رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(الفن) والسياسة: عندما تتحول الريشة إلى سلاح

(الفن) والسياسة: عندما تتحول الريشة إلى سلاح
السياسة تحتاج الفن لتجميل نفسها، والفن يحتاج السياسة ليجد معناه

بقلم الباحث السياسي العراقي: علاء القيسي

لم يكن (الفن) يوماً محايداً تماماً، منذ أن رسم الإنسان الأول على جدران الكهوف انتصارات قبيلته، وحتى جدارية (Banksy) على جدار الفصل العنصري، كان الفن هو السجل غير الرسمي للسلطة، والمرآة التي تعكسها وتشوهها وتفضحها في آن واحد.

العلاقة بين السياسة و(الفن) ليست علاقة تأثير باتجاه واحد، بل هي علاقة جدلية معقدة، السياسة تحتاج الفن لتجميل نفسها، والفن يحتاج السياسة ليجد معناه.

والسؤال: لماذا تحتاج السياسة إلى (الفن)؟ لأن السياسة تتعامل مع الأرقام والقرارات والقوانين، وهي لغة باردة يصعب على الجماهير أن تحبها، و(الفن) يقدم لها ثلاث خدمات لا تستطيع الاستغناء عنها وهي:

1ـ الشرعية العاطفية: لا شيء يجعل فكرة مجردة مثل (الوطن) أو (الثورة) أو (الأمة) قابلة للموت من أجلها، مثل نشيد أو تمثال أو لوحة.

فمثلا الفنان الفرنسي (دايفيد) كان فنان فرنسي بارز من المدرسة الكلاسيكية الجديدة وعُيِّن رسام البلاط الإمبراطوري الأول عام 1804، الذي لم يرسم لنابليون لأنه رسام البلاط ، بل لأنه كان يصنع أسطورة نابليون .

2- الدعاية والتعبئة: هذا هو الوجه  الأكثر مباشرة، مثل الواقعية الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي ، وفن البوستر في الصين الماوية، والجداريات النازية،  كلها استخدمت نفس القاعدة وهي صورة واحدة أبلغ من ألف خطاب سياسي .

3- القوة الناعمة: اليوم لا ترسل الدول جيوشاً فقط، بل ترسل أفلاماً ومهرجانات ومعارض، عندما تمول دولة جناحها في بينالي البندقية ، هي لا تعرض فناً ، بل هي تعرض روايتها للعالم.

(الفن) والسياسة: عندما تتحول الريشة إلى سلاح
التدمير الرمزي هو ذروة الصراع، مثال تدمير تماثيل بوذا في باميان

الفن المقاوم لا يحتاج إلى معرض

والسؤال الثاني لماذا يحتاج (الفن) إلى السياسة؟.. (الفن) الذي يتجاهل السياسة بالكامل يخاطر بأن يصبح زخرفة، لأسباب عدة منها :

1- الفن كشهادة: عندما تصمت الصحف وتُغلق البرلمانات، لتبقى لوحة Guernica لبيكاسو (1937) ليست مجرد لوحة تكعيبية عن قصف بلدة إسبانية، وإنما هي محضر إدانة أخلاقي ضد الفاشية، ولا تزال تُدرّس في كليات الحقوق أكثر من كليات الفنون.

2 – الفن كمقاومة: الفن المقاوم لا يحتاج إلى معرض، بل يحتاج إلى حائط من جرافيتي الانتفاضة الفلسطينية، إلى كاريكاتير ناجي العلي، إلى فن الشارع في ثورات الربيع العربي، ليصبح (الفن) طريقة للقول عندما يكون القول المباشر مستحيلاً .

3- الفن كمساءلة: الفنان السياسي الحقيقي لا يمجد السلطة، بل يراقبها، فمسرح برتولت بريخت، وأفلام كوستا غافراس، وأغاني الشيخ إمام، كلها وضعت المتفرج في موقع القاضي لا المتفرج .

