(أصالة).. ستبقى فنانة سورية عربية كبيرة!



بقلم المنتج السينمائي والتلفزيوني: عصام حجاوي
ما نُشر أخيرًا عن الفنانة الكبيرة (أصالة) يقدم رواية واحدة للأحداث وكأنها حقيقة نهائية، بينما تكشف الوقائع والتصريحات المنشورة آنذاك عن روايات وتفسيرات متباينة، خصوصًا في ما يتعلق بزيارتها إلى بيت لحم عام 2013، وبموقفها السياسي المعلن من النظام السوري السابق.
(أصالة) لم تذهب إلى تل أبيب لتغني، وإنما أحيت حفلًا في بيت لحم بالضفة الغربية، ضمن مهرجان (ليالي برك سليمان)، وبعد الحفل، واجهت اتهامات بالتطبيع، وردت بأنها دخلت الضفة عبر الأردن، وأن جواز سفرها لم يُختم بتأشيرة إسرائيلية، وقالت إن الوصول إلى الضفة عبر الأردن لا يمكن أن يجعل زيارة الفلسطينيين في أرضهم تهمة بحد ذاتها.
ومن هنا يبقى السؤال مشروعًا: هل زيارة الفنان لفلسطين والغناء أمام جمهور فلسطيني في بيت لحم تُختزل تلقائيًا في اتهام بالتطبيع، أم أن القضية تحتاج إلى النظر في ظروف الزيارة وطريقة الدخول وموقف الفنان نفسه؟.. هذه الأسئلة طُرحت بالفعل وقتها، ولم تكن القضية محل اتفاق؛ فقد نقلت تقارير صحفية أن محامين سوريين حرّكوا دعوى ضد (أصالة) على خلفية الحفل، في حين ردت هي بأن الاتهامات مرتبطة أيضًا بمواقفها السياسية.
والأهم في قراءة سيرة (أصالة) السياسية ألا نفصل موقفها من النظام السوري السابق عن التسلسل الزمني للأحداث، فأصالة أعلنت منذ عام 2011 دعمها للاحتجاجات المطالبة بالحرية في سوريا، ورفضت المشاركة في فعاليات مؤيدة للنظام آنذاك، كما نشرت تصريحات علنية تؤكد وقوفها مع المحتجين، وهو موقف وثقته وسائل إعلام عربية في ذلك الوقت.
وفي عام 2013، أي بعد نحو عامين من إعلان ذلك الموقف، أكدت أصالة أنها لم تندم على تأييدها للثورة، وقالت إنها أعلنت موقفها منذ الأيام الأولى، ومن حقي، ككاتب، أن أختلف معها أو أتفق، وأن أناقش مواقفها السياسية كما نناقش مواقف أي فنان أو شخصية عامة، لكن ليس من الإنصاف أن تُمحى كل هذه التفاصيل من التاريخ، ثم تُختزل سيرة كاملة في اتهام واحد.


(أصالة) ليست بحاجة إلى شهادة
أما فلسطين، فلا يجوز أن تتحول إلى تهمة جاهزة لتصفية الحسابات السياسية بين المختلفين، ففلسطين أكبر من الأنظمة، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من الشعارات، وأكبر من أن تصبح أداة لتخوين هذا الفنان أو ذاك.
ومن حق أي طرف أن يناقش مفهوم التطبيع، وأن يختلف حول زيارة أي فنان إلى الأراضي الفلسطينية والظروف التي تتم فيها هذه الزيارة، لكن من الضروري أن تبقى المناقشة قائمة على الوقائع الموثقة، لا على إعادة إنتاج رواية واحدة وإقصاء بقية التفاصيل.
لقد كانت قضية (أصالة) في بيت لحم موضع جدل حقيقي منذ وقوعها، وهذا الجدل نفسه جزء من القصة، ولهذا فأصالة هى فنانة لا تختصرها معركة سياسية، بل تبقى قبل كل شيء فنانة سورية عربية كبيرة، صاحبة مسيرة فنية طويلة، وجمهور واسع، وصوت ارتبط بذاكرة أجيال عربية كاملة.
وقد يختلف الناس حول مواقفها السياسية، وحول خياراتها، وحول تصريحاتها، وهذا حق مشروع.. لكن تقييم الفنانة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة تختزل عشرات السنوات من الفن في موقف سياسي واحد، وأنا شخصيًا أحترم أصالة لأنها، في مرحلة شديدة الصعوبة، أعلنت موقفًا سياسيًا واضحًا وتحملت تبعاته كما ظهرت في تصريحات وتقارير تلك الفترة.
تبقى المواقف السياسية قابلة للنقاش والاختلاف، أما الفن الذي يترك أثره في وجدان الناس فلا تمحوه بسهولة معركة سياسية.. (أصالة) ستبقى فنانة سورية عربية كبيرة، وستبقى مواقفها جزءًا من سيرتها التي يحق للناس أن يختلفوا في قراءتها، لكن من دون اختزالها في رواية واحدة أو تحويل فلسطين إلى سلاح في معركة سياسية.
في النهاية، قد نختلف مع (أصالة)، وقد نختلف حول مواقفها واختياراتها، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق اختزال تاريخ فنانة كبيرة في رواية واحدة، ولا تحويل فلسطين إلى ختم اتهام يُوضع على جبين كل من نختلف معه.
(أصالة) ليست بحاجة إلى شهادة من أحد كي تثبت سوريتها وعروبتها، وفلسطين أكبر من أن تكون سلاحًا في معارك الخصومة السياسية. أما مواقفها، فتبقى أمام التاريخ بكل ما لها وما عليها.. والتاريخ وحده أقدر على إسدال الستار الأخير.