رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!
هذه الحقائق لا يطرحها (تحت السن) باعتبارها شعارات أخلاقية، وإنما يجعل منها جوهر الحكاية ومحركها الأساسي

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

استرد جيل الشباب مكانته على خريطة الدراما المصرية بعد أن ظلت مسلوبة منه عقوداً، وبعد أن اعتدنا ظهور ممثلين شباب يدورون في فلك الكبار أصبحنا نشاهد أعمالاً يدور فيها الكبار في فلك الشباب وآخر هذه الأعمال مسلسل (تحت السن) أو (under age) الذي عرضته منصة شاهد وقنوات إم بي سي مؤخراً.

وهو ليس أول عمل فني يركز على تشريح خطايا الكبار في حق الشباب ويضيء على آثارها النفسية والاجتماعية، فقد سبقه العديد من الأعمال، ومنها مسلسل (للعدالة وجه آخر) وفيلم (وقت فراغ) وغيرهما.

ورغم عمق المعالجة التي تلقي باللوم على الكبار فإن هذه الأعمال تنحاز للشباب كثيراً وتحاكم الكبار من دون أن تلقي بأي لوم على أي عوامل أخرى، وهو انحياز مبالغ فيه عند بعض المشاهدين وخصوصاً كبار السن الذين يرون أنفسهم غير مقصرين.

(تحت السن) يؤكد أننا جميعاً أصبحنا غرباء عن بعضنا، لا نعرف مع من نعيش؟.. نخفي عن أبنائنا تفاصيل عالمنا وبدورهم يخفون عنا تفاصيل عالمهم ومشاكلهم وهمومهم، لا يربط بيننا وبينهم سوى السقف الذي نعيش جميعنا تحته، نلبيهم مادياً ونبخل عليهم عاطفياً.

يوهموننا بأنهم على ما يرام وهم يتمزقون من المشاكل التي يواجهونها في المدارس والجامعات والشوارع والسوشيال ميديا، والنتيجة اتساع المسافة وارتفاع الحواجز إلى الحد الذي جعل الحوار مستحيلاً، وأصبح كل طرف يعيش في زمن مختلف عن الآخر.

هذه الحقائق لا يطرحها (تحت السن) باعتبارها شعارات أخلاقية، وإنما يجعل منها جوهر الحكاية ومحركها الأساسي، في عمل بوليسي اجتماعي من اثنتي عشرة حلقة، يبدأ باختفاء الطالبة (هنا)، لكن الُمشاهد سرعان ما يكتشف أن القضية ليست البحث عن فتاة مفقودة، بل البحث عن جيل كامل يشعر بأنه مفقود داخل أسرته وفي مدرسته وأمام مرآته.

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!
المسلسل يتخذ من التحقيق البوليسي إطاراً درامياً، فإن الجريمة الحقيقية ليست الاختفاء نفسه

التحقيق البوليسي إطاراً درامياً

رغم أن المسلسل يتخذ من التحقيق البوليسي إطاراً درامياً، فإن الجريمة الحقيقية ليست الاختفاء نفسه، وإنما ذلك الفراغ العاطفي والأسري والخداع التربوي الذي تعيشه الشخصيات؛ فـ (هنا، ومريم، وداليدا، وعليّ، نادين) وغيرهم ليسوا حالات فردية، بل نماذج لشباب يعيش بيننا، يحمل في داخله جروحاً صنعها الكبار سواءً الأهل أو المدرسين أو غيرهم، ولا فرق في ذلك بين من ينتمي للطبقة الراقية أو من ينتمي للطبقة الشعبية.

الأهل في معظم الحكايات موجودون جسداً وغائبون روحاً.. يوفرون المال ويسدون النصائح ويمارسون التعنيف لكنهم يبخلون بالوقت. يمنحون أبناءهم مستلزمات العيش وأحيانا الرفاهية، لكنهم لا يمنحونهم فرصة الحوار.. يراقبون درجاتهم الدراسية أكثر مما يراقبون انكساراتهم النفسية، ثم يندهشون عندما يكتشفون أن أبناءهم يعيشون حياة أخرى لا يعرفون عنها شيئاً.

يطرح المسلسل سؤال شديد القسوة: (هل أصبح البيت مجرد مكان للنوم والمدرسة مجرد مكان للتنمر، بينما انتقلت التربية إلى الهاتف المحمول، ومنصات التواصل، والأصدقاء، وأحياناً إلى الغرباء؟).

(تحت السن) لا يتعامل مع الشباب باعتبارهم جيلاً منحرفاً، بل باعتبارهم ضحايا لسوء الفهم والإهمال والاستغلال.. إنها رؤية تختلف كثيراً عن الدراما القديمة التي كانت تجعل الأب دائماً رمز الحكمة والابن رمز التهور، بينما يقلب المسلسل هذه المعادلة، فيصبح الكبار هم المسؤولون عن صناعة الأزمة.

