(علي الحجار) يحمل ذاكرة مصر إلى الأوبرا.. وعمر خيرت نجم المحطة الجديدة لـ (100 سنة غنا)


كتب: مروان محمد
حين يلتقي فنان يحمل ذاكرة أجيال كاملة، بمؤسسة تحمل ذاكرة الفن المصري، يصبح اللقاء أكبر من مجرد اجتماع عابر.. وهذا ما حدث عندما استقبل الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، الفنان الكبير (علي الحجار)، في لقاء وضع مشروع (100 سنة غنا) تحت المجهر، باعتباره واحدًا من أبرز المشروعات التي تحاول إعادة فتح خزائن الذاكرة الموسيقية المصرية أمام الجمهور.
لم يكن الحديث هذه المرة عن حفل غنائي تقليدي، ولا عن سهرة تنتهي بانطفاء الأنوار، وإنما عن مشروع يريد أن يعيد وصل ما انقطع بين أجيال جديدة وتراث صنع وجدان المصريين والعرب لعقود.
خلال اللقاء، جرت متابعة تفاصيل مشروع (100 سنة غنا) الذي يقدمه (علي الحجار) بوصفه رحلة في تاريخ الغناء والموسيقى المصرية، تستعيد محطات ورموزًا وأعمالًا صنعت ملامح الوجدان المصري، مع محاولة تقديمها برؤية فنية معاصرة دون التفريط في أصالتها.
وهنا تكمن أهمية المشروع؛ لأن التراث إذا بقي داخل الكتب والأرشيفات فقط، يتحول مع الوقت إلى ذاكرة ساكنة، بينما إعادة تقديمه على المسرح تمنحه فرصة جديدة للحياة.

الحافظ على الهوية الفنية المصرية
الدكتور رضا الوكيل لم يتعامل مع (100 سنة غنا) باعتباره مجرد سلسلة حفلات، وإنما باعتباره مشروعًا له قيمة فنية وثقافية وتوثيقية، وأكد أن دار الأوبرا المصرية تدعم المشروعات التي تحافظ على الهوية الفنية المصرية، مشيرًا إلى أهمية ربط الأجيال الجديدة بتراثها، باعتبار الفن أحد أدوات بناء الإنسان وصناعة الوعي.
وهنا تتقاطع رؤية الأوبرا مع فكرة (علي الحجار) الأساسية: أن التاريخ الموسيقي المصري ليس مجرد ماضٍ نتغنى به، وإنما رصيد يمكن أن يعيش ويتجدد إذا عرفنا كيف نقدمه للأجيال الجديدة.
وفي بداية اللقاء، حرص (علي الحجار) على تهنئة الدكتور رضا الوكيل بنجاح الدورة الـ 34 من مهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء، وما شهدته من إقبال جماهيري وتفاعل واسع.
ورأى (علي الحجار) أن هذا النجاح يؤكد أن الجمهور المصري ما زال متعطشًا للفن الحقيقي، وأن تقديم الفنون الجادة في مساحات جماهيرية واسعة يمكن أن يصل إلى شرائح مختلفة من المجتمع، وهى رسالة مهمة في زمن يقال فيه كثيرًا إن الجمهور لم يعد يهتم إلا بالأغاني السريعة والمحتوى العابر.. الجمهور، ببساطة، يثبت من جديد أنه لا يزال يعرف الفرق بين الأغنية التي تُسمع.. والأغنية التي تعيش.
أما المفاجأة التي حملها اللقاء، فهي أن الحفل المقبل من مشروع (100 سنة غنا) سيخصص للاحتفاء بإبداعات الموسيقار الكبير عمر خيرت، في الثامنة مساء الجمعة 11 سبتمبر، وسيشارك في الحفل المطرب أحمد الحجار والمطربة ألحان، بقيادة المايسترو أحمد عاطف، وإخراج أحمد فؤاد.
اختيار عمر خيرت لهذه المحطة ليس تفصيلًا عابرًا؛ فالرجل يمثل واحدة من العلامات الفارقة في الموسيقى المصرية المعاصرة، وارتبطت مؤلفاته بذاكرة أجيال كاملة، سواء من خلال الموسيقى الخالصة أو الأعمال الدرامية والسينمائية التي أصبحت موسيقاها جزءًا من الذاكرة الشعبية.
وبالتالي، فإن الاحتفاء به داخل مشروع يحمل عنوان (100 سنة غنا) يفتح نافذة على مرحلة مختلفة من تاريخ الموسيقى المصرية، ويؤكد أن المشروع لا يتوقف عند الأغنية بمعناها التقليدي، وإنما يحاول الاقتراب من المسار الأوسع للموسيقى والإبداع.

محاولة لإنقاذ الذاكرة
(علي الحجار) نفسه يلخص فلسفة المشروع بوضوح؛ فهو يرى أن (100 سنة غنا) ليس مجرد سلسلة حفلات، وإنما محاولة للحفاظ على التاريخ الغنائي والموسيقي وإعادة اكتشافه وتقديمه للأجيال الجديدة.. وهذه الفكرة تصبح أكثر إلحاحًا في زمن تتعرض فيه الذاكرة الفنية لكم هائل من المحتوى السريع، الذي يولد اليوم ويموت غدًا.
فما الذي سيبقى بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من آلاف الأغنيات التي تصنع ضجيجًا على المنصات ثم تختفي؟.. السؤال مؤلم، لكن (100 سنة غنا) يحاول أن يقدم إجابة مختلفة: لنبحث أولًا عما يستحق أن يبقى.
القيمة الحقيقية للمشروع أنه يستطيع أن يجعل المسرح مساحة للقاء الأجيال.. أن يسمع الشاب عملًا قديمًا للمرة الأولى، ثم يكتشف أنه لا يزال قادرًا على التأثير فيه، وأن يعرف أن وراء الأغنية التي يسمعها اليوم تاريخًا طويلًا من الشعراء والملحنين والمطربين والموسيقيين، وأن يدرك أن مصر لم تكن يومًا مجرد مستهلكة للفن، وإنما كانت واحدة من أهم الدول التي صنعت الموسيقى والغناء العربي الحديث.
ولهذا فإن (100 سنة غنا) في جوهره ليس احتفالًا بالماضي فقط.. إنه محاولة لإعادة تعريف الحاضر من خلال الذاكرة.. وفي النهاية.. الحفل الذي ينتظر عمر خيرت. بعد هذا اللقاء، يبدو أن (100 سنة غنا) يواصل السير في الطريق الذي رسمه علي الحجار منذ البداية: استعادة الرموز التي صنعت وجدان المصريين، وتقديمها بطريقة تجعلها قادرة على مخاطبة جمهور اليوم.
أما محطة عمر خيرت، فقد تكون واحدة من أكثر محطات المشروع أهمية؛ لأن الاحتفاء بموسيقاه يعني الاحتفاء بالموسيقى باعتبارها لغة قائمة بذاتها، لا مجرد خلفية للأغنية أو الدراما.. وهنا تصبح الحكاية أكبر من حفل في دار الأوبرا.
إنها محاولة لاستعادة زمن كانت فيه الموسيقى تصنع ذاكرة.. لا مجرد (ترند)، وإذا نجح (100 سنة غنا) في مهمته، فلن يكون قد أعاد لنا أغنيات وموسيقى من الماضي فقط.. بل سيعيد للأجيال الجديدة شيئًا أخطر وأثمن: ذاكرة مصر الموسيقية قبل أن تبتلعها سرعة النسيان.