


بقلم الدكتور: شيماء سعيد
لم تعد الدراما المصرية تتعامل مع المراهقة أو مشكلاتها باعتبارها مجرد خط فرعي داخل الأحداث، بل أصبحت تضعها في قلب الحكاية، بوصفها عالمًا كاملًا تتشابك فيه الضغوط النفسية والاجتماعية والأسرية كما جاء في مسلسل (تحت السن)، وتقترب بجرأة من المناطق المسكوت عنها في حياة المراهقين.
يأتي مسلسل (تحت السن) ليجعل من اختفاء الطالبة (هنا) نقطة انطلاق لتشريح العلاقات داخل الأسرة، وكشف المسافات الخفية التي قد تفصل بين أقرب الناس، حتى وهم يعيشون تحت سقف واحد.
ومن خلال رؤية أشرف على كتابتها أمين جمال، وسيناريو وحوار محمد السوري ومينا بباوي، وإخراج يحيى إسماعيل، يبني العمل شخصياته على مبدأ الكشف التدريجي؛ فلا يكون اللغز الحقيقي هو البحث عن القاتل، بقدر ما يكون اكتشاف ما تخفيه الشخصيات عن المحيطين بها.
ومع توالي الأحداث، تتكشف الأسرار واحدًا تلو الآخر، ليتضح أن الجميع يتعايش تحت سقف واحد وهو يخفي جانبًا من حياته، ليصبح سقوط الأقنعة، وما يكشفه من تباعد خفي بين أفراد العائلة، الحدث الأهم في المسلسل، لا مجرد كشف هوية القاتل.


أقنعة لا يراها الآباء
ما يخفيه الأبناء عن أسرهم لا يكون دائمًا بدافع التمرد أو الرغبة في الخداع، بل كثيرًا ما يكون محاولة لحماية عالمهم الخاص، خوفًا من المواجهة أو العقاب، ويجعل (تحت السن) هذه الفكرة سمة مشتركة بين طلابه المراهقين.
فلا تكاد تخلو شخصية من سر تخفيه عن أسرتها، لتبدو العلاقة بين الأبناء وأسرهم وكأنها تقوم على معرفة ناقصة لا تكتمل إلا عندما تفرض الأحداث سقوط الأقنعة.
وتأتي (هنا/ جيدا منصور) بوصفها النموذج الأوضح لهذه الفكرة ـ فعلى الرغم من أنها كانت تعيش مع والدتها تحت سقف واحد، فإنها أخفت عنها علاقتها العاطفية بعلي، ثم زواجها العرفي من سيد، شقيق صديقتها ملك، وما صاحب ذلك من صراعات وضغوط نفسية.
ولم تنكشف هذه الحياة الخفية إلا بعد اختفائها، لتدرك الأم متأخرة أن سنوات القرب لم تكن كافية لمعرفة ابنتها كما كانت تظن.
ولا تتوقف الأقنعة عند (هنا)، فمريم، التي أدت دورها (جيسيكا حسام الدين)، كانت تقود رحلة البحث عن صديقتها، لكنها في الوقت نفسه أخفت عن والدتها تحركاتها وما توصلت إليه، واحتفظت مع أصدقائها بأسرار لم تبح بها لأقرب الناس إليها.
وحتى (عليّ) الذي أدى دوره (عبد الله أشرف) لم تكن والدته تعرف طبيعة علاقاته بالفتيات أو الشبهة الجنائية التي أحاطت به، ليؤكد العمل أن المسافة بين الآباء والأبناء قد تتسع رغم العيش تحت سقف واحد.
ويمتد هذا المعنى إلى شخصيات أخرى، فلا تبدو الأقنعة حكرًا على طبقة اجتماعية أو بيئة بعينها، فنجد (ملك/ ترنيم هاني)، ابنة عاملة النظافة، و(داليدا/ جودي مسعود)، القادمة من أسرة ميسورة، تنتميان إلى عالمين مختلفين، لكنهما تتشاركان الحقيقة نفسها: لكل منهما جانب من حياتها لا تعرفه أسرتها بالكامل.
ومع دخول الاسمين دائرة الاشتباه في اختفاء (هنا)، جاءت الصدمة للعائلة، بعدما اكتشفت أن ما كانت تعرفه عنهما لم يكن كاملًا، لذلك حين تواجه (والدة داليدا) ابنتها قائلة: إنتِ مين؟.. مستحيل تكوني بنتي) لا تبدو الجملة مجرد صدمة أم في ابنتها، بقدر ما تبدو اعترافًا متأخرًا بأن القرب لا يعني بالضرورة المعرفة.