 يلتقي العمل مع مسلسل (للعدالة وجه آخر) الذي قدم هو الآخر وجهاً آخر للعلاقة بين الحقيقة والسلطة الأسرية، وكشف أن كثيراً من المآسي تبدأ داخل البيت قبل أن تنتقل إلى المجتمع. كما يلتقي مع فيلم “وقت فراغ” الذي سبق الجميع في الإشارة إلى أن الفراغ الحقيقي لم يكن في وقت الشباب، بل في غياب الأسرة عن أداء دورها.

 هذه الأعمال، على اختلاف موضوعاتها، تنتهي إلى النتيجة نفسها: (الشباب ليسوا أكثر فساداً من الأجيال السابقة، وإنما أكثر وحدة).. إنهم يعيشون في عالم مفتوح، لكنهم يشعرون بعزلة غير مسبوقة، بينما ينشغل الكبار بمطاردة النجاح المهني، أو جمع المال أو ممارسة الرياء الاجتماعي، أو الانغماس في تفاصيل الحياة اليومية، تاركين أبناءهم يواجهون أسئلتهم الوجودية والأخلاقية وحدهم.

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا! محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!

محمود حسونة يكتب: (تحت السن).. الأهل مذنبون والأبناء ضحايا!
يذهب (تحت السن) إلى أبعد من ذلك حين يهدم الصورة التقليدية للقدوة

هدم الصورة التقليدية للقدوة

بل ويذهب (تحت السن) إلى أبعد من ذلك حين يهدم الصورة التقليدية للقدوة.. فالمدرّس الذي يراه الطلاب نموذجاً يحتذى والذي يظهر أمام تلميذاته مرشداً وموجهاً وداعماً وصديقاً، يتبين تدريجياً أنه الأقل استقامة بين الجميع وهي الصورة التي يخبئها المؤلف حتى الحلقة الأخيرة.

بينما تبدو بعض الشخصيات الشابة، رغم أخطائها، أكثر صدقاً ونقاءً من كثير من الكبار. وهنا تكمن واحدة من أهم رسائل العمل: المظاهر لا تصنع القدوة، والسلطة لا تمنح صاحبها تلقائياً احترام الآخرين.

نجح (أمين جمال) المشرف على ورشة الكتابة  في بناء حبكة تقوم على التشويق دون أن تتحول إلى مجرد مطاردة بوليسية، واستطاع مينا بباوي ومحمد السوري أن يكتبا حواراً قريباً من لغة الشباب دون مبالغة، لتتحدث الشخصيات بلسان أبناء هذا الجيل، وحافظ النص على الغموض حتى الحلقات الأخيرة.

مع توزيع ذكي للشبهات بين الشخصيات. أما المخرج يحيى إسماعيل، فقد تعامل مع القضية بوعي واضح، فلم يجعل الجريمة هي البطل الحقيقي، وإنما جعل الحالة النفسية للشخصيات هي محور الصورة.

وعلى مستوى التمثيل، قدمت (جيسيكا حسام الدين وترنيم هاني وجودي مسعود وجيدا منصور وريم المصري) ملامح جيل يعيش القلق والارتباك أكثر مما يعيش التمرد، فجاءت الشخصيات إنسانية بعيدة عن التنميط لتؤكد أن مصر ستظل ولادة بالمواهب.

وفي المقابل، منح (عمرو وهبة) شخصية رجل المباحث قدراً من التوازن والخبرة، بينما أكد (أحمد فهيم) مرة أخرى قدرته على أداء الشخصيات المركبة، وقدم (أحمد الرافعي) حضوراً قوياً ومؤثراً  في شخصية المدرس الذي يقدم لتلميذاته ولابنته صورة القدوة وهو الذي يقيم علاقة آثمة مع أم إحداهن.

أما (سما إبراهيم وفرح يوسف) فأضافتا للعمل بعداً إنسانياً مهماً، وأسهمتا في ترسيخ فكرة أن الأزمة ليست أزمة أبناء فقط، وإنما أزمة أسر كاملة.

في النهاية، لا يقدم (تحت السن) مجرد لغز بوليسي يبحث عن فتاة مفقودة، بل يفتح تحقيقاً مع مجتمع بأكمله.. تحقيق لا يجلس فيه الأبناء في قفص الاتهام، وإنما يجلس فيه الكبار، بعدما اكتشفوا ـ وربما متأخرين ـ أن أبناءهم لم يبتعدوا عنهم فجأة، بل كانوا يصرخون طويلاً، ولم يجدوا من يسمعهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.