
بقلم المستشار: محمود عطية
من أغرب ما يمكن أن نراه في زماننا هذا، أن تطلب فتاة أو سيدة من إدارة أحد المحال داخل مول أن تسمح لها بأداء (الصلاة) في مكان مناسب، فلا يكون الرد عليها مجرد رفض أو اعتذار أو إرشادها إلى مكان آخر، وإنما يتحول الأمر إلى موقف يحمل في طياته قدرًا من الاستعلاء والاستفزاز، وكأنها طلبت شيئًا خارجًا عن المألوف، أو ارتكبت فعلًا يستوجب الاستنكار.
والأغرب من الواقعة نفسها هو ما حدث بعدها؛ فقد روت الفتاة أو السيدة ما تعرضت له على مواقع التواصل الاجتماعي، فانتشرت الواقعة، وحدثت حالة من الجدل، ثم قررت إدارة المحل فصل مدير المحل الذي صدر عنه هذا التصرف.
وهنا أتوقف لأقول بوضوح: إن رفض طريقة المدير في التعامل مع الزبونة شيء، وفصل الرجل من عمله شيء آخر، وإذا كان الرجل قد أخطأ في أسلوبه أو تجاوز في حديثه، فإن العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع الخطأ، أما أن يتحول خلاف في طريقة التعامل مع زبونة إلى فصل نهائي من العمل، فهذا، في تقديري، عقاب بالغ القسوة، وقد يصل إلى حد التعسف إذا لم تكن هناك من المخالفات ما يبرره.
لكن يبدو أن بعض المعارك في بلادنا لا تبدأ من الواقعة، وإنما من موقف مسبق من الدين وأهله. فما إن تظهر فتاة ترتدي ملابس محتشمة وتطلب (الصلاة)، حتى تستيقظ فجأة كتائب التنظير العلماني، لتشرح لنا أن (الصلاة) يمكن أن تؤدى في أي مكان، وأن الأمر لا يستحق كل هذا، وأن عليها أن تصلي في أي زاوية والسلام.
يا سادة، القضية ليست في قدرة الإنسان على (الصلاة) في أي مكان، وإنما في احترام الإنسان عندما يطلب أن يؤدي شعيرة دينية في مكان عام بصورة لا تضر أحدًا، ولا تعطل العمل، ولا تعتدي على حق أحد.
ثم يظهر الأكثر غرابة ليقول لك إن الفتاة هي التي أخطأت؛ لأنها تحدثت عن الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي.. وهل أصبح من حق الموظف أن يتعامل مع الزبون بطريقة غير لائقة، ثم نطلب من الزبون أن يصمت حتى لا يزعج أصحاب الخطاب المتحضر؟

محاكمة أخلاقية للفتاة
إن مواقع التواصل الاجتماعي ليست محكمة، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عن القانون والإدارة، ولكنها، في الوقت نفسه، أصبحت وسيلة طبيعية للناس لكي يحكوا تجاربهم ويعبروا عن غضبهم.. وإذا كانت الإدارة ترى أن الواقعة لم تحدث، أو أن رواية الفتاة غير دقيقة، فمن حقها أن ترد وتوضح وتدافع عن موظفها.. أما أن يتحول الأمر إلى محاكمة أخلاقية للفتاة؛ لأنها طلبت (الصلاة)، فهذا هو العبث بعينه.
ثم تأتي الأسطوانة المشروخة التي نسمعها كلما عجز البعض عن مناقشة الواقعة نفسها: والدها إخواني! ومن تكون هي؟ ومن أين جاءت؟ وما تاريخها؟ وهل تنتمي إلى هذا التيار أو ذاك؟
يا للعجب!.. ما علاقة والد الفتاة بـ (الصلاة)؟.. هل إذا كان والدها مختلفًا سياسيًا معها، سيصبح من حق أي شخص أن يمنعها من الصلاة؟.. هل أصبحت الصلاة بطاقة عضوية في حزب سياسي؟.. وهل يجوز أن نحاكم فتاة على أفكار أبيها أو انتمائه السياسي؟
هذه ليست علمانية، ولا مدنية، ولا حرية.. هذا مجرد هراء وسفالة وانحطاط في طريقة التفكير؛ لأن من يزعم أنه يدافع عن الحرية، ثم يبحث في عائلة امرأة عن تهمة سياسية حتى يسقط حقها في ممارسة شعيرتها، إنما يهدم بنفسه كل ما يتحدث عنه من قيم التسامح والاختلاف.
والأكثر إثارة للاشمئزاز أن يصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في أخلاق الفتاة أو السيدة، لمجرد أنها تحدثت عن موقف تعرضت له.. وكأن المطلوب أن تلتزم المرأة الصمت دائمًا، وألا تعترض، وألا تتحدث، وألا تدافع عن نفسها.. وهنا تصبح المسألة أكبر من محل تجاري أو مدير محل.
إنها مسألة احترام الإنسان في مجتمع يريد البعض أن يعيد تشكيله على مقاسه الخاص.. يريدون حرية في اتجاه واحد.. يريدون أن يرقص الإنسان كيفما شاء، وأن يخلع ما شاء، وأن يقول ما شاء، ثم عندما يتعلق الأمر بـ (الصلاة)، فجأة تظهر قائمة طويلة من الاعتراضات والتحفظات والنصائح والمحاضرات.
