عن الأغنية التي تحمل فكرة وكلمة ولحنًا من أجل مطاردة رقم عابر.. ولهذا فإن وجوده اليوم على مسرح مكتبة الإسكندرية ليس مجرد حفلة لمطرب كبير.. إنه لقاء بين ذاكرة الأغنية المصرية وحاضرها.

اختيار منطقي للغاية
مكتبة الإسكندرية.. المكان الذي يليق بالحكاية.. فالدورة الثالثة والعشرون من مهرجان الصيف الدولي بمكتبة الإسكندرية تقام خلال الفترة من 6 إلى 30 أغسطس 2026، ويتضمن برنامجها أكثر من خمسين فعالية تتنوع بين الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والرقص والأفلام وورش العمل والندوات واللقاءات الفنية، بمشاركة فنانين مصريين وعرب ودوليين.
وفي هذا السياق، يبدو اختيار (علي الحجار) للحفل منطقيًا للغاية؛ فالمكتبة لا تقدم مجرد مساحة للترفيه، وإنما تفتح أبوابها أمام أشكال مختلفة من المعرفة والفن والثقافة.. والحجار نفسه يمثل حالة فنية تجمع بين الموسيقى والشعر والدراما والذاكرة المصرية.
(شهريار النجوم) يقول: يا سادة، هناك مطربون تصنعهم اللحظة، وهناك مطربون يصنعون اللحظة.. هناك من يلمع عامًا أو عامين، ثم يبحث الجمهور عن اسم جديد.. وهناك من يظل واقفًا على المسرح، بينما تتغير الأجيال من حوله.
علي الحجار ينتمي إلى الفئة الثانية.. حين يغني (المال والبنون) يتذكر الجمهور الدراما.. وحين يغني (أهو ده اللي صار) يستعيد روح سيد درويش من خلال رؤية غنائية مختلفة.. وحين يغني (عارفة)، يعود إلى مساحة الحب والوجع.. وحين يقدم (إسكندراني)، يبدو وكأنه يرد الجميل لمدينة احتضنت صوته في ليلة صيفية.
ثم يأتي بـ (أول معاد) ليقول إن المطرب الذي عاش عشرات السنين مع الأغنية، ما زال قادرًا على أن يغني عن الموعد الأول، وهنا المفارقة الجميلة:
مطرب تجاوز نصف قرن من الغناء، لكنه ما زال يغني عن أول لقاء وكأنه يعيشه للمرة الأولى.. وربما لهذا ظل علي الحجار واحدًا من أولئك القلائل الذين لا يحتاجون إلى مطاردة الزمن. فالزمن نفسه.. هو الذي يطارد أغانيهم.