رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط
الفكرة مستهلكة، والأجواء مستهلكة، وحتى العنوان المزدوج بالعربية والإنجليزية يفضح أزمة هوية عميقة
تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

بمجرد عرض مسلسل (تحت السن – Under Age) انطلقت أبواق الإشادة المعتادة على مواقع التواصل.. الحديث كله عن (شجاعة الطرح)، و(واقعية مؤلمة)، و(مدرسة كتابة جديدة)، ولكن قبل أن نقترب من العمل نفسه، علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها. شركات الإنتاج الخاصة التي تنفق على كل عناصر العمل من أجل جني الأرباح، من الطبيعي أن تنفق أيضاً على الدعاية.. ومنها مقالات إشادة مدفوعة، فما نراه ليس نقداً فنياً، بل مقالات تُكتب (بقصد الترويج)..مهمتها ليست التحليل ولا الفهم، بل الترهيب. ترهيب أي قلم يحاول أن يفكر أو يقول لا.. ستجد سيلاً من الشتائم والتسفيه والتخويف، وكأن المطلوب إسكات العقل قبل إسكات القلم. بعض شركات القطاع الخاص تجيد الدعاية باستخدام (النقد الموجه)، ولهذا جاءت موجة المديح مصطنعة ومنتفخة، وتجاهلت عن عمد عيوباً قاتلة في بنية العمل.

منذ اللقطة الأولى يتضح أن هذا مسلسل (تحت السن) ليس إبداعاً مصرياً أصيلاً.. هو استنساخ بارد لنموذج درامي أجنبي تكرر في عشرات المسلسلات الأجنبية التي تدور في فلك (مدارس البنات والأسرار والاختفاء والجريمة والتشويق).

الفكرة مستهلكة، والأجواء مستهلكة، وحتى العنوان المزدوج بالعربية والإنجليزية يفضح أزمة هوية عميقة.. أصبحنا نكتب بلغتين معاً كأننا نخجل من لغتنا، ونستعير قلق مجتمع آخر لا تحكمه مرجعية أخلاقية ولا روابط أسرية راسخة، ثم نلصق هذا القلق على جدران مدارسنا وبيوتنا.. أي منطق هذا الذي يجعلنا نستورد مشكلات غيرنا ونقدمها على أنها واقعنا؟

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط
المجتمع الذي استنسخوا منه يرى في العلاقات العاطفية بين الفتيان والفتيات والسلوكيات المنحرفة أمراً عادياً

إنهم يشيطنون المجتمع

والأخطر أنهم ينقلون واقعاً لا يشبهنا.. المجتمع الذي استنسخوا منه يرى في العلاقات العاطفية بين الفتيان والفتيات والسلوكيات المنحرفة أمراً عادياً.. هو مجتمع قد قبل ذلك أصلاً، فعندما يشاهد هذه الأعمال لا يصاب بصدمة.. أما نحن، فهذا الطرح يصيب مجتمعنا بصدمة حقيقية. صدمة تهز القيم وتستفز الغرائز وتفتح أبواباً موصدة.

وحينها لا يخرج من رحم هذه الصدمة إلا ردتان: إما تغريب كامل، أو ردة فعل متطرفة. فتلتقط الجماعات المتطرفة هذه الأعمال وتتخذها (تكأة) ومبرراً لتجنيد الشباب، وتقول لهم: (أرأيتم؟ هذا ما يريدون لكم).. إنهم يشيطنون المجتمع كله تحت دعوى (الواقعية)، متناسين أن لنا ثقافة وعادات وتقاليد حاكمة.

فإذا كان السؤال هو: لماذا لا تحدث نفس ردة الفعل المتطرفة هناك؟ فإن الجواب هو لأنها طبيعية عندهم.. أما عندنا فهي فتنة.

ويدعي القائمون على العمل أنهم (ينقلون الواقع).. فعن أي واقع يتحدثون؟.. عن واقع تُعرض فيه المدرسة كلها وكأنها بؤرة للانهيار الأخلاقي، دون إشارة واضحة إلى طالبة مهذبة أو معلم شريف أو أب يحمل المسؤولية؟.. هذا ليس انعكاساً للواقع، هذا تشويه متعمد له. والتشويه هنا لا يتوقف عند حدود الدراما، بل يمتد ليضرب في صميم قضايا المجتمع.

فعندما تُقدم المدرسة على أنها مرتع للانحلال، فإن النتيجة المنطقية أن يراجع المجتمع فكرة تعليم البنات من الأساس. ساعتها يعود من يقول (ما فائدة تعليم البنات؟)، ويعود من يرفع شعار (لا لخروج البنات من البيت)، لا باعتباره رأياً متطرفاً، بل باعتباره (إصلاحاً مجتمعياً) مستنداً إلى ما شاهده على الشاشة.

بهذا الشكل يقدم المسلسل على طبق من ذهب المبررات للجماعات المتطرفة التي طالما حاربت تعليم المرأة وحرية حركتها.