يمكن تلخيص تدخل السياسة في (الفن) في أربعة مستويات: الرقابة والمصادرة: وهو الشكل الأقدم، من منع أفلاطون للشعراء من جمهوريته الفاضلة، إلى قوائم الكتب الممنوعة اليوم، الرقابة لا تقتل العمل الفني، بل تمنحه هالة خطيرة تجعله أكثر انتشاراً.

2 ـ التوجيه والتمويل: أخطر من الرقابة لأنه غير مرئي، من يمول يقرر ماذا يُعرض؟، جوائز الدولة ، منح وزارات الثقافة، وصناديق دعم السينما، كلها تشكل ذائقة عامة دون أن ترفع شعاراً سياسياً مباشراً .

3 ـ التوظيف الأيديولوجي: عندما يتحول الفنان نفسه إلى جزء من جهاز الدولة، هنا يفقد (الفن) استقلاليته ويصبح ملصقاً .

4 ـ التدمير الرمزي وهو ذروة الصراع، تدمير تماثيل بوذا في باميان، أو تفجير الآثار في الموصل، أو إسقاط تماثيل الأنظمة السابقة في الساحات، ليس كراهية للحجر، بل محاولة لمحو ذاكرة ثقافية وتاريخية وسياسية كاملة .

وكمثال حي يمكن ان نأخذ الحالة العراقية كنموذج مكثف لأننا لا يمكن فهم هذه العلاقة بعمق دون المرور بالعراق .

(الفن) والسياسة: عندما تتحول الريشة إلى سلاح
نصب الحرية للفنان التشكيلي العراقي الشهير (جواد سليم) في ساحة التحرير ببغداد

نصب لنظام إلى نصب لشعب

فنصب الحرية للفنان التشكيلي العراقي الشهير (جواد سليم) في ساحة التحرير ببغداد هو أوضح مثال، فهو عمل فني كُلف به في عام 1959 ليحكي تاريخ العراق من العصر البابلي إلى ثورة 14 تموز عام 1958، كل قطعة فيها لها موقف سياسي، ولذلك بقي رغم كل الأنظمة التي تعاقبت، لأنه تحول من نصب لنظام إلى نصب لشعب .

بعد 2003، وهو عام تغيير النظام السياسي، انفجر (الفن) العراقي سياسياً، من مسرح الشارع، إلى جداريات ساحة التحرير عام 2019، وأفلام قصيرة صُورت بالهاتف، كلها كانت محاولة لاستعادة الفضاء العام الذي صادرته السياسة لعقود .

5 ـ أما  الآن فنحن في عصر سياسة الصورة السريعة،  اليوم تغيرت الأدوات، لم يعد التأثير السياسي يحتاج إلى وزارة إعلام، الميم، والفيديو الساخر، وفلتر الانستغرام، أصبحت هي المنشور السياسي الجديد، فنان مثل (Banksy) لا يحتاج إلى موافقة لقاعة عرض ، يكفيه حائط وحساب فقط ، وفي المقابل، أصبحت الخوارزميات هي الرقيب الجديد، ما لا تروّجه المنصة كأنه لم يوجد.

وهنا يكمن الخطر الجديد، لم نعد نعاني من قلة (الفن) السياسي، بل من كثرته لحد الاستهلاك، خاصةً عندما يتحول كل شيء إلى موقف سياسي، حينئذ يفقد الفن قدرته على الصدمة .

الخلاصة: السياسة تحاول دائماً أن تجعل (الفن) مفيداً ومقيداً أحياناً، والفن العظيم يحاول دائماً أن يبقى عديم الفائدة المباشرة، حراً، ومزعجاً، وغير قابل للتلخيص في شعار.

أعظم الفنون السياسية لم تكن تلك التي قالت (صوّتوا لهذا الحزب)، بل تلك التي جعلت الناس، بعد مشاهدتها، غير قادرين على التصويت بنفس الطريقة القديمة .

وفي النهاية نطرح سؤال وهو: هل يجب أن يتأثر الفن بالسياسة؟ بل:هل يملك (الفن) الشجاعة ليؤثر هو في السياسة، بدلاً من أن يكون مجرد ديكور لها؟gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.