والسؤال البسيط الذي أطرحه على هؤلاء: ما الذي يزعجكم في أن تصلي امرأة أو فتاة في مكان مناسب داخل مول؟: هل الصلاة أصبحت خطرًا على المجتمع؟.. هل سجادة (الصلاة) ستسقط الاقتصاد؟.. هل دقائق العبادة تهدد الحداثة؟.. أم أن المشكلة الحقيقية أن البعض لا يريد أن يرى الدين حاضرًا في المجال العام، إلا إذا كان في صورة فلكلورية، أو مناسبة اجتماعية، أو إعلان تجاري؟


الدكتور جمال شعبان
والغريب أن هؤلاء أنفسهم قد يصمتون أمام مظاهر أكثر استفزازًا وخروجًا على الذوق العام، ثم يستنفرون عندما يرون فتاة تريد أن تصلي.
وهنا ننتقل إلى المشهد الآخر الذي تحدث عنه الدكتور جمال شعبان، أستاذ القلب، بشأن الطبيبة التي ظهرت ترقص على المسرح مع أحد مؤدي الأغاني.
أنا شخصيًا أتفهم تمامًا الفكرة التي أراد الدكتور جمال شعبان طرحها.. القضية ليست في أن الطبيبة لا يحق لها أن تفرح، أو أن ترقص، أو أن تستمتع بوقتها.. هى إنسانة قبل أن تكون طبيبة، ومن حقها أن تعيش حياتها الخاصة كما تريد، في حدود القانون والآداب العامة.
لكن الدكتور جمال طرح سؤالًا يستحق التوقف أمامه: لماذا لم يحتفِ المجتمع بهذه الفتاة وهي متفوقة في الثانوية العامة؟.. ولماذا لم تكن بنفس درجة الاهتمام عندما أصبحت طبيبة؟ ولماذا أصبحت فجأة حديث الناس عندما ظهرت على المسرح ترقص وسط أجواء حفلات الساحل الشمالي، بما فيها من مظاهر صخب وهرج وتفاهة أصبحت تتكرر حتى فقدت قدرتها على إدهاشنا؟
هذا سؤال اجتماعي وثقافي قبل أن يكون سؤالًا أخلاقيًا.. نحن أمام مشكلة حقيقية في صناعة القدوة، وفي صناعة الشهرة.. الفتاة التي تتفوق في الثانوية لا تحصل على نصف الضجيج الذي يحصل عليه صاحب حركة على المسرح.. والطبيب الذي ينجح بعد سنوات طويلة من الدراسة لا يجد دائمًا ما يجده مؤدي أغنية يخرج في حفلة ليصبح حديث مواقع التواصل.
والمعلم الذي يكد طوال حياته لا يتحول إلى (تريند) مثل شخص لا نعرف ماذا قدم للمجتمع، سوى أنه استطاع أن يجذب الكاميرات.
وهنا يجب أن نسأل: ماذا نحتفي به كمجتمع؟: هل نحتفي بالعلم والاجتهاد والتفوق؟
أم نحتفي بالضجيج؟.. هل نرفع قيمة الطبيب والمهندس والعالم والمعلم؟.. أم نرفع منسوب الاهتمام بمن يملك القدرة على صناعة (التريند)؟
وهذه ليست مشكلة الطبيبة وحدها؛ إنها مشكلة مجتمع كامل أصبح، في أحيان كثيرة، يمنح الشهرة لمن يثير الجدل، لا لمن يقدم قيمة.. أما أن يتحول الحديث عن هذه الظاهرة إلى معركة شخصية ضد الدكتور جمال شعبان، لمجرد أنه عبر عن رأيه، فهذا هو العبث بعينه.

سب وقذف وتخوين
يمكنك أن تختلف معه.. يمكنك أن تقول إن التشخيص الاجتماعي الذي قدمه غير دقيق.. يمكنك أن ترى أن الاحتفاء بالطبيبة لا علاقة له برقصة أو حفلة.. لكن أن تتحول المناقشة إلى سب وقذف وتخوين واتهامات أيديولوجية من طبيب فاشل، علماني يميل إلى الإلحاد، نجده في كل مَخْرَج مدافعًا جريًا خلف التريند؛ لأنه فشل كطبيب وفشل كمذيع، فهذا يعني أنه لا يملك حجة، إلا حساسية لكل ما هو التزام ديني.
وأنا هنا لا أدافع عن الدكتور جمال شعبان كشخص، وإنما أدافع عن حق أي إنسان في أن يقول رأيه، دون أن يتحول الاختلاف معه إلى حفلة من الشتائم.
المشكلة أن بعض الذين يرفعون شعارات الحرية والتعددية يقبلون الحرية فقط عندما تأتي على هواهم.. إذا تحدث شخص عن الحريات الشخصية صفقوا له.. إذا تحدث عن حفلات الساحل صفقوا له.. إذا تحدث عن الرقص صفقوا له.. لكن إذا تحدث عن (الصلاة) أو القيم أو ضرورة احترام المجتمع وحدوده العامة، أصبح فجأة رجعيًا ومتخلفًا ومعاديًا للحرية.