الخطورة ليست في عرض المشكلة، بل في تقديمها على أنها الأصل والقاعدة.. هذا هو التطبيع بعينه.. تكرار القبح حتى يصبح مألوفاً، وحتى يتحول الشذوذ إلى (عادي جديد)، وعندما يختفي النموذج السوي تماماً، تضيع البوصلة الأخلاقية للجمهور، خاصة من الشباب.

والأخطر من ذلك كله أن العمل حمّل المجتمع المسؤولية كاملة، وبرّأ كل مؤسسات الدولة.. اثنتا عشرة حلقة من الجلد المتواصل للمجتمع والأسرة في (تحت السن): أب منحرف، وأم ساقطة، ومدرس فاسد، ولكن أين وزارة التربية والتعليم؟ وأين الأمن؟ وأين الإعلام؟ وأين الخطاب الديني الرشيد؟ لا يوجد. كأن هذا الخراب هبط من السماء وحده.

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط

تحت السن.. عندما تتحول الدراما إلى بوق للإحباط
منظومة كاملة انهارت فألقت بالعبء كله على كاهل الأسرة.. هذا ليس نقداً، هذا إعفاء متعمد للمسؤول الحقيقي

إعفاء متعمد للمسؤول الحقيقي

ثم يختمون لنا بحلول من عينة (ضرورة التواصل بين الآباء والأبناء)، و(الدفء الأسري)، كأن أحداً لا يريد أن يتحدث عن الأحوال الاقتصادية التي أرهقت الأسرة وجعلتها مفككة، وعن منظومة كاملة انهارت فألقت بالعبء كله على كاهل الأسرة.. هذا ليس نقداً، هذا إعفاء متعمد للمسؤول الحقيقي.

الفن الجاد هو الذي يشعرك بالمسؤولية وبالرغبة في الإصلاح.. أما هذا العمل فيجعلك تكره مجتمعك وبلدك والأجيال الجديدة.. ومن يكره مجتمعه يسهل إقناعه بأن (لا أمل في هذا البلد)، وهنا مكمن الخطر الحقيقي.. هذا خطاب يصب مباشرة في خزانة من يريدون للشباب أن يعتقدوا أن هذا الوطن بلا دين وبلا أخلاق وبلا مستقبل. إنه باختصار يخدم أجندة الإحباط التي تتغذى عليها جماعات التطرف.

وكان بوسع (تحت السن) أن يكون شجاعاً بحق لو اختار زاوية أخرى للسرد.. لقد سبق لنا في الدراما المصرية أن قدمنا نماذج لعرض الفساد والأخطاء المجتمعية دون أن نسقط في مستنقع اليأس.. خذ مثلاً مسلسل (ضمير أبلة حكمت).. كان البطل الرئيسي للعمل هو مديرة المدرسة، السيدة حكمت هاشم، نموذج في الأخلاق والتفاني والمسؤولية.

واجهت مشكلات الطالبات، وعرضت نماذج من معاناة المجتمع، لكنك عندما تشاهد العمل لا تكره المجتمع ولا تكره بلدك. تخرج وأنت تحس أن الدنيا لا تزال بخير، وأن هناك من يحارب من أجل الإصلاح. الفرق واضح: هناك قدمنا المشكلة من عين من يملك ضميراً، وهنا قدمناها من مستنقع عفن. الهدف هنا أن تقتنع بأن الجميع فاسد، فيصيبك اليأس فلا تتحرك.

(تحت السن) ليس عملاً فنياً.. إنه تحذير لنا جميعاً من خطر الأعمال التي ترتدي عباءة (الواقعية) لتزرع اليأس فينا وتسلخنا من قيمنا تحت لافتة (الجرأة).

ولا تصدق دعاوى بعض المنتجين بأنهم يخدمون الفن.. هم لا يخدمون إلا أرباحهم، ولا يغتنون إلا بإفساد الذائقة وإفساد المجتمع.. هؤلاء باعة انحراف، على شاكلة تجار المخدرات.. يقدمون هذا العفن لكي يجمعوا الثروات، ثم يجلسون ليقولوا لنا (هذا فن وهذه ثقافة ونحن نحارب الإرهاب)، والحقيقة أن هذا التغييب المتعمد للوعي هو وقود للإرهاب وللجماعات التي تتاجر باليأس.

وعلى الشرفاء أن يخوضوا المعركة.. معركة ضد هذا العبث المسمى فناً وثقافة، والذي دفعنا ثمنه على مدار أكثر من خمسين عاماً.. نخبة ثقافية فاسدة أوصلت المجتمع إلى حالة من الانهيار القيمي.. ما زالوا يدافعون عن (مدرسة المشاغبين)، و(العيال كبرت)، ويتجاهلون من حذروا من أن هذا النوع من الفن سيهدم المجتمع.

وها نحن نجني النتيجة اليوم: فن فاسد يدعي محاربة الإرهاب بينما هو يمهد له.. علينا ألا نصمت.. علينا أن نستمر. علينا ألا نيأس في مواجهة هذا الفساد الثقافي والعفن الفني.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.