(عمرو القاضي).. الوجه الذي لا يطلب من الكاميرا أن تحبه!


بقلم الناقدة: علا السنجري
في زمن صار فيه بعض الممثلين يتعاملون مع الكاميرا وكأنها مرآة للنجومية، يبحثون فيها عن أجمل زاوية، وأعلى انفعال، وأكبر مساحة من الضوء، يأتي (عمرو القاضي) من الاتجاه المعاكس تمامًا؛ لا يطلب من الكاميرا أن تحبه، ولا من المشاهد أن يتعاطف معه، ولا من المشهد أن يمنحه البطولة على حساب الشخصية.
هو لا يدخل الكادر ليقول: (انظروا إليّ).. بل يدخل ليقول شيئًا أخطر: (انظروا إلى هذا الإنسان).. وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد حضور تمثيلي؛ لأن الكاميرا حين تقترب من ممثل لا يستطيع الاختباء خلف المبالغة، تكشف كل شيء: الخوف، والضعف، والتردد، والقسوة، وحتى تلك المشاعر التي تحاول الشخصية دفنها تحت الكلام.
و(عمرو القاضي) يبدو أكثر صدقًا كلما تخلّى عن فكرة الاستعراض.. قوته ليست في أن يملأ المشهد، وإنما في أن يترك داخله أثرًا؛ في نظرة عابرة، أو صمت محسوب، أو نصف ابتسامة تقول ما تعجز عنه جملة كاملة، وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية.. ممثل لا يطلب من الكاميرا أن تحبه، لأنه يعرف أن مهمتها الأهم ليست أن تحب الممثل.. وإنما أن تكشفه.
ليست الكاميرا كائنًا رحيمًا، تلتقط ما يتم إخفاءه أكثر مما تلتقط ما يتم إظهاره، تجعل المشاهد يرى، تردد ما لا تقوله الشخصية، لكنها تفضح.. لا ينجو أمامها إلا الممثل الذي لا يخاف من أن تراه كما هو في أداء (عمرو القاضي) شيء من هذه المجازفة.
(عمرو القاضي) لا يبدو منشغلًا بأن يكون (النجم) داخل الكادر، بقدر انشغاله بأن تكون الشخصية حقيقية، وهذه نقطة فارقة؛ لأن بعض الممثلين يدخلون المشهد وهم يحملون أنفسهم معهم، بينما يدخل هو أحيانًا وكأنه يترك نفسه عند باب الاستوديو، ثم يستعير روح الشخصية ويمنحها جسده وصوته ونظراته.

قوته تظهر في الصمت والترقب
وهنا تكمن قيمة حضوره، قوته تظهر غالبًا في المنطقة التي تسبق الانفجار؛ في الصمت، في الترقب، في الجملة التي تُقال بنصف شعور، وفي النظرة التي يمكن أن تحمل عتابًا أو خوفًا أو مراوغة من دون أن تمنحنا إجابة جاهزة.
وهذا النوع من الأداء أصعب مما يبدو.. لأن الممثل حين يرفع صوته، يستطيع أن يعلن عن غضبه، لكن حين يصمت، يصبح مطالبًا بأن يجعل الصمت نفسه يتكلم.. و(عمرو القاضي) يعرف هذه اللعبة.
في أدواره لا أشعر أنه يطارد التعاطف، وهذه ميزة أحبها فيه، فالشخصية ليست مطالبة دائمًا بأن تكون محبوبة، ولا الفنان مطالبًا بأن يبررها للمشاهد. أحيانًا يكفي أن يجعلنا نفهم دوافعها، حتى لو اختلفنا معها.. هنا يصبح التمثيل فعلًا إنسانيًا، لا مجرد استعراض مهارة.
وأكثر ما يلفتني في طريقته أنه لا يضع خطًا سميكًا بين الشخصية والإنسان.. يترك مساحة للالتباس؛ فلا نعرف أحيانًا أين تنتهي قسوة الشخصية ويبدأ خوفها، وأين ينتهي تماسكها ويظهر ضعفها، وهذه المنطقة الرمادية هي التي تصنع الشخصيات التي نتذكرها.
لذلك لا أريد أن أكتب عن (عمرو القاضي) باعتباره (فنانًا موهوبًا) وحسب.. هذه العبارة أصبحت واسعة إلى درجة فقدت معناها من كثرة ما استُخدمت.. أريد أن أقول شيئًا أكثر تحديدًا: (عمرو القاضي) من الممثلين الذين يراهنون على ما لا يراه المشاهد سريعًا.
على التفصيلة الصغيرة.. على نصف ابتسامة.. على لحظة صمت تأتي في غير توقيتها.. على عين تقول عكس الكلام، وعلى شخصية لا تشرح نفسها بالكامل، لأن البشر أنفسهم لا يفعلون ذلك.. وربما لهذا يبدو حضوره أصدق حين لا يحاول أن يلفت النظر إليه.
فالفن الحقيقي لا يقول لك: (انظر إليّ).. الفن الحقيقي يجعلك تنسى الفنان للحظات، ثم تكتشف بعد انتهاء المشهد أنك كنت تنظر إليه طوال الوقت.. وهذه، بالنسبة لي، واحدة من علامات الممثل الذي يستحق أن نتوقف عنده.

ليس بحاجة إلى أن يحتل المشهد
(عمرو القاضي) ليس بحاجة إلى أن يحتل المشهد كي يترك أثرًا فيه.. يكفي أن يمرّ داخله.. ثم يترك وراءه شيئًا يشبه الإنسان، وربما هنا تحديدًا تكمن قيمة عمرو القاضي؛ لأنه يذكّرنا بأن التمثيل ليس مسابقة في رفع الصوت، ولا استعراضًا للانفعالات، ولا محاولة مستمرة لخطف الكادر.
الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول للمشاهد: (أنا موهوب).. يكفي أن يجعله يشعر بأن الشخصية التي أمامه إنسان من لحم ودم، وفي زمن أصبح فيه بعض الأداء يعتمد على المبالغة أكثر مما يعتمد على الصدق، وعلى (إظهار) الانفعال بدلًا من عيشه، يصبح الهدوء أحيانًا أكثر صخبًا من الصراخ، وتصبح نظرة واحدة أبلغ من صفحة كاملة من الحوار.
(عمرو القاضي) لا يحتل المشهد.. وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوته.. لكنه في المقابل يفضح ضعف المشهد حين يكون ممتلئًا بالاستعراض وفارغًا من الإنسان.. فالممثل الذي يحتاج إلى أن يلفت انتباهك طوال الوقت قد ينجح في أن تراه.
أما الممثل الذي يجعلك تنسى أنك تشاهد ممثلًا، ويقنعك للحظات بأنك أمام إنسان حقيقي، فهو الذي يترك الأثر.. و(عمرو القاضي)، حين يفعل ذلك، لا يطلب من الكاميرا أن تحبه.. بل يجبرها على أن تراه كما هو.