هذه ليست حرية.. هذه انتقائية.. والعلمانية التي تتحول إلى احتقار للدين، أو إلى سخرية من المتدينين، أو إلى محاولة طرد الدين من المجال العام، ليست فكرًا سياسيًا محترمًا، وإنما موقف أيديولوجي متعصب في الاتجاه الآخر.. كما أن التدين الذي يريد فرض رأيه على الجميع بالقوة ليس هو الحل.
المجتمع الطبيعي هو الذي يتسع للجميع.. يتسع للفتاة التي تريد أن تصلي.. ويتسع للطبيب الذي يريد أن ينتقد ظاهرة اجتماعية.. ويتسع لمن يختلف معه.. ويتسع أيضًا لمن يرقص ويغني، طالما لم يخالف القانون أو يعتدي على حقوق الآخرين.
لكن المشكلة تبدأ عندما نقرر أن هناك أفعالًا يجب احترامها لمجرد أنها توافق أهواءنا، وأفعالًا يجب السخرية منها لمجرد أنها لا تعجبنا.. وهنا يصبح من الضروري أن نقولها بصراحة: لا تجعلوا الصلاة جريمة اجتماعية، ولا تجعلوا الرقص إنجازًا حضاريًا.
الصلاة ليست عيبًا حتى تخجل منها الفتاة.. والرقص ليس إنجازًا علميًا حتى نعتبره قمة المجد.. الطبيبة تستحق الاحترام؛ لأنها اجتهدت حتى وصلت إلى كلية الطب، وتخرجت وأصبحت طبيبة، وليس لأنها رقصت.

مدير المحل أخطأ في أسلوبه
والفتاة التي تريد (الصلاة) تستحق الاحترام؛ لأنها إنسانة لها حقها في ممارسة شعيرتها، وليس لأنها تخوض معركة على مواقع التواصل.. وفي المقابل، فإن مدير المحل الذي أخطأ في أسلوبه يجب أن يحاسب بالقدر الذي يتناسب مع خطئه، لا أن تتحول الإدارة إلى محكمة غضب جماهيري.
إننا في حاجة إلى شيء اسمه التوازن.. التوازن في العقوبة.. والتوازن في النقد.. والتوازن في الحرية.. والتوازن في احترام الدين.. والتوازن في التعامل مع الحياة الخاصة للناس.
أما أن يتحول كل موقف إلى معركة بين معسكرين؛ أحدهما يريد أن يرى الدين في كل شيء، والآخر يريد أن يراه في لا شيء، فهذا لن يبني مجتمعًا.. نحن لا نحتاج إلى مجتمع يطارد فتاة لأنها طلبت مكانًا للصلاة.. ولا نحتاج إلى مجتمع يحاكم طبيبة لأنها رقصت.. ولا نحتاج إلى مجتمع يحول كل اختلاف إلى معركة بين متدين وعلماني.
نحن نحتاج إلى مجتمع يحترم القانون، ويحمي الحريات، ويعرف أن الحرية مسؤولية، وأن الاختلاف حق، وأن السخرية من الدين ليست تقدمًا، وأن فرض التدين بالقوة ليس تدينًا.
وأخيرًا، أقول لمن يرفعون راية العلمانية في كل مناسبة ثم يتعاملون مع (الصلاة) باعتبارها مشكلة: اتركوا الناس وشأنهم.. من أراد أن يصلي فليصل.. ومن أراد أن يناقش فليناقش.. ومن أراد أن ينتقد فلينتقد.
لكن لا تحولوا (الصلاة) إلى تهمة، ولا تحولوا الاختلاف إلى سباب، ولا تجعلوا من كل فتاة ترتدي الحجاب أو تطلب الصلاة مشروعًا سياسيًا متآمرًا.. وكفى تلك الأسطوانة المشروخة: (أبوها إخواني… إذن هي إخوانية!).. هذا كلام لا يصمد أمام عقل ولا منطق.
أما فصل مدير المحل، فأراه عقوبة شديدة إذا كان الخطأ محصورًا في سوء التقدير أو أسلوب التعامل؛ لأن العدالة لا تعني أن نعاقب الناس لإرضاء السوشيال ميديا.
نريد دولة قانون، لا دولة (تريند).. ونريد حرية حقيقية، لا حرية انتقائية.. ونريد علمًا يكرم المتفوقين، لا مجتمعًا لا يتذكر الطبيب إلا عندما يرقص على المسرح.
وأخطر ما يمكن أن نفعله أن نربي أجيالًا جديدة على أن طريق الشهرة أقصر من طريق العلم، وأن الضجيج أعلى قيمة من الإنجاز، وأن الصلاة تستوجب التبرير، بينما التفاهة لا تحتاج إلى تفسير.
عندها لا يكون الخلل في فتاة صلت هنا، أو طبيبة رقصت هناك.. الخلل يكون في مجتمع اختل ميزان اهتماماته، فأصبح يرفع التفاهة إلى مرتبة البطولة، ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا؟
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع