رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
صلاح أبوسيف
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
يوسف شاهين
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
عاطف الطيب
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

يعاني الفن المصري من تحديات كبيرة تؤدي إلى تراجع دورة في صناعة وتثبيت (الهوية الوطنية)، وذلك بسبب سيطرة الإنتاج التجاري السريع، وتراجع المضمون الثقافي العميق، وطغيان أدوات العولمة والتكنولوجيا الرقمية دون وعي كافٍ بحماية الذاكرة الجمعية والشخصية المصرية المتفردة.

وترجع أسباب تراجع صناعة الهوية عبر الفن، إلى الربح السريع: تغلب الأعمال الفنية التجارية الاستهلاكية التي تبحث عن المال على حساب القيمة البصرية والفكرية، تراجع القوى الناعمة: ضعف الأعمال الدرامية والسينمائية والغنائية التي كانت تعبر عن الشارع المصري وبساطته وقضاياه الحقيقية.

التأثير السلبي للعولمة: غزو الثقافات الأجنبية السريعة ومحاولة طمس الخصوصية المحلية والفلكلور الشعبي المصري.. أزمة المناهج: تدريس الفنون في بعض المؤسسات بأساليب غربية بحتة دون ربطها بالتراث المصري الأصيل.

وتتمثل مظاهر التأثير على الوجدان المصري في تشكيل (الهوية الوطنية) في غياب الرمز المحلي، فقد تراجع استخدام الرموز التاريخية والحضارية (الفرعونية، والقبطية، والإسلامية) في التصميم والفنون الحديثة.. وكذلك ضعف اللهجة والذوق: انحسار اللغة الرقيقة والكلمة الهادفة لحساب لغة الشارع الخشنة أو الأنماط الوافدة الغريبة عن الوجدان العام، فضلا عن انعزال الفن الشعبي: تراجع الفنون المحلية في القرى والمحافظات ليصبح تراثاً مهدداً بالاندثار بدلاً من أن يكون تياراً حياً.

وفي سبيل استعادة الهوية الفنية، لابد لنا من توثيق التراث، وذلك بدعم المبادرات الرسمية والرقمية لحفظ وصون التراث الثقافي والفني المصري ونشره للأجيال الجديدة، وكذلك دعم الإبداع الجاد، من خلال تشجيع الفنانين والمبدعين على استلهام البيئة والموروث الشعبي المصري في أعمالهم المعاصرة.

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
أم كلثوم
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
عبد الحليم
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
بليغ حمدي

الفن أداة استهلاكية 

وهذا من شأنه أن يبعث على إحياء القوة الناعمة، وهذا يتأتي بتوجيه الدراما والفنون نحو مناقشة (الهوية الوطنية) المركبة لمصر وربط الماضي بالحاضر، وتبدو لي الحقيقة المرة في أن تتحمل المنظومة الفنية الحديثة جزءاً كبيراً من المسؤولية في تراجع الهوية المصرية، وذلك نتيجة تحول الفن من رسالة ثقافية لبناء الوعي إلى أداة استهلاكية تخضع لشروط السوق والمنصات الرقمية العابرة للحدود.

وهو انعكاس حقيقي جراء تغليب المعايير التجارية والربح السريع، وهو ما يتجلى في سينما المهرجانات والتجارة، والتركيز إما على سينما تجارية استهلاكية تبحث عن الإيرادات، أو أعمال موجهة لمهرجانات دولية تقدم صورة مشوهة للمجتمع لجذب الانتباه الخارجي.

غياب المنتج المثقف، حيث اختفى جيل المنتجين والمخرجين الذين يملكون مشروعاً ثقافياً قومياً، وحلول كيانات إنتاجية تبحث عن التسلية المجردة، فضلا عن شروط المنصات الرقمية وتوحيد الثقافة (العولمة).

وهو ما أدى بالضرورة إلى تنميط المحتوى، على أثر  فرض المنصات الرقمية العالمية والإقليمية لمعايير إنتاجية محددة تذيب الخصوصية المحلية المصرية لجعل المحتوى صالحاً للاستهلاك العابر للحدود، ما نتج عنه إبهار بصري بلا عمق، بهدما تم التركيز على تقنيات التصوير والديكور الحديثة (المستنسخة من الغرب) مع إهمال الحارة المصرية الحقيقية والريف وأصالة المجتمع.

ولقد تعمقت ظاهرة تراجع (الهوية الوطنية)، عندما تم تفريغ المحتوى الدرامي والغنائي من التراث، ولعلنا نلاحظ ذلك من خلال تراجع النص الأدبي: غياب الاقتباس من روائع الأدب المصري (مثل أعمال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس) والاعتماد على ورش كتابة سريعة تستنسخ فورمات أجنبية.

وفي هذا الصدد أيضا أدت أزمة المهرجانات والتريند إلى سيطرة الموسيقى القائمة على (التريند) والكلمات السطحية الخشنة، مما أدى إلى تراجع الأغنية المصرية الحاضنة للهجة والروح الأصيلة.