الآباء أيضًا يرتدون الأقنعة
إذا كان الأبناء يخفون جانبًا من حياتهم خوفًا من رد الفعل، فإن (تحت السن) يؤكد أن الآباء لا يقلون عنهم في ارتداء الأقنعة، لكن بدافع مختلف، فالأب أو الأم يتمسكان بالصورة التي يريدان أن يراها الأبناء، حتى لو كانت بعيدة تمامًا عن الحقيقة.
ويتجسد ذلك بوضوح في شخصية (مستر شاكر) التي قدمها (أحمد الرافعي)، إذ كان حريصًا على حماية الصورة التي رسمها لنفسه أمام ابنته (سارة)، رغم علاقته الآثمة بوالدة (هنا) التي كان يخفي حقيقتها عنها، وعندما وجد نفسه متورطًا في القضية، لم يكن همه الأول مواجهة الحقيقة، بل الحفاظ على صورة الأب المثالي أمام ابنته.
لذلك وبعد القبض عليه، اختلق رواية كاملة ادعى فيها أن (هنا) هى من كانت تلاحقه وتحاول التقرب منه، بينما كان هو يرفضها حفاظًا على صورته ومبادئه، وحين سأله ضابط المباحث عن سبب اختلاقه لهذه الرواية، جاء رده كاشفًا عن تمسكه بالصورة التي يريد أن تبقى عليها ابنته: (ده اللي عايز بنتي تعرفه).
ولا يقتصر هذا القناع على الأب فقط، بل يمتد إلى الأم أيضًا، فرحمة، والدة (هنا)، التي قدمت دورها (فرح يوسف) كانت تخفي علاقتها غير الشرعية بمدرس ابنتها، مستر شاكر، حتى سقط قناعها أمام (هنا) عندما شاهدتهما معًا في وضع مخل.
وتزداد المفارقة حين نرى (رحمة)، التي كانت تعنف ابنتها عند شكها في احتمال حملها ووجود شخص في حياتها، تخفي ما لا يتوافق مع الصورة التي تطلب من ابنتها الالتزام بها، وعندما انكشفت حقيقتها، اختارت إسكات (هنا) بالموافقة على احتجازها مع شاكر، لتتحول من مصدر أمان إلى سبب في تحطيم ابنتها نفسيًا، قبل أن تنتهي المأساة بمقتلها جسديًا بالخطأ على يد شاكر.


الأقنعة بين الأزواج أيضًا
ولا تتوقف الأقنعة عند العلاقة بين الآباء والأبناء، بل تمتد إلى العلاقة التي يُفترض أنها الأكثر قربًا وصدقًا، علاقة الزوج بزوجته، ففي أحد أكثر خطوط المسلسل إيلامًا، تبدأ زوجة (مستر شاكر) في التأكد من خيانته لها.
ومع انكشاف الحقيقة تدريجيًا تسقط الصورة التي ظلت تحملها عنه لسنوات، فتقرر الذهاب إلى المباحث للإدلاء بشهادتها، وعندما يحاول الضابط تنبيهها إلى أن ما ستقوله قد يقود إلى سجن زوجها، تجيبه بحسم (لو مجرم يستاهل).
لم يكن قرارها انتقامًا، بل اعترافًا بأن الحقيقة أصبحت أهم من الحفاظ على صورة زوج اكتشفت أن الرجل الذي عاشت معه لم يكن كما ظنت، وتبلغ الصدمة ذروتها بعد القبض على شاكر، عندما تنظر إليه قائلة: (إنت مين؟.. أنا عشت مع واحد معرفوش)، جملة تختصر سنوات من الزواج.
وتكشف أن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بطول العِشرة، فالمرأة التي شاركت هذا الرجل بيتًا وحياة كاملة، اكتشفت أنها لم تعرف سوى الصورة التي اختار أن يقدمها لها، لا حقيقته.
ولا يتوقف الأمر عند شاكر وزوجته، بل يمتد إلى زوج الطالبة (ناهد)، التي قدمت دورها (ريم المصري)، فبعد زواجه منها سرًا، يلتقي بها في أحد المطاعم أمام زوجته وأطفاله، لكنه يتنصل منها تمامًا خوفًا من انكشاف حياته الأخرى.
ويوضح هذا الموقف تمسكه بالحفاظ على الصورة التي صنعها داخل بيته، فاختار ارتداء قناع الزوج الذي لا يعرف ناهد، حتى لا ينهار العالم الذي بناه مع زوجته وأبنائه.
وبهذا يكشف (تحت السن) أن الأقنعة جزء من طبيعة الحياة داخل الأسرة، فوجود مساحات لا يعرفها الآخرون قد يكون جزءًا من التعايش، لكن الاعتقاد بأننا نعرف من نعيش معهم بالكامل يظل وهمًا، لأننا في النهاية قد نكون نخفي عن الآخرين بقدر ما يخفون عنا.