وفي ظل  غياب الرموز التاريخية والقدوة تم تشويه (الهوية الوطنية) بتصدير البلطجي، أو العاجز، أو المادي كبطل شعبي في الأعمال المعاصرة، بدلاً من تقديم نماذج ملهمة تعزز الانتماء والعمق الحضاري، أضف إلى ذلك فقر الإنتاج التاريخي، في ظل غياب الأعمال الدرامية والسينمائية الكبرى التي تؤرخ للهوية المصرية المركبة (الفرعونية، والقبطية، والإسلامية) بسبب تكلفتها العالية.

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
إسماعيل يس
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
محمد صبحي
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
عادل إمام

توقف الفن عن أداء وظيفته

لم تخسر مصر معركتها الحقيقية يوم تراجع إنتاجها السينمائي، ولا حين انخفضت مبيعات الألبومات، ولا حتى عندما هاجر بعض مبدعيها إلى أسواق أخرى، بل تبدو  خسارتها الكبرى بدأت يوم توقف الفن عن أداء وظيفته التاريخية، وأعني بذلك صناعة الإنسان المصري.

الفن لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كان مصنعًا للوجدان، ومدرسة للأخلاق، وجسرًا يعبر عليه المجتمع من جيل إلى جيل حاملًا ذاكرته وقيمه ولهجته وأحلامه، لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح المصريون في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات يعرفون أنفسهم من خلال الأغنية والفيلم والمسرحية.

وأن تتحول جملة قالها فؤاد المهندس أو إسماعيل ياسين أو عادل إمام، أو أغنية لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، إلى جزء من القاموس الشعبي، واليوم، تبدو الصورة مختلفة تمامًا.. لم يعد الفن يصنع هوية، بل أصبح في كثير من الأحيان يلهث وراء (الترند)، لم يعد يسأل: ماذا سأترك للأجيال؟.. بل يسأل: كم مليون مشاهدة سأحقق خلال أربع وعشرين ساعة؟

وهنا تبدأ المأساة.. كان الفن المصري في أزهى عصوره مشروعًا وطنيًا متكاملًا، لم يكن يوسف شاهين يقدم فيلمًا للتسلية فقط، بل كان يناقش علاقة الإنسان بالسلطة والتاريخ.. ولم يكن صلاح أبو سيف يصور الحارة المصرية كديكور، بل كمرآة للمجتمع، أما عاطف الطيب فقد حوّل المواطن البسيط إلى بطل حقيقي يحمل هموم وطن بأكمله.

حتى الكوميديا كانت تصنع الوعي، إسماعيل ياسين أضحك المصريين وهو يرسخ قيمة الانتماء، وفؤاد المهندس جعل من احترام اللغة والثقافة جزءًا من الضحك الراقي، وعادل إمام، في أفضل مراحله، كان يستخدم السخرية كسلاح في مواجهة الفساد والتطرف والبيروقراطية.

وفي الموسيقى، لم تكن الألحان مجرد نغمات جميلة. كانت هوية كاملة، محمد عبد الوهاب نقل الموسيقى العربية إلى عصر جديد دون أن يقطع جذورها، وبليغ حمدي منح الأغنية المصرية روح الشارع دون أن يفقدها رقيها.

أما سيد مكاوي فحوّل الحارة الشعبية إلى سيمفونية مصرية خالصة، بينما صنع (عمار الشريعي، وهاني شنودة، وعمر خيرت لكل فيلم شخصية موسيقية مستقلة، حتى أصبحت الموسيقى التصويرية جزءًا من ذاكرة المصريين.

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
نجيب محفوظ
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
أسامة أنور عكاشة
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
محفوظ عبد الرحمن
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
محمد جلال عبد القوي

المشاهدات أهم من قيمة العمل

كانت الأغنية تعيش عشرات السنين لأنها وُلدت من مشروع فني، لا من حملة دعائية، أما الآن، فكثير من الأغنيات تموت قبل أن تنتهي الحملة الإعلانية الخاصة بها.. وهنا ليست المشكلة في التكنولوجيا، ولا في المنصات الرقمية، ولا في تغير الأذواق، بل لأن المشكلة أن الفن فقد بوصلته.

صار المنتج يسأل عن خوارزميات المنصات أكثر مما يسأل عن جودة النص، وأصبح عدد المشاهدات أهم من قيمة العمل، بينما تحولت شركات الإنتاج إلى مصانع سريعة للاستهلاك، لا مؤسسات تصنع ذاكرة وطن.

ولذلك لم يعد الطفل المصري يجد شخصية فنية تشكل وجدانه كما شكلت شخصيات (بكار)، أو (بوجي وطمطم)، أو (عالم سمسم) وجدان أجيال كاملة، ولم يعد الشاب يحفظ أغنية لأنها تعبر عن حياته، بل لأنها تتصدر تطبيقًا إلكترونيًا لأيام قليلة.. والنتيجة الطبيعية: أن الذاكرة الجمعية أصبحت قصيرة، و(الهوية الوطنية) أكثر هشاشة.

ولعل أخطر ما أصاب الفن المصري هو غياب المشروع الثقافي، ففي الماضي، كانت هناك منظومة كاملة؛ مؤلفون كبار مثل (نجيب محفوظ، وأسامة أنور عكاشة، ومحمد جلال عبد القوي،  محفوظ عبد الرحمن، محمد صفاء عامر، كرم النجار)، يصنعون نصوصًا تنطلق من الواقع المصري عبر الشارع.

وكان هناك مخرجون يؤمنون بأن السينما رسالة، وملحنون يعتبرون اللحن جزءًا من تاريخ البلد، وممثلون يدركون أن الشهرة نتيجة وليست هدفًا.

أما اليوم، فكثير من الأعمال تبدو وكأنها بلا مكان ولا زمان.. تستطيع تغيير أسماء الشخصيات وأماكن الأحداث دون أن يتأثر شيء، لأن الروح المصرية غائبة.. لقد كانت القاهرة قديمًا بطلة في الأفلام، كما كانت الإسكندرية بطلة عند يوسف شاهين، والصعيد بطلًا عند عاطف الطيب، والريف بطلًا عند صلاح أبو سيف.

أما الآن، فكثير من الأعمال تدور في أماكن بلا ملامح، وشخصيات بلا جذور، وحكايات يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم.. وهنا تضيع (الهوي. الوطنية).

ولا يمكن الحديث عن الهوية (الهوية الوطنية) دون التوقف أمام المسرح.. كان المسرح المصري جامعة مفتوحة، من يوسف وهبي إلى زكي طليمات، ومن سعد الدين وهبة إلى ألفريد فرج، ومن فؤاد المهندس إلى محمد صبحي، ظل المسرح يصنع مواطنًا يفكر قبل أن يضحك.

حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
الأرض
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
الوجة الثانية
حين ماتت الحكاية.. الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية (1)
الكرنك

تراجع مساحة الحوار الفكري 

اليوم، تراجع المسرح في الوعي العام، وتراجعت معه مساحة الحوار الفكري والجمالي، كما أن الإعلام نفسه تخلى عن دوره في تقديم النقد الفني الحقيقي.. أصبح الاحتفاء بالأرقام أهم من مناقشة القيمة، وأصبح السؤال عن الإيرادات يسبق السؤال عن جودة النص أو الإخراج أو الأداء.. وهكذا، تحولت الصناعة إلى سوق، وتحول الفنان إلى منتج محتوى، وتحول الجمهور إلى مستهلك سريع.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل.. لا تزال هناك أعمال جيدة، ومخرجون موهوبون، وكتاب يمتلكون أدواتهم، وموسيقيون يحاولون الدفاع عن الذوق العام، لكنهم يحتاجون إلى منظومة تؤمن بأن الفن ليس سلعة فقط، بل قوة ناعمة تبني صورة الدولة في الداخل والخارج.

ومن ثم فإن استعادة الهوية الفنية المصرية لا تبدأ بمنع لون غنائي أو مهاجمة جيل جديد، بل تبدأ بإعادة الاعتبار للتعليم الفني، والكتابة الجادة، والمسرح، والموسيقى، والنقد، وإعطاء الفرصة للمواهب الحقيقية بعيدًا عن منطق السوق وحده، فالأمم لا تُقاس بعدد الأعمال التي تنتجها، بل بعدد الأعمال التي تبقى.

ولهذا ما زلنا نستمع إلى أم كلثوم، ونشاهد (الأرض، بداية ونهاية، الثلاثية، القاهرة 30، الأيدي الناعمة، رد قلبي، الزوجة الثانية، الكرنك)، ونبكي مع عبد الحليم، ونبتسم مع إسماعيل ياسين، ونردد موسيقى هاني شنودة وعمار الشريعي وعمر خيرت، لأن هذه الأعمال لم تكن تبحث عن الترند، بل كانت تصنع التاريخ.

إن مصر التي صدّرت الفن إلى العالم العربي قادرة على استعادة مكانتها، لكن ذلك لن يحدث ما دام السؤال الأول في غرف الإنتاج هو: (كم سيحقق العمل من مشاهدات؟) بدلًا من: (ماذا سيضيف إلى وجدان المصريين؟).. فحين يستعيد الفن رسالته… تستعيد مصر جزءًا من روحها.

وحين يعود الفن إلى صناعة الهوية، سيكتشف الجميع أن أعظم استثمار في المستقبل ليس بناء الاستوديوهات وحدها، بل بناء الإنسان الذي سيقف أمام الكاميرا وخلفها، وهو يحمل في داخله مصر، لا مجرد عنوان عمل جديد.

في الحلقة القادمة: نتعرض لقضية: بين أهل مصر وأهل إيجيبت.. كيف اختُطفت هوية وطن وصار الفن شاهدًا على الجريمة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.